ريشارد شتْراوسْ: الرّدى والتجلّي القصيدة السمفونية والموسيقى المُمَنهجة

بشّار عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

يبدأ الكمان الثاني والفيولا هذه القصيدة السمفونية “الردى والتجلّي” (1889) للمؤلف الألماني ريشارد شْتْراوْسْ (1864-1949) بنبضة خافتة يليها صمت لوهلة، ثم نبضتان واهنتان، ثم نبضة، بعدهما صمت آخر، ثماني مرات، حتى تعود النبضة الواهنة التي لا يتبعها إلا الصمت مرّتين. وسرعان ما يفطن المستمع إلى أن النبضة الأولى كانت تفتقر إلى صدىً ما، وبخاصة حينما يعيد مؤلفنا الكرّة ولا يُلحق النبضة الثالثة هذه بشيء سوى الصمت المطبق، إذ يبدو أن قلب المريض يضخّ الدم ولو بضعف شديد، لكن الدم هذا لا يعود إليه. ويصاحب هذه النبضات المضطربة الظلام الدامس الناشئ عن البسّون الثاني الذي يمدّنا بقرار الكورد – أو التناغم – الثلاثي لسلم دو الصغير الذي كان غائباً حتى المازورة – أو الوحدة الزمنية – الثالثة، تنضمّ إليه ثماني آلات عميقة النبرة، ما يُشعر المستمع بأن الظلام قد خيّم ولا مجال للضوء مطلقاً من بعد الآن. ثم تتوقّف كل الآلات هذه ويستلم عازف الطبول المدَوزنة إيقاع النبضات المضطرب ذاك لمازورتين، فتدخل الوتريات مجتمعةً بنوتتين: الأولى قصيرة وخافتة للغاية، والثانية أطول وكأنها تُعزف عنوةً، فتجدها أقرب ما يكون إلى ارتعاش يجسّده عشرات عازفي الوتريات — إذ إن المرض قد فتك بجسم المريض، بطل القصيدة، لا محالة، وها هو وقد دبّت فيه قشعريرة الحمّى. عندئذ يتساءل الحضور بينهم وبين أنفسهم: تُرى هل أن المريض يحتضر؟

لقد ألّف شترواس هذه القصيدة السمفونية بُعيد مرض خطير ألمّ به فأقعده الفراش لأشهر عدّة حينما كان في رَيعان شبابه، فراح يتخيل تسلسل مشاهد تتوالى على مريض يعي أن الموت يدركه ولا مفرّ، ثم أخذ يدوّن المشاهد هذه على نحو مُختزل كي يعود إليها حالما يصحّ من إصابته – إذا ما صحّ منها.

ولا بأس من التذكير هنا بنوعي الموسيقى الكلاسيّة، المجرَّدة والمُمنهجة، ما دمنا سنتعمّق في هذه القطعة الرائعة، وهي من صلب النوع الثاني الذي برزت تسميته هذه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ إن ثمة إشارات واضحة لا لَبس فيها مطلقاً تُبيّن للمستمع مجريات القصة، تفصيلاً بعد آخر، على العكس من سوناتة للبيانو، مثلاً، أو سمفونية للأوركسترا لا تحمل عنواناً بل رقماً تسلسلياً وحسب. وقد يستشفّ أو يرجّح المستمع موضوع قطعة موسيقية مجرّدة ما عند الاستماع إليها، لكن المؤلف لا يبوح بما دفعه إلى كتابتها أو إلى ما يرمي إليه في منعطف قطعته هذا أو ذاك، بينما يحدّد مؤلف الموسيقى الممنهجة كل عناصر مقاطع تأليفه بعناوين بالغة الوضوح، مثل الحركات الثلاث التي تكوّن متتالية “العاشق” للمؤلف الفنلندي جان سيبَلْيُس (1865-1957): (العاشق؛ الدرب المُوصل إلى المعشوقة؛ طاب مساؤك… الوداع!).

وكان أحد مشجّعي شتراوس الأوائل أستاذ موسيقى ومؤلفاً لم تعد مؤلفاته تُعزف في يومنا هذا إلاّ فيما ندر اسمه ألِكْزانْدَرْ رِتَرْ (1833-1896). وتلخّص تأثيره في شتراوس في إقناعه بترك الصيغ التأليفية المتوارثة (مثل الافتتاحيات والسمفونيات) جانباً، والتوجّه كليّاً نحو تأليف القصائد السمفونية والأوبرات الخارقة للتقاليد (مثل “سالومي” (1905) و”ألكترا” (1909) و”فارس الوردة” (1911) و”المرأة بدون ظِلّ” (1919) وغيرها). وحين انتهى شتراوس من تأليف قصيدته السمفونية “الموت والتجلّي”، طلب من مشجّعه الأول هذا أن ينظم قصيدة تحاول وصف مجريات القطعة بالكلمات، فراحت قصيدة رِتَرْ لا تمهّد للنص الموسيقي لدى الناشر وحسْب بل وترافق حفلات يتضمّن برنامجها قصيدة شتراوس السمفونية في الكتيّبات التي يقتنيها الحضور وهم يتوافدون على أمسيات الأداء على الرغم من أن القصيدة الشعرية هذه لم تكن مصدر الإيحاء لمؤلف القطعة بتاتاً، بل تلتها:

في الحجرة المُدقعة في حجمها،

بنورها الخافت الصادر عن بقايا ضوء ما،

يرقد المريض على السرير.

