هذا الإصدار عبارة عن مجموعة كتابات نقدية سبق للروائي والناقد السوري نبيل سليمان ان قدمها في ملتقيات مختلفة ما بين عامي 1984-1994. وكما يوضح في مقدمته فإن هذا المطبوع ليس نتاج تصميم مسبق بل استجابة لشواغل شخصية عامة.
توزعت مواد الكتاب على قسمين: الأول تضمن أربع مساهمات: الأدب والحرام، الممارسة الروائية للنقد ونقد النقد، ما بعد الحداثة في الرواية العربية، شعرية السرد وسردية الشعر. أما القسم الثاني فتضمن: جمالية الكلمة الروائية وضم ست مساهمات اشتغلت على نصوص لرشيد بوجدرة، عبد الرحمن منيف، صنع الله ابراهيم، سحر خليفة، حيدر حيدر، هشام القروين، هاني الراهب. إضافة إلى قصص قصيرة، كما ضم تجربة في تجديد السرد الروائي، التشكيل الروائي للحرب والسلام، التخييل والواقع والأدلجة، الاشكالات الروائية والاجتماعية، الجمالي في القص.

في موضوعة الأدب والحرام، لم يقتصر تناوله على صور الكتابة الروائية التي تحفر في الحرام أيا كان، بل تعدى ذلك فنون سردية أخرى، مثل الرسائل التي نشرتها غادة السمان والتي كانت تتبادلها مع غسان كنفاني، والحرام العربي كثير كما يراه سليمان، والأدب واجهه ولا يزال إلى ان يتحقق الحلم الإنساني المتجدد بالحرية. والحرام الذي يقصده جملة المحظورات الدينية والأخلاقية التي سرعان ما اتَّحدت وتخلّقت منذ فجر التاريخ العربي الإسلامي بالمحظورات السياسية والفنية بينما كانت التقييدات التابوية الأصلية لا تشمل ذلك، ويكاد أن يكون مصدر الحرام العربي الراهن قوة سحرية غريبة باتت تلازم الناس والأشياء. ومن الاشخاص ما غدا تابو زماننا، مثل الرئيس أو الملك أو التلفزيون أو الشيخ أو الحدود وكلها مثل التابو الأصلي. ويصل في قراءته للحرام بين الأمس واليوم إلى ان أقل مقارنة بين الموروث الأدبي والأدب المعاصر سنجد فيها ان ضغط الحرام على ذلك الموروث أدنى، وكأنه يقول إن فسحة حرية التعبير هذه الأيام ضاقت حتى الخنق، على الرغم من أن القامع الحاكم بجناحه الديني والسياسي لم يكن أقل استبدادا وتوتاليتارية، وعلى الرغم من انه كان للسلطان الاجتماعي وللمعارض السياسي والديني أيضا الكثير من حرامه. ولئن كان هذا الموروث يزخر بلحظات انتهاك الحرام، فقد باتت له منذ أكثر من قرن اشكالية جديدة عبر معركة تجديده، تتمثل من جهة في تحويله إلى تابو، ومن جهة أخرى في انتهاك هذا التابو نفسه. ويضيف بهذا السياق، أن الفلاسفة والصوفية وعلماء الأخلاق، وتأسيسا على الفلسفة اليونانية، طوروا الحرام الديني الإسلامي وما أبداه من حرام ديني مسيحي أو يهودي بفصلهم بين الجسد والروح، بين الحس والعقل، وبقولهم بالذات المستقلة عن البدن، وتحقيرهم اللذات الحسية وتحديدهم السعادة بالتحرر من البدن ولذَّاته طلباً للذات الروحية العقلية المحضة. لكن الجذر الإسلامي لا يفصل بين الروح والجسد فصلا قاطعا، والعقل ليس مصدرا للذة بديلة عن اللذة الحسية، ولئن كان الإسلام قد ذم الهوى وحرم وحلل، فالذم يقع على الإفراط.
الفصل الثاني حمل عنوان “الممارسة الروائية للنقد ونقد النقد” إذ يتناول عددا من الروائيين قدموا مساهمات نقدية مثل محمد برادة، واسيني الأعرج، جبرا ابراهيم جبرا، هاني الراهب، احمد يوسف داوود، محمد الباردي، عمار بلحسن، حليم بركات، رضوى عاشور، عبدالله العروي، حنا مينا، غالب هلسا. مؤكدا على ان ما قدموه جدير بالدراسة، ومن بينهم مَن غلب عليه الاشتغال بالنقد، ومنهم من له أيضا شغل ثقافي آخر كالشعر أو الفلسفة أو الاجتماع.
أما في الفصل الثالث فيعبر سليمان عن قلقه ازاء تيار ما بعد الحداثة في الرواية أو ما يطلق عليه “الميتافكشن” حيث يرى انه بدأ يتفشى في الرواية الأنكلو أمريكية خلال العقود الأربعة الأخيرة، ومن سماته كما تحدد ذلك الناقدة باتريشيا ووو: تكسير الحد بين الإبداع والنقد بما يُقدمه الكاتب من إفادات حول إبداع عالمه المتخيل. وهنا يتساءل نبيل سليمان: ولكن ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا إلاّ أن يكون سياحة ثقافية أو تعالما؟ ما صلته بهمومنا وقضايانا؟ هل أنجزنا الحداثة الروائية وغير الروائية كيما نتنطَّع إلى ما بعد الحداثة؟ وإلى متى نظل نلهث خلف بريق الآخر الثقافي وغير الثقافي، الأوروبي والأمريكي؟ ثم يجيب على هذه الأسئلة بان المفارقة بين زمني الحداثة وما بعد الحداثة تبدو ما بين الزمن العربي والزمن الغربي. كما تبدو المهمة المضاعفة التي علينا ان ننهض بها هي وعي حداثة الآخر، وإطلاق حداثتنا، ومن بين ما تفترض المهمة الأساس: وعي الذات والآخر. ويستطرد في رؤيته ليشير إلى أن الحداثة منذ الأربعينات أخذت تتعرض للانتقادات في عقر دارها، والأسباب عديدة من بينها تحول الحداثة إلى مؤسسة / سلطة، والنخبوية المغالية، والانصراف عن الشأن العام بعد ان كان الرواد غارقين في هذا الشأن إلى قمة الرأس، من بودلير الذي شارك في ثورة 1848 أو رامبو الذي شارك في كومونة باريس إلى اندره بريتون التروتسكي وتزارا الستاليني بل إلى كاثولوليكية اليوت وبرتستانتية جورج ارويل. وبخصوص تجليات الحداثة في الرواية العربية يخلص إلى القول إن ثمة المزيد من الشواغل الهامة التي تدور في فلكها، منها التركيز على اللاتعيين في الرواية، التاريخ باللاتاريخ، حيث لا زمان ولا مكان، ولكن مناخ وحسب، يخاطبك في ماضيك وحاضرك، وفي مستقبلك أيضا، والسؤال هنا هل هو هرب آخر من الراهن؟ وهل ينفي اللاتعيين تاريخية النص؟
الفصل الخامس حمل عنوان جمالية الكلمة الروائية، فالكلمة في الرواية من وجهة نظره سواها في الشعر، وشعريتها أمر آخر لا يحده المجاز ولا الاستعارة ولا الكناية ولا الرمز ولا التعالي ولا الانشائية ولا الجبرانية، فالرواية كتابة أخرى، تتعدد فيها الوحدات الأسلوبية، وفيها أنماط كلامية متنوعة، ويخلص إلى القول بان الكلمة الروائية لا تحيا بصوت واحد، بل بالتعدد، وحين نلتقي الكلمة الروائية انما نمخر فورا في عباب، وننشط في عالم، ولابد لنا ان نميز بين متكلم ومتكلم، بين أسلوب وأسلوب، وصولا إلى الكل الفني، وتلك هي الشعرية الأخرى للقص، ويضرب مثالا على هذه الكتابة في رواية “التفكك” للكاتب رشيد بو جدرة بسبب حمولة كلمتها.
الفصل السادس يتناول “تجربة في تجديد السرد الروائي” حيث يتوقف عند رواية “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف بأجزائها الخمسة التي ظهرت ما بين عامي 1984 – 1988 وقارب مجموع صفحاتها الألفين وخمسمئة، فيما يقارب ثلاثة أرباع المليون كلمة، ومن هذه الزاوية يجدها سليمان تقف مفصلا خاصا في المشهد الروائي العربي منذ فجره يأتي بعد مفصل ثلاثية نجيب محفوظ بعقود، فنحن معها أمام مئات الفاعلين، وفضاء مترام، وعقود وانعطافات، وأفعال اجتماعية ونفسية، وتجربة في التعامل مع الموروث السردي العربي والتناص واللغة الروائية والملمح الشعبي في الحكي، فماذا في هذه الرواية من أجوبة على هذه الأسئلة؟ إلى أي مدى هي تجربة في تجديد هذا السرد؟ ومن هنا يبدأ في قراءة جملة وحدات فنية تختزنها بنيتها السردية.
يتناول الفصل السابع التشكيل الروائي للحرب والسلام، حيث يشتغل على روايات توقفت عند مسألة وعي الآخر، اليهودي والصهيوني والغربي، وعلى وعي الذات في لجة الصراع مع هذا الآخر، وهناك كتّاب عرب بارزون قدموا هذه الموضوعة منهم: اميل حبيبي، سحر خليفة، الياس خوري، هاني الراهب، يوسف القعيد، سميح القاسم، جبرا ابراهيم جبرا، يحيى يخلف. واختار لهذه الدراسة روايتي “ذات” لصنع الله ابراهيم ورواية “باب الساحة” لسحر خليفة.
