بيروت – «القدس العربي»: شكّل العرض المسرحي «الشقف» حركة جذب واضحة للعيان باتجاه مسرح «دوّار الشمس» في بيروت.
فاز البعض ممن أبكروا الحضور ببطاقات، وأتاح مدير المسرح لقلة الجلوس على جانب واحد من ممر الدخول. وقف آخرون في الخلف، وغادر كثيرون. «الشقف» تستحق كل مكابدة. عرض يجمع على مركب متداع، انكسارات شعوب من الشرق والغرب العربي، ولا يهمل الأفارقة الذين نلتقي وإياهم على هموم الإقتصاد والسياسة، وتسلط الحكّام وتمسكهم بالكراسي بدعم غربي واضح أو خفي.
المسرحي التونسي عز الدين قنون وضع فكرة «الشقف» ولم يحققه كعرض، فقد باغته الرحيل في بدايات 2015.
أكملت ابنته سيرين قنون الطريق وولد العرض ونال العديد من الجوائز. تعاونت سيرين الرحيل في اخراجه مع المسرحي اللبناني الكندي مجدي بومطر. وتنوعت هويات الممثلين بين تونسي، لبناني، سوري وبينيني، وتمّ تعريفه بالعرض «التونسي – الكندي» كونه إنتاجا مشتركا.
«الشقف»، هو جزء من كل مكسور، كما أفاد التفسير المعجمي، أما بالعامية التونسية فيعني قارباً صغيراً. وعلى متن ذاك الشقف المتداعي اجتمعت عينات من شقوف عمرها بعمر زمن الإستعباد والتسلط المتمادي على شعوب العالم الثالث.
وعلى متن الشقف نفسه دار الحدث المسرحي وفق وتيرة إنسانية متصاعدة، وعبر ممثلين بارعين نبرة، جسداً وروحاً. كان شقف يغلي بثمانية أرواح عدا قائده أو «اللص»، كما كانت تناديه ندى حمصي الممثلة السورية الكندية، التي تستحق كلّ تحية.
كذلك كان الممثلون الآخرون مثقلين بمآسي البلدان التي ينتمون إليها، وهم بحدود ضحايا لعنف متعدد الوجوه، من العنف الجندري، إلى الهوية الجنسية والأهم هو الأفق المقفل والعيش الكريم الممنوع في تلك الأوطان.
في هذا العرض لكل حكايته الموغلة في بعدها الدرامي وأحياناً التراجيدي. وهذا البعد الأخير تمثل بـ»أم بشار» السورية، التي تنشد اللحاق بابنها الوحيد في ايطاليا.
قائد المركب اللص لم يخبرها بالمصير القاتم، الذي كان له. والدراما السوداء تمثلت بياسمين التي أدت دورها الممثلة اللبنانية صوفيا موسى، شوت أصبعيها لتفقدهما كل أثر للبصمات الشخصية، والهدف النجاح في انتحال شخصية فتاة سورية والفوز بالهجرة. طموحها قطع كل صلة مع العادات والتقاليد التي تكبلها في مجتمعها في جنوب لبنان، واحتراف الرقص.
ونجح الشاب التونسي بيرم في المرة الرابعة في ايجاد موقع قدم له على المركب. يرغب الهرب من الوعود الكاذبة بوطن عادل بعد الثورة التونسية. وكذلك من الاغتيالات السياسية التي شهدتها تونس إثرها. ومن دولة بنين يرغب كثيرون بالهجرة من أعمال العنف حيث لا حدود للإنتهاك حقوق البشر وللإستغلال الجنسي والإغتصاب. هو شقف محتشد بحجم حكايات تفوق بأطنان أثقال البشر الذين تحملهم. بشر يتنفسون الهم، القهر والذل ويتوقون لتحقيق أحلام بسيطة كمثل «افتتاح بوتيك تحت تور أيفيل». وأحلام كبيرة بحجم حماية طفلة زُرعت في رحم ذات لحظة مؤلمة من رعب واغتصاب، من المصير نفسه.
في المحصّلة هم مجموعة ضحايا يتضامنون أمام أهوال البحر ويتعاطفون، وفي لحظة الموت أو الحياة تخرج عنصريتهم من قمقمها.
في الشقف يغلي الجميع خوفاً من القدر المنتظر، ويبوح الجميع بمكنونات مرّة، وأحلام يرغبون بملاقاتها على الجانب الأوروبي من البحر المتوسط. ذاك البحر الحاضن في قعره الأحلام المتشظية للأفارقة، ولعرب الشمال الأفريقي يلهث بحشرجات الموت الأخير وبالأيدي المرتفعة نحو السماء. مع بدء الحرب في سوريا تضاعف شغفه بإبتلاع الشباب والأطفال والنساء ولم يقرر موجه الرحمة.
ومع تلك الحرب صارت أحلام الهروب مشتركة بين شرق وغرب عربي. ازدهر التزوير حين غار اللبناني والفلسطيني اللاجئ وربما آخرين، من السوري الذي بات أولوية دولية.
«الشقف» كأي عرض مسرحي من الواجب أن تثير نقاشاً لدى المعنيين حول مسألة الهجرة غير الشرعية، بحثاً عن مشروع هجرة عادل. ولهذا تلقى المسرحية دعماً من منظمة الهجرة واللاجئين في الأمم المتحدة.
«الشقف» عرض في إطار مهرجان ربيع بيروت في دورته الحادية عشرة، الذي حمل شعار «الثقافة في متناول الجميع».
يُذكر أن عروض المهرجان كافة مجانية، وقد لفتت مؤسسته الإعلامية جيزل خوري نظر المصارف ورجال الأعمال إلى زيادة الدعم بدل تقليصه للنشاطات الثقافية. تقليص الدعم كما هو حاصل ينذر بتراجع عدد العروض، أو حتى اختفاء عدد من المهرجانات.