«الرحيل إلى تسنيم»… قصصٌ تستدعي الواقع لتمحوه

أجمل الكتاباتِ الأدبية كتابةٌ تتلاعبُ بقارئها، وتُغريه بالذهاب إلى حيث لا يريدُ أن يذهب، وتُبعثر فيه يقينياتِه، فلا يجد من أمرِه معها سوى الانشدادِ إليها، باحثًا فيها عن ممكنات معنى جديد، أي عن ممكنات معنى ينحَرِفُ ليتضاعفَ فيه وبه. ذلك أن الإبداعَ، يعني أنْ يهدِمَ المبدِعُ بِنْيات الفهم العمومي للعالَم مما يراه منها قد أثقل كواهلَ الناسِ، ويفتحُ لهم في نصه مساربَ أخرى لرؤية الوجود من حولهم ليَحِلوا به حلولَ المُجادَلة والمُتعة خارجَ صُوَرِه المرسومةِ على يافطات الإشهار السياسي والثقافي والعقائدي، ومن ثَم يكون المبدع في الناسِ رسولَهم إلى أنفُسِهم، ورسولَهم إلى تبين زَيفِ ما يعيشون في الواقع. وإنه لن يبلغ كاتبٌ غايةَ كتابتِه إلا متى أعلن حربَه على كل شيءٍ حتى على الكتابة ذاتها: أيْ أنْ يحلم بتجاوز المستقَر من فنونها في نوعها الإبداعي، وفي جهدِها الإقناعي.
اجد في المجموعة القصصية «الرحيل إلى تسنيم» للروائية والقاصة التونسية مسعودة بوبكر سعيًا إلى تحرير الكتابةِ من عَقْدِها الشائع مع القارئِ، ذلك أن القصةَ منها تستدعي الواقعَ استدعاءً تحفزه فيه، لأنْ يزيغَ وينحرفَ ويَزْوَر، وإذْ تفعل به ذلك تمنحُه الجرأةَ على قولِ ما لا ينقال فيه، بل تمنحه لسانًا يقول به ما ظل يتستر على قوله من تقرحاتِ معيشنا. إنها قصص تستدعي موضوعَها لتَمْحوه، وتصطحب قارئها لتُربِكه، وتحكي وقائعَها لتهدمَ بها عمارةَ الواقعِ فينا، فإذا نحن نرى في القصة ونسمع ما ظل يهيجُ خارجَها في العتمة والصمت. فالحكايات في قصص مسعودة بوبكر لا تُبنى وَفْقَ تسلسلٍ منطقي ألِفَه القارئُ في الكتابة القصصية، من قبيل أنه متى أخبرت بدايةُ القصة عن مَشْهَد أحد الإرهابيين وهو يضع حزاما ناسفا، فإن خاتمتَها لن تكون إلا مشهدًا لتفجير الآخرين، وتناثرِ أشلائهم، بل هي تُخالف منطِقَ الحكاية ذاتَه، وتزيغُ عنه لتصنعَ منطِقَها الخاص: تزيغ في الآن نفسِه عن دلالة المصطلح وعن دلالة موضوعه، وعن دلالة الحدثِ القرائي، فإذا هي تُرحلُ انتظارَ قارئها إلى ممكنات حكائية جديدة، عبر سبيل ترحيل الأخروي إلى الدنيوي، وترحيل دلالة المصطلحات إلى نقيضها، وترحيل الكتابة الإبداعية ذاتها من حيزِ توصيف واقع الناس إلى حيز توظيفه في تخليق محكيات بليغةٍ في جماليتها وفي قِيَمِها.
ولو حاولتُ الاستفادة من مقترحات البنيوية في أمر القراءة لقلتُ، إن مجموعة «الرحيل إلى تسنيم» لمسعودة بوبكر تُمكننا من قراءتها بطريقتيْن: في الأولى نقرأها عموديا، أي: قصةً بعدَ قصةٍ. وفي الثانية نقرأها أفقيا: نقرأها كلها، وذلك من جهة أن القصص تنهض جميعا على دعامة ثيمة كبرى قد مثلت فيها وحدتَها الشكلية ووحدتَها المعنوية معًا. في الطريقة الأولى من القراءة تُقدمُ كل قصة مشهدًا من مشاهد واقع ما بعد الثورات العربية، على غرار الإرهاب والهجرة، والخوف من الآخر، وحيرة المبدع، وسلبية الآخر.

الثورة ليست دائما ثورة، والجِهاد ليس دوما جهادا في سبيل الله، والآخر ليس دوما جحيمًا، والقصة ليست دوما حكايةً تُرْوَى وإنما هي حكايةٌ تُوَلد في اللغة ليعيشَها القارئُ وتتضاعفَ به خارجَ نَصها.

بمعنى أن كل قصة تُسمعنا معناها الخاص. وفي الطريقة الثانية يقف القارئ على حكايةِ المجموعة القصصية كُلها باعتبار أن لكل كتابٍ أدبي حكايةً، والحكاية هنا هي حكاية واقع ما بعد الثورة، حيث تُسمعنا القصص مجتمعةً ما ينتظِمُ المذكورَ في كل واحدة منها منفردةً: وهو فساد واقع الناس بعد الثورة، وضرورة الوعي بمدى طُهْريةِ الثورة ذاتِها. ولعل عدم التناقض بين «كلام» كل قصة و«كلام» المجموعةِ القصصية كلها، هو ما حقق لقصص مسعودة بوبكر بلاغتَها شكلا ومحتوى. ومن صُوَرِ ذلك أن كل القصص خالية من الحُب، بل قُلْ هي مُبْدِعةٌ في تغييبِه عنها حتى تكشف في شخصياتها عن تسطحها، وعن هشاشتها، وعن تنامي خوفها، وعن شدةِ عَدَمِيتها. ومثال ذلك أن ما قد يبدو للقارئ مشهدًا جنسيا بين الانتحاري والشابة قد وقع تعويمه سرديا، فتحول إلى مشهد نقيض: إلى مشهدِ قتلٍ. يُضافُ إلى ذلك أن القصص لا تُسمي شخصياتها، لكأن التسمية بالنسبة إليها تُيَبسُ المعنى وتسجنه في حيزِ المعلومِ، وهي تريد له أن يتخلق حرا وطريا، ومن ثم كان للتعمية الأسمية فيها وظيفة الإنباء بمجانية الحالة المسرودة وعمومِيتها، وبكثرةِ مَنَابِتها في واقع الناس.
ولعل في ما مر معنا ما يُجيزُ القولَ إن قصص «الرحيل إلى تسنيم» تتوفر على أنموذج فني ينتظم بناءَها جميعًا: تبدأ القصة فيه بمشهدٍ له توقعٌ حدثي مألوف في ذهن القارئ (إرهابي يستعد لتفجير عبوة ناسفة (يعني: سيقتل الناس)، جثة قتيل تذهب إلى المشرحة (يعني: ستُدفن ويتكفل الأمن بالبحث عن القاتل)، الخوف من الآخر (يعني: كل شخص يتبعنا في الليل إنما هو يتربص بنا)، جنازة باتجاه القبر (يعني: سيتبعها الناس ويترحمون على الميْتِ)، إلخ، بل إن القصة لا تني تحشد كل جُهْدِها الحكائي لتؤكد ذاك التوقعَ الدارجَ. ولكننا سرعان ما نكتشف أنها تتلاعب بنا، حيث تفاجئنا بخواتيمها التي تنحرفُ عن توقعاتنا وتنفرج على نهاية أخرى لم نكن ننتظرها، فإذا نحن مأخوذين بها، مستسلمين لمشيئتها وهي تترحل بنا من واقعنا إلى واقعها. ومن صُور ذلك أن في قصة «خيط أحمر في الصحراء» يقتص القتيلُ من قاتله وليس أعوان الأمن على حد ما جرت عليه عادة عمل البوليس، وعوض أن يفجر الإرهابي غيره في قصة «الرحيل إلى تسنيم» نُلْفيه يفجر ماضيه وحاضره: يفجر نفسَه، ومَن كانت بطلة قصة «الدليل» تراه مجرما وتتخيل فتكَه بها نُلفيه يتحول إلى رفيقٍ لها في وحشة الليل ووديعٍ في التواصل معها ورحيمٍ بوالدته على حد ما روى من أمره معها. وفي قصة «الفرحيم» لم يتبع الناسُ جنازة الإرهابي كما يحدث مع جنائز الموتى، بل تَبِعَتها الكلابُ وهي تعوي.
وبالتلخيص أقول إن قصص مسعودة بوبكر تُجيد التلاعب النيتشوي بقارئها، فهي تُعِده بفواتحها لأنْ ينتظر من كل قصة منها شيئا ما قد ينتظره كل قارئ من كل قصة، ولكنها تخلفُ وعدَها في خواتيمها عبر صَوغِ مآلات أبطالها صوغًا ينحرف فيه الحدثُ عن مساره الرتيبِ صوب تكوّنٍ له جديدٍ ومُفارِقٍ لسياق الأحداث في مألوفنا العام. ولا شك في أن هذا الانحراف الدلالي استعارةٌ بليغةٌ مُحيلةٌ إلى انحراف الواقع خارج القصة؛ فالثورة ليست دائما ثورة، والجِهاد ليس دوما جهادا في سبيل الله، والآخر ليس دوما جحيمًا، والقصة ليست دوما حكايةً تُرْوَى وإنما هي حكايةٌ تُوَلد في اللغة ليعيشَها القارئُ وتتضاعفَ به خارجَ نَصها.

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية