القاهرة ــ “القدس العربي”: من بين العديد من التجارب التشكيلية، والتي تتراوح في أغلبها ما بين تكرارات لأعمال وأفكار مُنتحلة، أو محاولة تقليد أساليب غربية والتباهي بالسبق في هذا التقليد أو ذاك، ناهيك عن تجارب المرأة، والتي دوماً تأتي غارقة في تهويمات وأفكار تبحث عن الهوية الضائعة والمجتمع الظالم والقهر الذكوري وما شابه من المقولات المُعادة حد الملل، دون إنتاج يليق بتجربة تحاول الاقتراب من الصدق الفني، اللهم إلا المُتاجرة بصورة تقليدية في أذهان الآخرين.
وتأتي بعض التجارب اللافتة لفنانات يحاون خط طريقهن بعيداً عن صخب الرائج والمعتاد. وتزامن مؤخراً إقامة ثلاثة معارض لتشكيليات مصريات مختلفات في التجربة والرؤية الفنية، مما يعد إضافة إلى الحركة التشكيلية المصرية.
المصريون
في معرضها الذي أقيم في غاليري “خان المغربي” تستعرض الفنانة عطيات سيد العديد من اللقطات التي تصوّر الفئة الغالبة من الشعب المصري، خاصة ساكني الأحياء الشعبية العريقة، وإن كان الزمن يبدو زمناً آخر عما نحياه اليوم، وكأنها تحاول الاحتفاظ بصور هؤلاء وتفاصيل عالمهم. المقاهي والأسواق الشعبية، ونساء بدينات في الملاءات اللف التي كانت تميز المرأة المصرية في زمن غائب. وإن كانت الأماكن والأزمنة يمكن اكتشافها أو الإحساس بها بمعنى أدق من خلال ملابس الرجال والنساء، إلا أن خلفية اللوحات تحاول أن تخلق حالة من التوتر في هذا الزمن، حتى الكادرات الواسعة والتي تستعرض مجموعات للنساء، سواء في الطريق أو في السوق يبتعن حاجياتهن، تبدو الخلفية ضبابية بعض الشيء، وكأنهن في عالم بعيد رغم وقائعية شخوصه. الأمر الآخر يبدو في أسلوب رسم تفاصيل الأجساد، والمزاوجة بين الخطوط الحادة والمنحنية في الجسد الأنثوي، بخلاف تكوين المثلثات المتداخلة في حال تجسيد الرجل، وجلستهم في المقهى على سبيل المثال. أما الألوان النقية كالأزرق الزاهي فتصبح مناسبة لكل من الرجل والمرأة، ولا فارق ما بين امرأة تستعرض مفاتنها في الطريق، ورجل يدخن الأرجيلة في المقهى، دون نسيان إظهار تفاصيل الوسامة لنساء ورجال الحي الشعبي، والتناقض فقط يبدو في جسد الرجل النحيل والمرأة البدينة أو التي تقارب البدانة، وهي سمة جمالية كانت معياراً لدى المصريين، ولها حتى الآن دلالتها في الوعي الجمعي للشعب المصري. وما يميز هذه اللوحات هو بساطة الخطوط ونقاء الألوان، والحِرفية المستترة خلف تكوينات راسخة، تحكي تفاصيلها الكثير من حيوات لم تزل ترتسم على وجوه وطباع العديد من المصريين.
