القاهرة ـ «القدس العربي»: على واجهات المحال وزجاج السيارات، بل ونغمات التليفون المحمول يتبرّك المصريون بأدعية الشيخ وصوته، الذي لا يجود الزمان بمثله إلا كل مئة عام أو يزيد. على الجانب الآخر نجد الشباب وبداياتهم مع العلم والمعرفة تنحصر في حلقات الدكتور، الذي يعود بكل الموضوعات سيرتها الأولى، والتي لن تحيد بل وتتطابق وما ورد ذكره في كتاب الله العزيز الحكيم، ناهيك من قراءة مؤلفاته المنتشرة، والتي تتناول كافة الموضوعات، دينية وسياسية واجتماعية وأدبية. ورغم خفوت تأثير الأخير إلى حدٍ ما، إلا أن الجيل الذي نشأ وتربى في أحضان دولة العلم والإيمان لم يزل يُشكّل الأغلبية من الشعب المصري، خاصة وقد تراجعت مكانة مصر ودورها تحت وطأة المال الخليجي، والعربية السعودية بوجه خاص، التي تعمل جاهدة على محو الوعي والهوية لدى المصريين، وحتى هذه اللحظة هي للنجاح أقرب. فكل من الشعراوي ومصطفى محمود ليســــا سوى أداة واعية في يد السلطة السياسية لتغييب وعي المصريين، ومواقف كل منهما تشهد، رغم ما يحمله الأول من قداسة والثاني من مكانة في وعي العامة، وأصبحا يمثلان تابو لا يمكن الاقتراب منه، وإلا الاتهام بالكُفر أو الجهل. هذه بعض من ملامح وسيرة العالم والداعية ..
الرئيس المؤمن
جاء عصر السادات محاولاً محو كل أثر لتركة عبد الناصر، فالدولة المصرية لا تعرف المؤسسات، فقط الحاكم الإله أو شبه الإله، فكرة قيام الدولة من خلال الفرد فقط، وهو صاحب الحق المطلق في السير بها حسب هواه. جاء السادات باحثاً عن مساعدين لهذا التحول الذي أراده، بعيداً عن اليسار والشيوعيين، ولتكن دولة العلم والإيمان، وليكن لقبه (الرئيس المؤمن). هذا المؤمن أراد أن يصبح التحوّل من خلال قاعدة الجماهير العريضة، بدون الصفوة أو المتمسحين بهم، أصحاب الياقات المنشاة والاصطلاحات الغريبة والبعيدة عن شعب معظمه يعاني من آفة الأمية، وما أسهل استتباب الأمر للحاكم، من خلال كلمات رجل دين، وكذلك رجل يغلف الموضوعات العلمية بصبغة دينية، فلا ضرر ولا ضرار.
جاء عصر السادات محاولاً محو كل أثر لتركة عبد الناصر، فالدولة المصرية لا تعرف المؤسسات، فقط الحاكم الإله أو شبه الإله، فكرة قيام الدولة من خلال الفرد فقط، وهو صاحب الحق المطلق في السير بها حسب هواه.
العالم الحكيم الفيلسوف
ظهر مصطفى محمود (27 ديسمبر/كانون الأول 1921 ــ 31 أكتوبر/تشرين الأول 2009) واحتل مكانته من خلال برنامجه الشهير (العلم والإيمان) ــ الاسم مستوحى من الدولة التي أرادها الرئيس المؤمن ــ حيث قام بتسجيل حوالي 400 حلقة تناولت الكون وما عليه. فمع انهيار المشروع الناصري بهزيمة 1967، كان أفضل وجه يمثل الجبهة العلمية ذات التفسير الديني ــ ليس العلم من جهة اليسار ــ هو مصطفى محمود، الذي كان له الكثير من الانتقادات على عبد الناصر وسياساته. كما كان وجهاً لرأسمالية إسلامية، حاول السادات أن يجد فيها ضالته، وكذلك أن يصوّر لهذا الشعب المهزوم أن العلم يتوافق تماماً مع كتاب الله، بل قد سبق القرآن الجميع، ولم يزل يحفل بالأسرار. ولا ضير في كون الفيلم الذي يعرضه في الكثير من الحلقات يتنافى وما يحكيه بصوته، أو أن يتم تلفيق المعلومات السطحية وكأنها معلومات أكاديمية موثوق بها، فما يهم الشعب في النهاية هو قول لا إله إلا الله، فالقرآن يحوي من المعجزات العلمية الشيء الكثير والذي عرفه العرب قبل أن يكتشفه الغرب في القرن العشرين. والدين عند الله الإسلام، وأننا خير أمه أُخرجت للناس. ولا نظن أن ما فعله مصطفى محمود اقتصر على برنامجه، بل امتد أثره حتى اليوم، فما زال كثيرون يدّعون أنهم وجدوا علاجاً أو معجزة علمية في القرآن والسنة، وتكسبوا أموالاً طائلة في العديد من الدول العربية، على رأسهم زغلول النجار الراعي الرسمي للعلاج ببول الإبل.
