لندن – “القدس العربي” : تبقى كرة القدم كأي مهنة أو وظيفة في حياتنا، من رابع المستحيل أن تدوم لشخص بعينه، فقط تتغير الوجوه، لكن الكيان هو ما يبقى صامدا أمام الزمن إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وبطولة الأمم الأفريقية التي ستنطلق على أراضي الفراعنة يوم الجمعة المقبل، ستكون شاهدة على مولد نجوم واعدة للمستقبل، على حساب أسماء لها باع كبير على المستوى الدولي، منها ما حُرم بداعي الإصابة والبعض ما بين استبعاد فني أو تقدم في السن، وبدرجة أقل فشلت منتخباتهم في الترشح للبطولة، التي ستضم للمرة الأولى جُل عمالقة القارة السمراء الجميلة، بعد زيادة عدد المشاركين لـ24 منتخبا بدلا من نظام الـ16 منتخبا، الذي لم يتغير منذ نسخة بوركينا فاسو 1998.
عرب منسيون
صحيح أن أكثر من 90% من ألمع وأشهر نجوم الكرة الأفريقية المحترفين في الأندية الكبرى، سيكونوا حاضرين في “الكان” الفرعوني، حتى على مستوى التمثيل العربي، هناك 5 منتخبات عربية ستكون حاضرة، بعد المفاجأة الموريتانية، بالترشح التاريخي تحت قيادة المدرب كورنتين مارتينز، بجانب ثلاثي المغرب العربي، الجزائر والمغرب وتونس والبلد المضيف، لكن هناك أكثر من نجم عربي حقيقي لن يكون له دور في البطولة، لعل أبرزهم على الإطلاق التونسي علي معلول، الذي كان لفترة قصيرة من قادة نسور قرطاج، وكانت مفاجأة مدوية عندما أعلن مدرب المنتخب آلان جيريس قائمة الـ23 النهائية، بدون اسم ظهيره الأيسر المخضرم، مفضلا عليه كريم العواضي، وهناك تضارب حول سبب الاستبعاد، ما بين تقارير تتحدث عن “استبعاد فني” وأخرى تُصنفه لأسباب انضباطية، لردعه على اعتراض على قرار المدرب، بالاعتماد على العواضي ضمن التشكيلة الأساسية أمام وصيف بطل العالم “المنتخب الكرواتي” ضمن استعدادات “الكان”، وبحسب صحيفة “الصباح” التونسية، رفض معلول مصافحة زملائه بعد المباراة، ولم يظهر الحماس ولا الرغبة المعروفة عنه، وهو ما أثار غضب المدرب جيريس، وجعله يتخذ قرار استبعاد اللاعب الأعسر الموهوب، وبصرف النظر عن سبب القرار، لكن سيبقى معلول من أبرز الوجوه العربية الغائبة عن البطولة، خاصة بعد الطفرة الهائلة في مستواه، والتي تظهر بوضوح كلما دافع عن ألوان النادي الأهلي المصري، بفضل مراوغاته وذكائه وعرضياته شبه النموذجية، ومثله تماما زميله في ملعب “مختار التتش” رمضان صبحي، هو الآخر كان لفترة قصيرة من الركائز الأساسية في تشكيلة المنتخب المصري، سواء مع المدرب السابق هيكتور كوبر أو المدرب الحالي أغيري، وفي فترة إعارته من هدرسفيلد إلى النادي الأهلي في آخر 6 شهور، كافح قدر المستطاع لاستعادة مستواه الذي كان عليه قبل تجميده مع ستوك الانكليزي، لكن فجأة، جاء القرار بإخراجه حتى من القائمة الأولية، وهو ما أثار دهشة الكثير من النقاد والمتابعين، نظرا لجودة ومهارة اللاعب، الذي يجمع بين فن المراوغة والقوة، بفضل بنيانه الجسدي القوي، والبنيان القوي في حد ذاته ميزة لا تقدر بثمن في الالتحام والمواجهات المباشرة مع عمالقة أفريقيا، خصوصا الساحل الغربي، أصحاب الطول الفارع.