للتوّ حارب الموت رغم يأسه،

أمّا الآن فقد غرق في سباته منهكاً.

ولا تَسمع أزيز ساعة الحائط الناعم

إلا داخل الحجرة،

حيث يذكّرك سكونها الفظيع

باقتراب الردى الصامت.

ابتسامة ملؤها الحزن:

تُرى أيحلم عند ختام الحياة

بعهد الطفولة الذهبي؟

وتتناوب الذكريات على مريضنا، بطل القصيدة السمفونية، فهو يحلم عن الماضي التليد، ثم القريب، ثم تقلّبات الحياة بينهما. لكن الموت يعود فيقضّ مضجعه، فيقارعه المريض، ويصير كمَن يتوسّل إلى الموت أن يمهله، فيلبّي الموت طلبه، وكأنه في جفن الردى وهو نائم، إلى حين:

لكن الموت لا يمهل ضحيته طويلاً،

لا نوماً ولا أحلاماً،

بل يوقظه بوحشية رغماً عن نفسه

ويؤجج الصراع معه بلا هوادة،

فلا يفوز أحدٌ منهما،

ويخيّم السكون من جديد.

  فيعود المريض إلى أحلامه ويرى طموحات حياته تكاد تتحقق لولا سخرية القدر، فيعود ويحاول المرة تلو الأخرى لكنه لا يفلح، ولا يجني في نهاية المطاف سوى…

ضربة الموت القاضية،

وكأنها مطرقة فولاذية

تفلق الجسم فلقاً

وتغشّي على العينين ظلام الموت.

غير أن السماء تُسمعه

نغماً قوياً عالياً،

وتهديه ما كان يتوق إليه على الأرض:

الخلاص والتجلّي!

لقد أبدع شتراوس في تصوير الطيف الشاسع من العواطف المتناقضة التي تغمر الإنسان خلال سنين حياته، من ذكرى حبيب ومنزل، ولوعة شمس، وضوء قمر، وعشق وبغض، وتوق وندم ونشوة وإحباط. ففي بداية صلب القطعة، بعد أن كان شتراوس قد انتهى من المقدمة، يباغت الموت بطل القصيدة السمفونية ويغرز أنيابه في لحمه، فيسدي شتراوس مهمة تصوير هذه المباغتة إلى عوائل الأوركسترا الأربع، أي الوتريات والخشبيات والنحاسيات وآلات الإيقاع، فيبدأ من القعر، أي الوتريات العميقة النبرة، كالجلو والكونتراباص، بالاشتراك مع عازف الطبول المُدَوزَنة والتوبا والهورن الفرنسي الرابع (الأوطأ) والكونترابَسّون. وتتوالى الآلات الباقية صعوداً حيث يعاود شتراوس استخدام اللُّبنة التي قدّمها في المقدمة، أي النوتة القصيرة التي تتبعها نوتة أطول، لكن النوتة القصيرة أقصر بكثير والنوتة الطويلة أطول بكثير هذه المرة، علماً بأن سرعة القطعة قد تضاعفت. ثم يمنح مؤلفنا دور تجسيد الموت للجلو والكونتراباص بالاشتراك مع الباصكلارينت والبسُّونين والكونترابسُّون، الذين يُسمعوننا لحناً صاعداً هو الآخر، لكن هذا اللحن يبدأ بثلاث نوتات، ثم يزيدها نوتة في المرة الثانية، ثم يزيدها نوتتين في المرة الثالثة، وهكذا، وكأن الموت يزحف على عقلات أصابعه، ثم يتربّص لوهلة قبل أن يزحف مسافة أطول بقليل، فيكون وقع هذا المقطع على المستمع كمَن يرى أنياباً لا حصر لها، تنهش اللحم تارة هنا وتارة هناك، تبدو وكأنها مجتزأة من جسم وحش ما، لكن الوحش هذا سرعان ما يُظهر نفسه زاحفاً صوب المريض الذي يتماهى معه الحضور.

لكن النقطة الأهم من كل هذا أن المستمع، حتى وإن لم يكن على علم مسبق بتفاصيل الأحداث، سيتسمّر في مقعده ولن يقوى على التململ قيد أنملة حتى يكتب شتراوس إحدى اللحظات الأكثر عبقرية في تاريخ الموسيقى برمّته: فهو يطلق العنان للوتريات الرفيعة النبرة، أي الكمان الأول والثاني والفيولا، عند ختام مقطع الصراع مع الموت هذا، كي تتوجه إلى الأعلى فالأعلى فتكاد أصابع اليد اليسرى تكبس الوتر الأعلى  مباشرةً تحت القوس الذي تمسك به اليد اليمنى، لكن بإبطاء أشدّ ثم أشدّ وبإجلال أعمق ثم أعمق لا يوقفهما إلا الصنج ذو التذبذب العميق الذي يخلخل قفص الصدر من المرء: لقد سلّم بطلنا روحه التي أخذت تصعد صوب السماء رويداً رويداً، تصاحبها موسيقى ممعنة في الإشراق وأبطأ ممّا تقدّم بمرتين، تماماً كما كانت الموسيقى التي سبقتها تتسارع تفاصيلها المُغرقة في الظلام والتوجّس والمباغتة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية