اعتذار للذئاب

حجم الخط
8

لم تنل رواية الأديب الراحل جمال ناجي «عندما تشيخ الذئاب» جائزة بوكر العربية رغم بلوغها القائمة القصيرة، ورغم جمالياتها العالية ودقة موضوعها وخطورته، ولكنّها نالت ما هو أكبر من أي جائزة بعد أن تحوّلت إلى عمل درامي تلفزيوني، حقق نجاحا كبيرا في الموسم الرمضاني الماضي. إذ خرجت ذئاب ناجي من مخابئها وأعادت سرد تاريخ الواقع العربي، منذ بدء ما سمي بالصحوة بكل أنواعها إلى الانحدار الذي نشهده اليوم على جميع الصعد.
لقد كانت الرواية ملخصا جيدا لكل الأحداث السياسية المتشابهة في العالم العربي، وقراءة عميقة لمخطط نفــــذ بحذافيره قبل فتح أبواب الجحيم على المواطن العربي البسيط، لكن أقوى ما أمكن الوقوف عنده هو التوظيف الرمزي للذئاب لحبك الأحداث، التي نعيش تفاصيلها ونتائجها اليوم.
الأسئلة الخطيرة التي كانت شبه ممنوعٍ طرحها في مطلع الثمانينيات، طرحها ناجي عبر شخصياته الروائية، وقد صاغها على شكل عواء ذئاب جائعة، أعلنت القتال في ما بينها من أجل الاستحواذ على أقاليم سلطتها. أفتتن ناجي بالذئاب كما أدباء كثر، ولا ندري هل ما جذبه هو مكر الذئب أم حكمته أم وحشيته؟ فلطالما حضرت الذئاب في الأدب كشخصيات رئيسية تبنى عليها الأحداث، وتتحكم في سيرورتها، لكن في «عندما تشيخ الذئاب» حضرت صفات الذئب وروحه، ولم يحضر الذئب شخصيا، ولعلّ حضوره في الأدب عموما غالبا ما يكون معنويا أكثر منه حسيا، إلا في بعض الأساطير القديمة مثل حكاية «ليلى والذئب» التي لعب فيها الذئب دورا رئيسيا، حين ارتدى عباءة تخويف الأطفال الذين لا يصغون لنصائح أهلهم، وهو بذلك يمثل شخصية الشرير الذي يقضي على الأحمق الغافل عن حماية نفسه.


الذئب في قصص المستذئبين سيكون جزءا لا يتجزّأ من الإنسان نفسه، ويبدو أنها بنيت على حقائق مرتبطة بمرض غير مفهوم في أزمان سحيقة، وربما لأسباب خيالية محضة، غذّت الذاكرة الشعبية في ظروف معينة، يصعب علينا فهمها اليوم خارج أطرها الحقيقية، لكنّها صبت جميعها في الطبيعة البشرية التي تتشكل من مكونات الخير والشر معا. يرتدي الذئب في الأدب العربي وبعضٍ من الأدب الغربي عباءة الشر، ويمثل في الغالب كل الصفات السيئة الممكن تخيلها. نرى ذلك أيضا في الأفلام التي تقدم الذئب كحيوان شرير يتربص فريسته، ويلاحقها حتى يقضي عليها، فلا أحد نجا من الذئاب في أي منها، وعادة ما ترتبط نهايتها بكراهية كبيرة تملأ قلوبنا تجاه جنس الذئاب. والغريب ليس هنا، بل في إلصاق صفات سيئة بالذئب، إذ لطالما تميز هذا الحيوان بصفات نبيلة، أهملها الأدب تماما، لأسباب نجهلها، هل لأنه حيوان متوحش ويصعب تدجينه؟ أم لأنّه حيوان يواجهه الإنسان فقط في حالة واحدة وهي حين يكون جائعا؟ ربما هناك احتمالات أخرى، لكنني أرجح أننا أقل اطلاعا على سلوك الحيوانات، فقد عشنا منفصلين عن الطبيعة، ولا نزال في انفصال مستمر عنها، بحيث أصبح عالم الإنسان تغلب عليه الصناعة في ما ينحسر الحيوان إلى المناطق البعيدة التي لا ينكمش فيها ما تبقى من الطبيعة. لقد جمع الراحل حنّا مينة كل صفات الفساد في صورة «الذئب الأسود» روايته التي صدرت عن دار الآداب سنة 2005 ، وهي متزامنة في الصدور مع رواية جمال ناجي عن منشورات وزارة الثقافة الأردنية، وإلاّ اتُّهِم أحدهما بالأخذ من الآخر الفكرة المحورية للنص. في المتاهة نفسها تقريبا تدور أحداث رواية هيلاري مانتيل «قصر الذئاب»، حتى إن كانت قراءة تاريخية لحقبة معينة من تاريخ بريطانيا، فالصراع الدائر حول العرش داخل القصر شبهته بحرب بين الذئاب.

رمز الذئب مقرون مباشرة بالحياة وانتعاشها وازدهارها، لهذا لا أعتقد أن تشويه طبيعته وتلفيق الصفات السيئة به فكرة سديدة، فقد أثبت البشر أنهم أسوأ الكائنات الحية على هذه البسيطة، لهذا وجب علينا الاعتذار للذئب.