الناس والأشياء
من خلال أسلوب يميل إلى التكعيبية تحاول الفنانة مهرى خليل في معرضها الذي أقيم في “مركز الجزيرة للفنون” قاعة راغب عياد، والمعنون بـ “تقاطعات” أن تبتدع حالة من التواصل بين الناس والأشياء، في تكوينات هندسية، كذلك تفاصيل العلاقات الإنسانية ولحظاتها التي تبقى في الذاكرة، إضافة إلى تصوير بيئات مصرية مختلفة، سواء أجواء وشخوص المدينة، أو قرى جنوب مصر. يبدو ذلك من تفاصيل الملابس وبعض الأشياء المستوحاة من الطبيعة. ويتضح التجريد وتطويعه من خلال تفاصيل الجسد وتكويناته، كذلك العلاقة بين خلفية اللوحة وطريقة رسم الظلال، التي لا تنفصل عن صاحب الظل. وما بين الشخوص وبعض مفردات الطبيعة الصامتة، تتواتر العلاقة وتتخلق موضوعات وتفاصيل، علاقة حب، أمومة، تصاوير عائلية قد تشبه لقطات نعرفها أو شاهدناها من قبل. لكن بعيداً عن هذا التكوين وهذه الوجوه، وكأنها تحاول النفاذ أكثر إلى ما يمكن أن تعكسه الفوتوغرافيا، وهنا يتأكد الإصرار على حالة الدمج ما بين الشكل والخط، والخروج عن تقليدية التكوين إلى تكوينات مُبتكرة أكثر إدهاشاً وتأثيراً في المتلقي.
عالم الطبيعة
وفي الأخير يأتي معرض “تواصل” للفنانة نادية زكي، والذي أقيم في “مركز الجزيرة للفنون” قاعة كمال خليفة، والتي من خلاله تحاول رسم لوحات تستوحى الطبيعة وعالمها، خاصة البحر والبيئة الساحلية. واللافت أن لوحات زكي تقترب كثيراً من منظور اللقطات السينمائية، بداية من تدرجات اللون، وصولاً إلى التكوين القائم في أغلب حالاته على الحذف، والإيحاء أكثر منه نقلاً حرفياً، أو تصوير مباشر للمكان وعالمه. الطبيعة هنا هي التي تصوغ حياة المكان، فلا وجود للشخوص، فقط المكان وتفرده، ليتحول الأمر إلى حالة من التشخيص، ومن خلال مفردات قليلة كالبحر أو المَرسَى، أو حتى قارب يستند إلى الشاطئ، تتواتر التفاصيل عن هذا العالم. هذا في ما يخص بعض اللوحات التي تصور هذا العالم، ثم تأتي حالة التجارب اللونية المستوحاة من المكان وألوانه المسيطرة، لتتجاوز السائد وصولاً إلى تجريب تدرجات لونية مستوحاة من حركة الشمس وظلالها على هذه المساحة الشاسعة، واللعب والحِرفية هنا تأتي مما توحي به هذه الألوان في المتلقي، وكأنها حالات نفسية متباينة يمكن اكتشافها والإحساس من خلالها بهذه التباينات، تشكيل لوني صِرف، قد يستوحى تفاصيله من الطبيعة، لكنه لا ينقلها. هنا يتداخل المنظر ما بين البحر والسماء في لقطة واحدة دون فاصل معهود، أو تشكيل تقليدي نشهده في الكثير من الأعمال التي تدّعي التعبير عن هذه الطبيعة وعالمها.
هذه بعض انطباعات عن معارض فنية مفارقة لما تحفل به ساحة التشكيل المصري من تخمة وزخم تشكيلي أفضل ما يمكن أن يوصف به أنه زائد عن الحاجة، أغلبه يتراوح ما بين التكرار والادعاء الفني لا أكثر. الملاحظ أيضاً هو تفاوت التجربة والخبرة الفنية للفنانات، فهن يمثلن أجيالاً مختلفة دراسة وفكراً ورؤية، هذا التباين الذي يوضح مدى ثراء الفن المصري، وكيف أنه يرتهن فقط بموهبة الفنان وصدقه، وبحثه عن أفكار تخصه وحده، دون الالتفات إلى موضة أو موجة فنية مزعومة، أو استنساخ أعمال لآخرين أصبحوا أبواقاً دعائية لمن يقلدونهم، وكأنهم إذا ما خرجوا عن مسارهم المزعوم حُشروا في زمرة المغضوب عليهم من قِبل فنانين ونقاد هم إلى المومياوات أقرب.