يحاول نبيل سليمان في الفصل الثامن ان يقرأ مفاهيم “التخييل، الواقع، الأدلجة في الرواية العربية الحديثة”. مشيرا إلى شيوع المتصل منها بالماركسية خاصة منذ قرابة أربعة عقود، وقد اتخذ ذلك الشيوع في الغالب سمة تلقينية وإطلاق الأجوبة الناجزة تعويلا على ماضي تجربة الآخر الغربي ضمن المسار المعقد لعملية المثاقفة، مما افتقدت معه مساءلة حقل الذات الذي يجري فيه الإنتاج إبداعا ونقدا، وكذلك مرجعية هذا الإنتاج في ثقافة الآخر العربي. وهنا يؤشر بأن خطا البداية جاء مع في هذه الأسماء: محمد مندور، عمر فاخوري، محمود أمين العالم، عبد العظيم انيس، رئيف خوري، حسين مروة، شحادة الخوري. ويضيف بهذا الاتجاه ان العقود الأربعة كانت كافية لأن تولد أسئلة جديدة وتعيد صياغة الأسئلة القديمة، فتخاطب ما تقدم من إجابات ناجزة وما استجد، في شغل الآخر وفي المفاهيم والمصطلحات الطارئة، إضافة إلى تفتيق ما كان قد شاع وإعادة تقديمه على ضوء الحاجات الجديدة، مما يتصل بالماركسيات أو البنيويات وكذلك العلمنفسيات وسواها. هكذا بات القول يعلو في الواقع الموضوعي والواقع الروائي في التخييل وفي بنى النص، وفي ايديولوجية النص وايديولوجية المبدع، وفي الرؤية والوعي الجماعي الممكن. ومن بين ذلك الوافر الذي يرى سليمان انه قد شاع (الواقع، التخييل، الأدلجة) حيث تبدو علامات استقطاب في المشهد الروائي والنقدي العربي الراهن، فهي لا تني تتوافر في الأبحاث والمقالات والكتب والمقابلات. ولكي يكشف لنا كيف تجلت هذه العلامات عمد إلى دراسة ثلاثة نماذج روائية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر و”بيروت بيروت” لصنع الله ابراهيم ورواية “ن” لهشام القروي.
أما الفصل التاسع فيرصد الإشكالات الفنية والاجتماعية التي رافقت نشأة الرواية باعتبارها فنا أدبيا معانقا للمشروع التحرري للبشر، ويضع نموذجا لذلك رواية “الوباء” لهاني الراهب. وفن الرواية كما يصفه نبيل سليمان التاريخ الجديد للبشر العاديين الذين يصنعون التاريخ مع انهم لا يبرزون فيه كذوات. وطبيعة الرواية جراء هذا الكلام تفرض عليها من الاشكالات ما هو أكبر حجما مما تفرضه طبيعة الأجناس الأدبية الأخرى، وهذه الاشكالات ليست فنية وحسب، فمنها ما هو سوسيولوجي بالمعنى الفج للكلمة، وتستدعي بامتياز جدلية الفن والمجتمع، فالرواية من وجهة نظره تتصل بمرجع اجتماعي تاريخي ما، وهي تحاول ان ترسل لسانها فيه، وقد يكون ذلك المرجع مفصلا أو مرحلة، والمهم انه دوما الإطار الزماني المكاني المحدد الذي لا يستوي خَلق الرواية دونه، بكل أبعاده الشعورية واللاشعورية، الفردية والجمعية، الفكرية والسياسية وحتى الفلكلورية. فالعالم الروائي يولد من الرحم الاجتماعي بمعنى أكثر مباشرة من الشعر أو الرسم مثلا، والعالم الروائي يفترض فيه ان يحقق استقلاليته ويقطع المشيمة ويحيا وفق معطياته وقانونيته الخاصة به.
يأتي الفصل العاشر ليتناول “الجمالي في القص” حيث يتمحور بحثه حول تجربة الكتابة القصصية في الإمارات العربية المتحدة خلال فترة الثمانينات، ويصل فيها إلى ان ما سبق هذه الفترة يشير إلى غلبة الشعر والمقالة مقابل ندرة القصة، وان تأخر ظهور الصحافة والقصة في الإمارات، يعني ان الريادة قد تأخرت عقودا عنها في أقطار عربية أخرى عديدة، وان هذا الإنتاج القصصي كأنما ولِد بلا رواد في بقعته العربية، مشبها جمالية القصة بالرمال المتحركة، فهذا المنتج الإنساني الذي اسمه القصة مثله مثل منتجه، كائن اجتماعي وثقافي وحضاري، فيه مكابدة وموقف ونظر وبشر وعلاقات وفضاء، فيه نسغ التاريخ بدءا أو انتهاء بالراهن الاجتماعي أو السياسي والذاكرة الجماعية أو الفردية وإيقاع الفنون الأخرى.
نبيل سليمان: “فتنة السرد والنقد”
دار الحوار، اللاذقية 2018
382 صفحة.