وعن علاقة مصطفى محمود بالسادات، يذكر مخرج برنامجه الشهير (العلم والإيمان) إبراهيم عكاشة في حوار صحافي له، أن أول مرة التقى فيها مصطفى محمود وجهاً لوجه كانت في عام 1971 أثناء اللقاء الأسبوعي الذي كان يعقده السادات مع جمُوع الإعلاميين. عندها قال له السادات «إعملنا حاجة عن العلم والإيمان»، وجاء طلبه هذا على خلفية مقال كان قد كتبه محمود ونشر في «روزاليوسف» واصفاً فيه السادات بأنه رجل العلم والإيمان، هذا المقال تمت إذاعته وقراءته لأكثر من 50 مرّة في الإذاعة والتلفزيون. وتذكر الكاتبة والفنانة لوتس عبد الكريم في مقالها المعنون بـ«مراحل مصطفى محمود» قائلة، «عرفته وقتذاك ثم اقتربتُ منه كثيراً، وأنا أحمل إليه تبرعات خليجية من أجل مصر، ثم مشروعاته الإسلامية الخيرية.
وكان زوجي يحرص على زيارته كلما جاء إلى مصر ــ زوجها عبد الرحمن العتيقي وزير المالية والبترول الكويتي وقتها، الذي أنشأ صندوق الخليج من أجل مساعدة مصر ــ ويستعين به في حل مشكلاتِ البنوك الإسلامية التي كان يؤسسها في لوكسمبورج ويديرها مصريون، فكانت حكمة الدكتور مصطفى محمود وصرامته وعلاقاته المتعددة ذات فائدة قصوى في حل تلك المشكلات التي كانت تنتهي بكسب مادي للمشروعاتِ الإسلاميةِ في مصر… وكان يحضر إلينا كثيراً الشيخ أحمد زكي يماني وزير البترول السعودي آنذاك، وقمتُ بواجب التعارف بينهما، فكنا نقضى أجمل السهرات الدينية معاً». وفي الأخير نختتم بوجهة نظر مصطفى محمود نفسه، وما يريده ويحلم بتحققه .. «التيار السياسي الإسلامي هو صناعة رأي عام إسلامي قوي ومؤثر، وليس صناعة انقلابات وهدفه أن يصبح الرأي العام الإسلامي من القوة بحيث يصبح ملزما للحاكم وموجها له في جميع قراراته، ولا يوجد حاكم لا يحسب للرأي العام ألف حساب… خطأ الحركات الإسلامية في الماضى أنها حاولت ضرب الحاكم وقلب نظامه فدخلوا السجون».
إمام الدعاة
أما إمام الدعاة فلا يستطيع أحد الاقتراب منه، وإلا سيكون في أسفل سافلين، وقد كان ولا يزال له أكبر الأثر في جمهور المتدينين، خاصة وهو يجلس أمامهم يفسر آيات الله في لغة تقترب من السهولة والبساطة لتتفاعل وعقولهم، يُشيح بيده ويتمايل قليلاً ويُغيّر من نبرات صوته، لتنتهي كل عبارة من عباراته وتهليل الجماهير هاتفة بلفظ الجلالة (الله). احتل محمد متولي الشعراوي (15 إبريل/نيسان 1911 ــ 17 يونيو/حزيران 1998) نبرة تتوسط صراخ وتحريض الشيخ كشك، والهدوء الشديد لمحمد الغزالي. كما أنه دوماً كان في ركاب السلطة وتحت إمرتها، مهما تغيّرت، فنجده يمجد الملك فاروق قائلاً ..
«فإذا الطلعة السنية لاحت
وتجلى الفاروق بحبل موطَّدْ
كبر الحشد والأكُفُّ تلاقت
بين مَن ردَّد الهتاف وزغردْ»
حتى قام انقلاب يوليو/تموز 1952، فلم يفوّت الرجل الفرصة، وصدح بالشعر متغنياً
«أحييتَها ثورة كالنار عارمة
ومصر ما بين محبور ومرتقِبِ
شقَّت توزِّع بالقسطاس جذوتها
فالشعب للنور والطغيان للهب
وهكذا خِلتُها والله يغفر لي
كم لمواليد هذا الدهر من عجب».
وبخلاف التأييد السياسي لكل نظام، فقد كانت للشيخ آراء سلفية، خاصة في عمل المرأة وخروجها من منزلها، وزراعة الأعضاء ــ كنا نود معرفة رأيه وقد ضربت رياح التحديث العربية السعودية الآن ــ أما مدى تأثير الرجل حتى بعد موته.
وبخلاف التملق لكل نظام، فلم يسطع نجم الرجل إلا في ظل دولة العلم والإيمان، فقد كان بحق خير سند للرئيس المؤمن على طول الخط، وكان وزير أوقافه في وقت من الأوقات، ففي احتجاجات 1977 المعروفة بـ«انتفاضة الخبز»، انحاز الشيخ للفريق المتبني لرؤية السادات الذي سماها «انتفاضة الحرامية»، ووقتها أكد الشعراوي ضرورة طاعة الحاكم وأن «الفتنة نائمة لعن الله مَن أيقظها». كما أيّد وبارك معاهدة كامب ديفيد مستشهداً بالآية الكريمة «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله»، وقائلاً عنه عقب انتقاد عضو في مجلس الشعب المصري لوزارة الأوقاف التي كان يشغلها الشعراوي «والذي نفسي بيده، لو كان لي في الأمر شيء لحكمت للرجل الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا إلى القمة ألا يُسأل عما يفعل»، وما كان منه حين قال له النائب إن من لا يُسأل عما يفعل هو الله، إلى أن قال إنه يعرف الله أكثر من النائب. ثم برّر الشعراوي قوله ذاك، بعد رحيل السادات، بأن معناه أن الأخير ــ السادات ــ مجنون، وفي هذه الحالة فهو لا يُسأل عما يفعل!
وبالعودة إلى السجدة الشهيرة بعد يونيو/حزيران 67، نجد إمام الدعاة يبرّر فعلته قائلاً «انفعلت فسجدت عندما علمت بالنكسة، وحينما علمت بانتصارنا في أكتوبر/تشرين الأول سجدت أيضا، فرحت في السجدة الأولى لأننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية لأصبنا بفتنة في ديننا، والثانية سجدت لأننا بعدنا عن الشيوعية ولأن الحرب استهلت بـ(الله أكبر)».
وبعد الله أكبر، لابد من مساندة أحد قطبي الصراع وقت الحرب الباردة، ومعروف تماماً أين كانت تولي السلطة وجهها، فكتب مقالاً بعنوان «الإسلام يتحدى الشيوعية والرأسمالية معاً» في يونيو/حزيران 1984، متحدثاً عن الفارق بين عداء المسلمين في عهد الرسول للفرس، وعدائهم للروم، وقال إن الفرس كانوا في ذلك الحين «ملحدين»، والروم كانوا «مؤمنين»، وإن كانت عقيدتهم نصرانية، ومن هنا كان الروم «أقرب إلى قلب الرسول»، فلما نشبت المعركة بين الروم والفرس وتمت هزيمة الروم على يد الفرس، حزن الرسول وحزن المؤمنون، والسبب أن العداء بين الإسلام وأهل الإلحاد هو عداء في القمة، ولكن الخلاف ما بين الإسلام والديانتين خلاف في تصور الإله فقط، وبذلك يجب الوقوف ضد الشيوعيين لأنهم ملحدون، ومساندة الرأسماليين لأنهم مؤمنون بالله، وخصومتنا لهم ينبغي أن تكون أخف، كما يجب أن ندعو لهم بالنصر على المعسكر الآخر. هذه الرأسمالية التي أصبحت رأسمالية إسلامية، أو ارتدت مسوح الإسلام، فكان الشعراوي إمام الدعاة لها، فروّج وتصدر إعلانات شركات (الريان) الشهيرة في نهاية الثمانينيات، التي نهبت أموال المصريين باسم الإسلام والفائدة الحلال.
أما حالة الفصام القصوى التي يعيشها الشعب المصري، والهلوسات التي يراها دون غيره، فتمثلت في عبارة الشعراوي الشهيرة لمبارك المخلوع وقت نجاته من حادث أديس أبابا، فقد قلب الشعب العبارة ووصف الشيخ بالقوة وعدم الخوف إلا من الله، رغم أن الشعراوي في عبارته كان يدعو لمبارك بالتوفيق على طول الخط، فقال .. «إذا كنتَ قدرَنا فليوفّقك الله، وإذا كنّا قدرَك فليُعِنكَ الله علينا».
وبخلاف التأييد السياسي لكل نظام، فقد كانت للشيخ آراء سلفية، خاصة في عمل المرأة وخروجها من منزلها، وزراعة الأعضاء ــ كنا نود معرفة رأيه وقد ضربت رياح التحديث العربية السعودية الآن ــ أما مدى تأثير الرجل حتى بعد موته، فيتضح في استغلال مقولاته وقت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، المقولة التي تكررت في الصحف والتلفزيون والإذاعة، ووسائل التواصل الاجتماعي، بل نافست رسوم الغرافيتي التي كان يتنفس الثوار من خلالها، موضحة لهم مَن هو الثائر الحق .. «هو الذي يجب عليه أن يهدأ كي يبني الأمجاد».
هذا بعض من كثير لا يعد ولا يُحصى من مواقف وآراء إمام الدعاة والعالم الفيلسوف في مجتمع تحاول السلطة جاهدة أن تتسلط عليه بالتجهيل وتغييب الوعي أولاً، حتى ينسى حريته ولا تقوم له قائمة أبداً.