هناك روايات أخرى يضيق المقام عن ذكرها، لكن أشهرها على الإطلاق تلك التي تروي حياة الصبي «موغلي» الذي تبنته عائلة من الذئاب فتعلّم لغتها وأخلاقها وقوانين الغابة، والمميز لدى كاتبها ريديارد كبيلينج، هو احتكاكه الجيد بالطبيعة وتأمله في نواميس الأدغال قبل تأليف قصصه، وأعتبره الأقرب في سرد حقائق عن الحيوانات، خاصة الذئاب منها، فكلنا إن لم نقرأ قصة «موغلي» فإننا حتما شاهدنا إحدى النتاجات الدرامية على الشاشات، التي تروي حياته العجيبة في الأدغال، وكيف أنه تعلّم الأخلاق الرفيعة من عائلة الذئاب التي تربى بينها، وإن صدمته الحقيقية كانت حين اكتشف بني جنسه من البشر وكل حقاراتهم في الإساءة للحيوان وللإنسان سواء.
كتصحيح ضروري علينا أن نعرف أن الذئاب حيوانات منظمة، تعيش على شكل قبائل، وكل قبيلة تحترم كبيرها، ويبدو أن قانون الذئاب يفرض أمرين مهمين أوله احترام العائلة وثانيها احترام كبار السن، لا يخون الذئب أنثاه، إذ يتزوج مرة واحدة، ويشارك في تربية صغاره وحماية عائلته، والأغرب أنه لا يتخلّى عن والديه، فكما ربياه صغيرا، يبقى وفيا لهما إلى آخر يوم في حياتهما، فيتولى اصطياد غذائهما وإحضاره، حيث يختبئان من مخاطر الغابة، الذئب يحترم عدوه، إلا إذا كان جبانا وخسيسا، إذ يملك من الحواس ما يجعله يميز قدرة عدوه، كما يشم رائحة أي كائن يقترب منه على مسافة كيلومترات قد تبلغ الخمسة عشر كيلومترا، يعرف أيضا إن كان راعي أي قطيع قريب منه أنثى أو ذكرا، ووفق جنسه يرسم خطته للهجوم، هذا الذكاء الغريزي يجعله مميزا بين الحيوانات، كما يجعله رمزا لبعض المجتمعات والشخصيات المقاتلة.
من العجائب المرتبطة بالذئب هي قدرته على إحياء أرض قاحلة وإعادة التوازن البيئي إليها، كما أثبتت تجربة المحمية الوطنية يلوستون في كندا، التي نفذت سنة 1995، بحيث جُلِب أربعة عشر ذئبا إلى المحمية، وتدريجيا بدأت الحياة تعود إليها، بما في ذلك حركة الأنهار وإقبال حيوانات جديدة للمحمية، ونمو الغابة بشكل أفضل، واكتظاظها بزواحف كثيرة وطيور من كل نوع، فقد غيرت الذئاب من طريقة عيش بعض الحيوانات التي كانت موجودة في المحمية، ويمكن اعتبار ما حدث شكلا من أشكال الهيبة التي فرضتها الذئاب على كائنات المحمية، قبل إعادة تأهيلها بكائنات جديدة وكثيرة جلبها التوازن الذي حلّ بها.
بمجرد معرفة هذا الكم اليسير من المعلومات الإيجابية عن الذئاب، سنشعر بأنه كائن مظلوم في أدبنا وفي الأدب العالمي بالمجمل، وقد تكون أعمال نادرة أنصفته، مثل رواية «رمز الذئب» التي كتبها الصيني لوجيامن باسمه المستعار يانغ رونغ وهي تقوم على قراءة التوازن البيئي والإبقاء على الحياة من خلال مذهب معيشي يعتنقه المنغوليون، في الرواية ما يدهش فعلا من حكم وقواعد أساسية للحصول على حياة نقية، وهي أعظم ما قرأت من الأدب العالمي، وقد وصفها الكاتب ممدوح عزام بأنها «رواية تضعنا أمام خيارين، أولهما خيار الحداثة المدمرة، وثانيهما الطبيعة في حضورها الحي، كونها هجت التحديث، لا في الصين وحدها، التي بيعت فيها أكثر من عشرين مليون نسخة، بل في العالم كله، حيث ترجمت إلى أكثر من خمس وعشرين لغة، حسب المترجم إلى العربية».
الرواية اختصرت تاريخ الصين الحديثة منذ مطلع الستينيات، كما لو أنها تلك المحمية الكندية، لكن بشكل عكسي وهي تترصّد قرار القيادة العسكرية بالقضاء على الذئاب في المناطق الرعوية، ما أدى إلى موتها البطيء وتصحر المنطقة …
رمز الذئب مقرون مباشرة بالحياة وانتعاشها وازدهارها، لهذا لا أعتقد أن تشويه طبيعته وتلفيق الصفات السيئة به فكرة سديدة، فقد أثبت البشر أنهم أسوأ الكائنات الحية على هذه البسيطة، لهذا وجب علينا الاعتذار للذئب، مع محاولة تصحيح أدبنا من التهم الجسيمة التي لحقت به في أدبنا وتراثنا.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية