جوزيف بريستو في كتابه “الجنسانية”: تطور المصطلح وانزياحه في علم النفس والتحليل النفسي 

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

يشير جوزيف بريستو في مطلع كتابه الموسوم “الجنسانية “الى أنّ علم الجنس في بداياته مع نهاية القرن التاسع عشر كان يطلق على علمّ طوّر نظاما وصفيا متقنا لتصنيف طيف صارخ من الانماط الجنسية: الثنائي الجنس، الغيري الجنس، المثلي الجنس، وأشكال الرغبة الجنسية المازوخية والسادية.

مقدمة الكتاب تشير إلى ان الجنسانية كمصطلح يفضي بنا إلى الظاهرات الداخلية والخارجية، إلى حقل النفس والعالم المادي، نظرا للمعنى الملتبس للجنس، والجنسانية تحتل مكانا لا تتقاطع فيه الأجساد المجنسة بكل أشكالها وحجومها والرغبات الجنسية بكل تنوعها إلاّ لتنفصل، ومن هذا المنظور الثنائي يضعنا الكتاب أمام أنواع مختلفة من الجسد المجنس والرغبة الجنسية التي تسكن الجنسانية. ويشير المؤلف إلى ان مصطلح الجنسانية وعلى مدى عقود قد أنتج وجهات نظر نقدية متضاربة.

تاريخ المصطلح

في إطار البحث عن بداية استعمال مصطلح الجنسانية يصل بنا المطاف إلى انه مصطلح جديد نسبيا، فقد أصبحت الكلمة شائعة في أوروبا وأمريكا أواخر القرن التاسع عشر عندما كانت الدراسات الانثروبولوجية والعلمية والسوسيولوجية للجنس في حالة ازدهار. فيحيلنا إلى إشارة واردة في قاموس اكسفورد تؤكد على ان أول استعمال مدوّن للجنسانية يظهر في عام 1836 إذ تبرز الكلمة في طبعة للأعمال الكاملة للشاعر الانكليزي وليام كاوبر. إذ يلاحظ محرر أعماله انه قد بنى قصيدته “حيوات النباتات “على جنسانيتها، والجنسانية في قاموس اكسفورد تعني اكتساب الصفة الجنسية أو امتلاك جنس، مع ان امتلاك جنس في هذا المثال الخاص يحيل بالدرجة الاولى إلى علم النبات. ويضيف بان هذا المثال وحده يظهر ببساطة ان الجنسانية لم تكن تنتمي دوما إلى المجال البشري. وهنا نجد تأكيدا على ان المنظورات المعاصرة التي يتم النظر من خلالها إلى الجنسانية قد نشأت في معظمها في القرن التاسع عشر. ايضا يذكر قاموس اكسفورد  الشاعرالانكليزي صموئيل تايلور كولردج (1772-1834 ) حيث استخدم مصطلح الجنسانية الثنائية ( bisexuality ) في العام 1804 في كتابه “المساعدات على التأمل” إذ علّق على التقليد القديم جدا للإنسان المخنث، أي ان الإنسان الأصلي كان ثنائي الجنس. وحسب كولردج فإن كلمة ثنائي الجنس bisexual تعني بشكل واضح احتواء الجنسين كليهما في جسد واحد، رغم ان هذا الاستعمال ليس باطلا كليا اليوم، وهو ليس نفس الرأي الحديث الذي يقول بأن الجنسانية الثنائية تعني الانجذاب إلى كل من الرجال والنساء، والجنسانية بأشكالها ذات البادئات المتغيرة لم تصبح مرتبطة بأنماط الشخص الجنسي وأنواع الانجذاب الايروتيكي إلا في تسعينيات القرن التاسع عشر(1890). وهنا أيضا يستعين الكتاب بملحق اكسفورد حيث يسجل ان كلا من كلمتي الجنسانية الغيرية والجنسانية المثلية دخلتا اللغة الانكليزية لأول مرة في ترجمة الدراسة الشهيرة التي حملت عنوان الأمراض النفسية الجنسية للباحث النمساوي ريشرد فون كرافت(1902- 1840 ) وبعد ذلك مضى بعض الوقت قبل ان يتم تداول الكلمتين على نطاق واسع بين الناس .