أيضا من الأسماء العربية الرنانة التي لن تشارك في البطولة الأفريقية، متوسط ميدان المنتخب الجزائري نبيل بن طالب، بعد تعرضه لإصابة مع ناديه الألماني شالكه، كأسوأ نهاية لموسمه المتذبذب، الذي واجه فيه مشاكل بالجملة، تارة بمشاكل مع إدارة النادي، وتارة أخرى مع الإصابات والابتعاد عن الملاعب، ليدفع الثمن مرتين، المرة الأولى بانخفاض قيمته السوقية من 20 مليون يورو لـ13 مليونا، ومحتمل أن تخفض أكثر بعد استبعاده من قائمة محاربي الصحراء المشاركة في العرس الأفريقي، ومعه في نفس السفينة، فوزي غلام، الذي فاجأ الجميع في وطنه باعتذاره عن الدفاع عن ألوان الخضر في البطولة، وذلك بحسب ما قاله المدرب جمال بلماضي، لاعتراض مدافع نابولي الأيمن على حملة التشكيك التي تعرض لها الموسم الماضي، سواء من قبل الاتحاد الجزائري أو وسائل الإعلام، حيث يرى أن الجميع تكالب عليه ولم يلتمس له أحد أي عذر بعد عودته من إصابته السيئة في الرباط الصليبي التي أبعدته عن الملاعب لأكثر من 6 شهور، فضلا عن هفوته في مباراة تونس في بطولة الغابون الأخيرة، ليرد الصاع صاعين لكل من جلده بالاعتذار عن عدم تمثيل منتخب بلاده في البطولة الأفريقية الأهم. ومن أبرز العرب الغائبين كذلك، الظهير الأيمن التونسي صاحب الطول الفارع حمدي النقاز، هو الآخر واجه نفس مصير “علولو”، ولم يجد نفسه ضمن اختيارات جيريس، رغم مساهمته في فوز الزمالك بأول لقب قاري منذ بداية القرن الجديد، بالفوز على نهضة بركان المغربي، وفي نفس المركز، سيغيب المخضرم المصري أحمد فتحي عن الفراعنة، رغم أنه الوحيد المتبقي من جيل الثلاثية التاريخي (2006 و2008 و2010)، وذلك بقرار فني من قبل المدرب أغيري وجهازه المعاون، لنفس السبب الذي استبعد من أجله أفضل ظهير أيسر في الدوري المحلي المصري عبدالله جمعة، بعد التطور الهائل في مستواه، بتعديل مركزه من لاعب جناح لمدافع أيمن، بفضل مدرب السويسري السابق كريستيان غروس، وفي المنتخب المغربي، سيغيب الهداف الموهوب أيوب الكعبي، بعدما فَضل عليه هيرفي رونار مهاجم الزمالك خالد بوطيب، مع الوضع في الاعتبار أن الأخير لا يعيش أفضل أوقاته مع البيت الأبيض لميت عقبة، وهؤلاء بالكاد أبرز الوجوه العربية التي لن نشاهدها في مصر.
أفارقة في طي النسيان
الأمر لا يقتصر على العرب فقط، هناك أيضا أسماء لنجوم أفارقة من الوزن الثقيل لن يكونوا حاضرين في عاصمة الفراعنة، لعل أبرزهم وأشهرهم على الإطلاق هداف البوندسليغا سابقا والبريميرليغ حاليا مناصفة مع محمد صلاح وساديو ماني، الغابوني بيير إيمريك أوباميانغ، وذلك بعد فشل منتخب بلاده في افتكاك البطاقة المؤهلة للنهائيات الأفريقية على حساب بروندي، وللسبب ذاته، لن نشاهد المخضرم المثير للجدل إيمانويل أديبايور، بعد تعثر منتخب توغو أمام بنين، التي احتلت وصافة المجموعة الصعبة خلف المنتخب الجزائري، أضف إليهم مدافع مانشستر يونايتد إيريك بايلي، وهو أيضا حرمته الإصابة في أوتار الركبة من تمثيل منتخب كوت ديفوار في البطولة، ومثله تماما اللاعب السنغالي خادم نداي، الذي أصيب بكسر مضاعف في يده قبل البطولة، كما سيغيب لاعب وسط فالنسيا جيفري كوندوبيا، وذلك لفشل منتخبه “أفريقيا الوسطى” في الحصول على مركز مؤهل في مجموعته، التي تأهل منها منتخب الأفيال ومعه غينيا، ولنفس السبب، سيغيب أحد نجوم النسخة الماضية برتران تراوري، لعدم تأهل خيول بوركينا فاسو إلى البطولة، باحتلالهم المركز الثالث في مجموعتهم، التي تصدرها المنتخب الأنغولي وتبعه مفاجأة العام المنتخب الموريتاني العربي، الذي حالفه التوفيق ليسجل حضوره الأول مع كبار القارة السمراء، وقبل هؤلاء الأفارقة، سيغيب الكاميروني جويل ماتيب، عن منتخب الكاميرون، وذلك ليس بداعي الإصابة أو لتعثر الأسود في الوصول، بل لتسديد الدين المعلق في رقبته، منذ موقفه المخزي مع منتخب بلاده في نسخة الغابون الأخيرة، عندما تمرد على المنتخب، ليكتفي بمشاهدة البطولة عبر التلفاز، رغم أنه وصل لقمة مستواه كمدافع في الآونة الأخيرة، بتكوين شراكة لا بأس بها مع أفضل مدافع في العالم فيرجيل فان دايك في قلب دفاع أبطال أوروبا، بعدما أحسن استغلال ابتعاد ديان لوفرين وجو غوميز بداعي الإصابة.
شباب على وشك الانفجار
ومثلما ستغيب عن البطولة أسماء بهذا الوزن الثقيل، أيضا ستكون فرصة عظيمة لظهور مواهب قادمة وصاعدة بسرعة الصاروخ في سماء الكرة العالمية، في مقدمتهم نجمنا المغربي نصير مزراوي، الذي قدم مباراة العمر أمام ريال مدريد في إياب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا، مباراة الرباعية التاريخية، وبعد عروضه الهوليوودية في الكأس ذات الأذنين ومساهمته في فوز فريقه أياكس بالثنائية المحلية، ضمه الفرنسي رونار لقائمة أسود أطلس، وينتظر منه الكثير في حملة بحث منتخبه عن أول لقب منذ سبعينات القرن الماضي، وثاني لقب بوجه عام، وفي منتخبات شمال أفريقيا أيضا، ستراقب الأعين المدافع الأيمن الأيسر للمنتخب الجزائري يوسف عطال، صاحب الـ23 عاما، الذي تألق بشدة في موسمه الأول مع نيس، بتسجيل 6 أهداف من مشاركته في 30 مباراة، ليحصل على المكافأة الفورية من قبل مدرب المنتخب جمال بلماضي، بإدراج اسمه ضمن قائمة محاربي الصحراء المشاركة في “الكان”، حيث ستكون مشاركته الأولى في بطولة قارية، بعد اقتصار ظهوره في آخر عامين على مباريات التصفيات المؤهلة لكأس العالم والبطولة الأفريقية، كما فعل المدرب مع الاسم البارز الآخر هشام بوداوي، الملقب بنغولو كانتي الجزائر، نظرا للتشابه الكبير بين أسلوب لعب صاحب الـ19 ربيعا وبطل العالم، ومتوقع أن يكون من مفاجآت البطولة السارة، إذا حصل على فرصته بعد ظهوره أمام قطر وغامبيا. وعلى سيرة المشاركة الأولى، سيكون مفاجأة الموسم الماضي في أوروبا أندري أونانا، من أكثر الأسماء المرشحة للخروج بجائزة فردية من “الكان”، وشاهدنا كيف أبدع في الدفاع عن عرينه مع فريقه أياكس، بحفاظه على نظافة شباكه في 26 من أصل 55 مشاركة له مع عملاق الأراضي المنخفضة الموسم الأخير، والآن كل المؤشرات تظهر أنه سيكون الخيار الأول لأسود الكاميرون في هذه النسخة، بعد حفاظه على مكانه في التشكيلة الأساسية منذ مارس/ آذار 2018، حيث ظل قرابة العامين على مقاعد البدلاء، باستثناء ظهوره في كأس القارات، وبنسبة كبيرة، سيسجل حضوره الثاني في البطولات المجمعة، والأول في الأمم الأفريقية، وبطبيعة الحال، إذا واصل مع حامل اللقب على نفس الوتيرة التي بدا عليها مع قاهر ريال مدريد ويوفنتوس، فسوف يكون الأوفر حظًا للفوز بجائزة القفاز الذهبي، كأفضل حارس في البطولة، ولن تكون مفاجأة على الإطلاق، حتى لو وصل منتخبه للدور نصف النهائي.
