برغم المخاوف التي تساور أحياناً بعض الكُتاب والمخرجين من تناول ملامح الشخصية القبطية والتعرض لواقعها الاجتماعي، لم تستشعر السينما المصرية حرجاً من الدخول في تفاصيل المنطقة الدرامية الخاصة، كونها ترى أن كل الهموم مصرية وكل المشكلات عامة، وليس ثمة فواصل وهمزات ومسافات بين الشخصية المصرية المسلمة والشخصية المصرية المسيحية. غير أن الإفرازات الجديدة للواقع الاجتماعي والثقافي والإنساني عبر السنوات الأخيرة سببت ما يشبه الحساسية المزمنة فحجمت الرؤى الإبداعية بعض الشيء وألزمت الكُتاب وصُناع السينما بإتباع أنماط تقليدية في الكتابة والتصوير للابتعاد عن مواطن الحرج والمسؤولية الرقابية، بالظن أنها قد تقود إلى بعض المشكلات.
قبل نهاية القرن العشرين بسنوات عديدة لم تكن هناك تلك الأزمة التي أحاطت بالصورة السينمائية للشخصية القبطية وحولتها إلى شخصية هامشية في العديد من الأفلام، حيث شهدت الصحوة الفنية في الخمسينيات والستينيات دلالات الاعتبار للأدوار البطولية بدون تمييز ديني أو عرقي وحققت السينما المصرية تواجداً مهماً في المهرجانات بإبداع المخرجين الكبار أمثال حلمي رفله وحلمي حليم وهنري بركات ويوسف شاهين وغيرهم بدون أن يسبق هذا التميز وصفاً أو إشارة ما لصاحب العمل تحدد عقيدته أو ديانته. وبالضرورة لم تُصب السينما المصرية بأمراض التفرقة والتعصب ولم ينعكس أي عرض مرضي على شاشتها وبقيت طوال تاريخها محايدة وموضوعية، تطرح المشكلات والقضايا من منظور عام وبجرأة تُحسب لها على مستوى المعالجة والتضمين.
لم تختص عناوين الأفلام بالديانات أو الثقافات إلا في حالات نادرة ونماذج محدودة للغاية كانت لها ضرورتها الفنية والدرامية، كما حدث على سبيل المثال في أفلام الشيخ حسن، وحسن ومرقص، وكوهين، وبين القصرين، والراهبة لهند رستم، والأخير بالتحديد كان له خصوصية فعلية بحكم موضوعه الذي تناول حياة راهبة وكشف جانباً مهماً من شخصيتها وظروفها في إطار أجمع من خلاله النقاد وشهدوا بتفوق البطلة على نفسها في الأداء التمثيلي والقدرة على تقمص الشخصية باقتدار شديد.
وبمرور الوقت تكرر تناول الشخصية القبطية “المسيحية” في عشرات الأفلام ولكنها ظلت محكومة بإطار معين عادة ما يكون متصلاً بمفهوم الوحدة الوطنية، أي أنه يأتي موظفاً لينفي الفتنه الطائفية فيبدو مثالياً في معظم السياقات وهو أحد عيوب الطرح الفني الذي جعل الشخصية منمطة وأفقدها الكثير من حيويتها وطبيعتها الإنسانية بمعنى أنه كان حذراً في التعامل معها فخرج بها من دائرة التفاعل الطبيعي إلى المناطق الآمنة درامياً وفنياً.
تجارب محدودة تعد على أصابع اليد الواحدة هي التي كانت فارقة من حيث منطقيتها وصدقها، منها فيلم ” بحب السيما” للمخرج أسامة فوزي وبطولة ليلى علوي ومحمود حميدة، إذ تناول بحرية مطلقة واقع الشخصية المسيحية بما في ذلك التفاصيل الاجتماعية الدقيقة. ولهذا نجح الفيلم نجاحاً كبيراً وبقي علامة مهمة في تاريخ السينما المصرية الحديثة.
وقد جاءت بعد ذلك تجارب أخرى نحت للأسف المنحى الوظائفي نفسه فاتجهت لمعالجة القضية الطائفية وكان من أهمها فيلم “حسن ومرقص” للنجمين الكبيرين عمر الشريف وعادل إمام طارحاً نفس العنوان القديم ولكن بمتن جديد ورؤية مستحدثة وفق الغرض المستهدف لدرء شبهة الطائفية بمقاييس المعالجات التقليدية للقضية الشائكة.
وعلى المنوال نفسه كان حضور الشخصية المسيحية مرتبطاً أيضا بالسياق والمنهجية، فلم يكن هناك فرصة حقيقية لتقديم العلاقة الطبيعية بين عنصري الأمة المصرية خارج ميزان التقييم والتقدير المسبقين للفعل ورد الفعل. ولم تحدث ترجمة فعلية لتماهي العنصرين المصريين سوى في فيلم واحد أنتج قبل نحو عشر سنوات بعنوان ” الخروج من القاهرة ” وكان بمثابة متغير حقيقي في طرح مفهوم التآخي شكلاً ومضموناً على أسس ترتكز فيها علاقة البطل والبطلة على حقائق وليس تهويمات .
وفي الحقيقة أن الكوميديا السياسية هي النوع السينمائي الوحيد الذي قدم الصورة الاجتماعية بشكلها الكاريكاتيري الناقد للظاهرة الطائفية الكاذبة، ولعل الأبرز في هذا الخصوص كان فيلم “طلق صناعي” الذي حول المسألة من مشكلة إلى نكتة برغم جدية وعمق الزاوية التي تم من خلالها التناول .
وتبقى السينما نافذة البصر التي تُرى منها دقائق الأشياء وتفاصيلها وإن لم تواتيها فرصة الرصد كاملة في كل الظروف والأحوال، لكنها تظل تنظر باهتمام لما هو مهم.