ظاهرة الجنسانية

لشرح بروز الجنسانية كظاهرة حديثة يتفحص الفصل الأول  تطور علم الجنس( sexology ) منذ ستينيات القرن التاسع عشر وانتهاء بأوائل القرن العشرين، وبهذا الخصوص يشير إلى ان علم الجنس  سعى إلى معرفة اسم وطبيعة شتى الرغبات والأنماط الجنسية، وان علم الجنس لم يجلب شخصيات الثنائي الجنس والمثلي الجنس والغيري الجنس إلى دائرة الاهتمام العام فحسب، بل تقصى السلوكات المنحرفة، بما فيها السادية والمازوخية، وان الكتابات السكسولوجية قطعت أشواطا بعيدة في تصنيف الانحرافات الجنسية، بجمع قصص حالات مرضية تصوّر رجالا ونساء يقدمون إفشاءات صريحة ومذهلة حول رغباتهم الايروتيكية، وإن عددا لا يحصى من المجلدات من هذا النوع قدّم منظومة مصطلحات مهيبة، لوصف طيف واسع من الأنماط والممارسات الجنسية، لكنه يسجل ملاحظة هنا بان مثل هذه الأعمال لم تجد دائما الظاهرات التي كانت تستقصيها . وإذا كان ثمة حقل واحد من حقول المعرفة منذ منعطف القرن العشرين، قد مضى أكثر من أي حقل آخر بفهمنا للجنسانية إلى ما وراء علم الجنس، فهو بالتاكيد التحليل النفسي.

فرويد ولاكان

الفصل الثاني من الكتاب يدرس أولا أبحاث سيغموند فرويد ( 1859- 1939 ) في اللاوعي، كاشفا عن كفاحه وفشله أحيانا لفصل أساليبه التحليلية عن أساليب العلم الوراثي للقرن التاسع عشر، ثم يتحول إلى المجال المعقد من المصطلحات التي استنبطها خلفه، جاك لاكان ( 1901- 1981 ) الذي عمل على الفصل بشكل نهائي التحليل النفسي عن تراثه العلمي:عزل الايروتيكية عن الأواليات البيولوجية. فقد كان التحليل النفسي اول نظرية تنتج تفسيرا مفصلا للسبب في أن الجنسانية يجب فهمها بشكل مستقل عن التكاثر، وبتركيز الاهتمام على السبب في ان الجنسانية ليست موجهة بالضرورة إلى غايات تناسلية. كما يتطرق الكتاب إلى كشوفات فرويد ولاكان في إطار التنظير لكيفية إقامة الكائنات البشرية محددات هوية جنسية نوعية، فيكشفان في أبحاثهما أن تنظيم الدوافع الجنسية يبدأ في اللحظة التي ندخل فيها إلى العالم. ووفقا للتحليل النفسي فإن النشوء المبكر للمناطق المثيرة للشهوة الجنسية يحمل دمغة نفسية تستمر طوال سن البلوغ. ويعلق بريستو على جهود فرويد ولاكان بأنهما قد اكتسبا الشهرة لأجل تطوير ما تعتبر بشكل لا يمكن إنكاره نماذج إرشادية تسلم تسليما كاملا بمركزية القضيب التشريحي، والسلطة الرمزية للفالوس، بالتالي ستصبح المركزية الفالوسية التحليلنفسية موضوعا للسجال الشديد بين النسويين، في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات وأواخر الستينيات فصاعدا. أما القسم الختامي من الفصل الثاني فيدرس وجهات النظر النسوية المختلفة حول القضيب والفالوس اللذين يستحوذان على اهتمام النظريتين الفرويدية واللاكانية على التوالي، ففي حين يزعم بعض النسويين ان هذا الجسم المعقد من الأبحاث هو إلى حد كبير عرض من أعراض دال على الهيمنة البطريركية الأبوية، يجادل آخرون بأن التحليل النفسي يقدم أدلة هامة حول الإواليتين الثقافية والنفسية اللتين تساعدان في تأبيد اللامساواة الجنسية في الغرب.

ديناميك الخلق والتدمير

يتناول الفصل الثالث نظرية فرويد القوية حول دافع الموت فيرسم سجالين بارزين معا يركزان على الجنسانية كمنبع لامحدود ظاهريا للطاقة الدافعة المفهومة ضمن ديناميك الخلق والتدمير، والجزء الأول من المناقشة يتفحص أعمال بضعة منظرين طليعيين، بمن فيهم جورج باتاي (1992-1897) وجيل دولوز (-1930 1995) وفليكس غواتاري( 1930-1992) فقد حاول هؤلاء ان يجدوا السبب في ان الجنسانية تنوس بقوة بين الحياة والموت.

