المرة الوحيدة التي خرج فيها محمد سعد من أسر شخصية اللمبي، ولعب فيها دوراً مختلفاً في فيلم “الكنز” للمخرج شريف عرفة، هي التي حصل فيها على جائزة أحسن ممثل في منافسة شديدة مع محمد رمضان. وبرغم الدور الصغير الذي جسد فيه شخصية وزير الداخلية في أربعينيات القرن الماضي، إلا أن الجائزة ذهبت إليه كنوع من التحفيز والتشجيع على التنوع، ومع ذلك لم يستفد سعد من الدرس ولم تصله الرسالة التي حملتها الجائزة القيمة إليه، علماً بأنه صرح أثناء تكريمه في حفل ختام مهرجان جمعية الفيلم بأن شريف عرفة هو الذي حضر عفريت اللمبي وهو الذي صرفه في إشارة إلى انتهاء سلسلة الأفلام التجارية التي اعتمدت على شخصية واحدة طوال عشر سنوات على الأقل، أفنى خلالها البطل كل طاقته وبدد الكثير من موهبته ليثبت أنه نجم شباك، قياساً على الإيرادات التي بلغت الملايين بدون النظر للقيمة الفنية شكلاً أو موضوعاً.
وقد ظل رهان الحركة السينمائية معقوداً على الجديد والمتميز الذي يمكن أن يكون باقياً ومدخراً في جُعبة النجم الكوميدي الكبير، ولكن يبدو أن الشروط الإنتاجية كانت أقوى من غايته في تحقيق حُلم التميز الموضوعي بعيداً عن الشخصية الكاريكاتيرية التي ارتبطت به وارتبط بها وحالت بينه وبين الشخصيات الدرامية والكوميدية الأخرى في تشابه كبير لمسيرة الفنان الراحل علي الكسار الذي اغتال موهبته بالثبات عند شخصية عثمان عبد الباسط، بربري مصر الأول وفق التسمية التي أطلقت عليه حينئذ جراء ارتباطه بنموذج واحد لم يقدم سواه طوال مشواره السينمائي.
ومع اختلاف الزمن والمرحلة الفنية والظروف لم يستطع محمد سعد أن يقاوم جاذبية اللمبي وكأن قوة مغناطيسية أكبر من إرادته هي التي تحركه في اتجاهها كلما حاول الابتعاد عنها ولو بالتحايل والالتفاف، فالغالبية العظمى من الأدوار والشخصيات التي قدمها لم تخرج عن إطار الولد الأبله العشوائي الذي يثير الضحك أو ربما الاشمئزاز بما يأتي به من تصرفات وحركات هي أقرب إلى العته منها إلى الكوميديا، فلا فرق بين اللمبي وعوكل وكتكوت وكركر وآخر المستنسخات المسمى “محمد حسين” وهو فيلم العيد الذي أنتجته شركة السوبكي ليمثل العودة بعد غياب طويل للشخصية الأراجوزية تحت غطاء مكشوف واسم مستعار للبطل نفسه وبالأدوات المستهلكة ذاتها وطريقة الأداء الركيكة والمحفوظة التي لم تخرج قيد أنملة عن القاموس السابق لمفردات البيئة العشوائية والحوار المُسف للبطل والممثلين المساعدين الذين تم الاستعانة بهم من باب الاستثمار لمواهبهم باعتبارهم نجوما جدد وشخصيات كوميدية غير محروقة في إمكانها تحقيق التوازن المطلوب في الخلطة الموسمية التجارية المستهدفة للربح فقط.
ولعل ما عزز اختيار هؤلاء، هو السعي لتقليص الميزانية الإنتاجية والتعويض النسبي لما حصل عليه محمد سعد كبطل رئيسي من أجر هو بالتأكيد الأعلى في قائمة الأجور والتكلفة، أي أن المسألة اقتصادية في المقام الأول والأخير لضمان العائد الربحي من الفيلم بأقل الإمكانيات الممكنة وهي حيلة يلجأ إليها المنتجون عادة لتحقيق المعادلة الصعبة في إنجاح المنتج الفني بنجم واحد وشخصيات كثيرة تمثل إبهاراً للجمهور من غير أن يكون ذلك تحميلاً على الميزانية وفي الوقت نفسه تُعطي الشكل المطلوب بما يناسب الحالة الفنية المستهدفة والملائمة لموسم العيد الذي لا يفرق فيه جمهور الصبية والشباب وهم القوة الشرائية الضاربة في شباك التذاكر بين الغث والسمين.
وهكذا تظل خُدعة الأفلام الكوميدية مستمرة ولعبة السوق السينمائية المصرية متداولة بين المنتجين المحترفين والجمهور المضحوك عليه والنجوم الموهومين بأنهم ما زالوا على القمة.