مواهب خام
اسم آخر يُنتظر توهجه في القاهرة وضواحيها، هو الإيفواري نيكولاس بيبي صاحب الـ24 عاما، وضعه لا يختلف كثيرا عن الشباب المتعطش لكتابة المجد مع منتخب بلاده، خاصة بعد إخفاقه في الحصول على فرصته في ظهوره الأول مع الأفيال في نسخة 2017، حيث كان مجرد بديل غير مستخدم، قبل أن تنفجر موهبته مع فريقه الفرنسي ليل، ليصبح من ألمع نجوم الليغ1 في الفترة الأخيرة، بتوقيعه على 23 هدفا وصناعة 12 من مشاركته في 41 مباراة في مختلف المسابقات، وهذا في حد ذاته، يضمن له اللعب أساسيا في منتخب بلاده على حساب أي لاعب بدون استثناء، منها يحصل على فرصته التي حُرم منها قبل عامين ونصف العام، ومنها كذلك يثبت بشكل عملي أنه مشروع جناح بصبغة عالمية بإمكانه التقدم خطوة كبيرة إلى الأمام في مسيرته بالانتقال لأحد أندية البريميرليغ أو الليغا في المستقبل القريب، وهناك مدافع برشلونة الأيمن موسى واغي، المرشح بقوة ليكون أساسيا في التشكيلة الأساسية للمنتخب السنغالي، المرشح هو الآخر أكثر من أي وقت مضى لإنهاء عقدته مع الكان، التي لم يفز بها منتخب أسود التيرانغا في 15 مشاركة سابقة.
وبالنسبة لموسى واغي، فهو من مشاهير فريق برشلونة الرديف، وسجل حضوره برفقة البرغوث ليو ميسي وبقية الكبار 3 مرات، منها مرتان ضمن التشكيلة الأساسية ولم يُستبدل على مدار الـ90 دقيقة، وبوجه عام، عرف طريق المنتخب الأول قبل عامين، وكان محظوظا بالمشاركة في نهائيات كأس العالم 2018، ولو نتذكر كان صاحب هدف منتخب بلاده في مرمى المنتخب الياباني في الدور الأول، وهناك في داكار وبقية البلاد في السنغال، ينتظرون منه الكثير، لتقديم يد العون للقائد والنجم الأول ساديو ماني، لمعانقة الأميرة الأفريقية للمرة الأولى، كونه من أصحاب الجودة العالية، التي مكنته من التواجد في مكان لا يقبل حتى بأنصاف المواهب مثل برشلونة، وتضم القائمة أيضا صاروخ الغواصات الصفراء صامويل تشوكويزي، صاحب الـ20 عاما، المحتمل أن ينتقل لمحطة جديدة بعد البطولة، إذا قدم نفس العروض والمستوى المتميز الذي كان عليه مع فياريال الموسم الأخير، خاصة في المباراة الأهم ضد ريال مدريد، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بنتيجة 2-2، وكان نجمها الأول، وهو ضمن المجموعة التي ستسجل حضورها الأول في “الكان”، بعد ظهوره للمرة الأولى مع منتخب نيجيريا في عطلة نوفمبر 2018، في لقاء ودي أمام أوغندا.
وهناك أسماء أخرى من نفس الفئة مرشحة لتكون من مفاجآت النسخة الأقوى في أفريقيا. على سبيل المثال قاهر حمدي النقاز من المنتخب التونسي وجدي كشريدة، الظهير الأيمن للنجم الساحلي، الذي فرض نفسه على المدرب بعد ظهوره الخيالي أمام كرواتيا، وجناح مازيمبي والمنتخب الكونغولي إيليا ميشاك، الذي ينتظر فرصته هذه المرة، بعد استبعاده من القائمة في النسخة الماضية، لصغر سنه آنذاك، حيث كان بعمر 18 عاما، وقلب دفاع جينك والمنتخب الغاني جوسيف إيدو، الذي لعب مؤخرا لمنتخب النجوم السوداء، وبعد موسمه الرائع في بلجيكا بوصوله لـ41 مشاركة في كل البطولات، تضاعفت فرصه ليكون ضمن التشكيلة الأساسية لمنتخبه، وهؤلاء عزيزي القارئ أبرز المواهب الشابة التي تنتظر فرصتها في مصر لتكتب شهادة ميلادها الحقيقية، كما هي العادة دائما، حيث تكون هذه البطولة بالذات، فرصة عظيمة للكشافين ووكلاء اللاعبين لالتقاط مواهب خام وعرضها على الأندية المهتمة بهذا القطاع من اللاعبين.