البورنوغرافيا والجرائم الجنسية

الجزء الثاني من الفصل الثالث يكشف لنا كيف ان هذا النقاش المشحون حول المظهر المانح للحياة، والمظهر المسبّب للموت من الرغبة، يبدو بالشكل الأكثر حيوية في السجالات النسوية الحديثة حول البورنوغرافيا (التصوير الإباحي) وهنا يطرح إشارة بان البورنوغرافيا تستمر في تقسيم الرأي النسوي حول التاثيرات الضارة أو التحررية للرغبة الايروتيكية، فمن ناحية أولى يزعم كثير من أصحاب الحملات النسويين الراديكاليين ضد البورنوغرافيا انها تؤدي تكراراً إلى جرائم جنسية عنيفة، ولذلك يجب المطالبة قانونيا بالتعويض عن الأذى الخطير الذي تسببه. ومن ناحية أخرى، يجادل النسويون التحرريون المتحمسون لمقارعة رقابة الدولة التاديبية بأن ثمة جوانب إيجابية للبورنوغرافيا، إذ يعتقدون أن بعض أنماط التمثيل الجنسي التصويري يمكن ان تسمح للنساء باستكشاف وتحرير الرغبات المكبوتة بطرق أخرى في مجتمع بطريركي.

فوكو والجنسانية

يتفحص الفصل الرابع  المناهج المميزة التي يستخدمها ميشيل فوكو لإزالة الغموض عن الجنسانية كمقولة نقدية، بالتركيز على كيف تصوّر الخطابات المحملة بالسلطة الرغبة، فيتفحص الأنظمة المفاهيمية التي دفعت كثيرا من المفكرين، من فرويد إلى النسويين المعاصرين إلى الاستنتاج نفسه: أن الرغبات الجنسية العاصفة تكون محبوسة بشكل حتمي لا مفر منه ضمن منضومة القمع والتحرر، فيتطرق بهذا السياق إلى استكشاف فوكو للحراك الثقافي الذي أقنع العصر الحديث بالإيمان بأن الجنس قد أصبح أكثر أهمية من روحنا، وأكثر أهمية تقريبا من حياتنا، بحيث إننا نقاد إلى التفكير في اننا ينبغي أن نقايض الحياة في مجملها بالجنس، فيسأل: ما الذي دفع كثيرا من مثقفي القرن العشرين إلى الاتفاق على ان الجنس يستحق الموت من أجله؟ ويستمر في هذا المنحى ليرصد ما تفحصه فوكو في ان الاختلاق السياسي للمعتقدات المؤثرة التي تعترف بأن السلوكيات والهويات والأساليب الايروتيكية هي أساسية للوجود البشري، وكيف ظهرت الجنسانية كمقولة مفهومة لعب قبولها الواسع الانتشار دورا حاسما في ضبط النظام الاجتماعي.

الجنسانية وما بعد الحداثة

يصل بنا محتوى الكتاب في خاتمته إلى ان هناك قلّة في القرن الحالي يشككون في أن المقولات الراسخة التي طالما فهم الغرب الجنسانية من خلالها تخضع الان لتوتر كبير. ويضيف في هذا السياق ان عالما رأسماليا متأثرا بالأساليب ما بعد الحداثية المتشظية في التفكير تخضع فيه الهويات الجنسية لمثل هذا التحول السريع بحيث إن التصنيفات السكسولوجية والتحليلنفسية التي كانت فيما مضى مقبولة بسهولة صارت تبدو زائدة عن الحاجة، لإظهار كيف ان الهويات الجنسية هي في الوقت الراهن آخذة في التنوع. ويختتم الكتاب بان يضع أمامنا السجالات المزدهرة حول الجنسانية الثنائية، والقضايا العابرة للجنوسة، والجماعات الجنسية للملونين، وكلها تفنّد قاموس المفردات العتيق الذي يستمر في سوء تمثيل رغباتهم.

جوزيف بريستو: “الجنسانية”

دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية 2019

 335 صفحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية