بيروت – “القدس العربي”: للموسيقى عيدها العالمي في 21 حزيران/ يونيو من كل عام. ولفرقة “دارج” حفلاتها في كل لبنان ربيعاً وصيفاً. بدأت في الثامن من حزيران/يونيو على مسرح “المشهد” في البقاع وتنتهي في 28 تموز/ يوليو المقبل في خان الإفرنج في صيدا، وستعلن لاحقاً حفلات أخرى تستمر إلى أيلول/ سبتمبر. ولـ “دارج” جولة فنية من 16 حفلا لخمس فرق موسيقية، جميع عناصرها من خريجي مدرسة “العمل للأمل للموسيقى” في لبنان.
في بيروت كانت محطة لـ “دارج” في مترو المدينة لكل من فرقتي “أوج” (اسم مقام باللغتين الفارسية والعربية) و”زهورات”. بين أهل وجمهور وداعمين غصّ المكان بناسه. البدء مع “أوج”، ثلاثة شباب وصبيتان على المسرح. دفق من الغناء التراثي الجميل. ثم تقتحم فتيات “زهورات” السبع المسرح بلطف وكياسة، ينتزعن الآلات من أعضاء “أوج” ويبدأن العزف والغناء. وصلات مصرية وأخرى شامية وعراقية جذابة بصوت الصولو الوحيد للطفلة رغد إبراهيم. تفاعل مفرح ومشجع مع تلك البراعم الشابة من فتيات وشبان أجبرتهم الحروب على العيش في لبنان. بعضهم من سوريا وبعضهم الآخر من الفلسطينيين اللبنانيين.
والهدف من برنامج “دارج” ليس فقط تعلُّم الموسيقى والغناء، بل كذلك تشجيع انخراط الخريجين في مرحلة التطوير المهني، حيث يتم إمدادهم بتدريب احترافي أكثر ملاءمة لكل منهم. ويشارك الخريجون في تكوين مجموعات موسيقية صغيرة تقوم بحفلات وجولات موسيقية شبه احترافية. والملاحظ أن الفرقتين تديران شؤونهما بنفسيهما على المسرح بدون وجود أي مدرب.
منذ بدأت مدرسة العمل للأمل للموسيقى عملها بين اللاجئين والمهمشين تخرّج منها 36 طالباً. قدموا أكثر من 40 حفلاً بين لبنان والأردن. عمل أربعة منهم كمساعدي أساتذة في مدرسة العمل للأمل. وبدأ اثنان تقديم دروس خصوصية في الموسيقى. وشكلت مجموعة من بينهم فرقة موسيقية مستقلة تعمل احترافياً.
مع مسؤولة البرامج ومدربة فرقة زهورات وعازفة البزق فرح قدّور هذا الحوار:
* ما هو برنامج مدرسة الموسيقى؟
** مدرسة الموسيقى جزء من برامج عدّة تديرها العمل للأمل، بدأت كتجربة سنة 2015 في لبنان، وفي الأردن سنة 2016. وإلى تاريخه خرّجت المدرسة دفعتين من الطلاب، وننتظر تخرُج الدفعة الثالثة في أيلول/ سبتمر المقبل. طموحنا كمدرسة أن يتمكن هؤلاء الخريجون من إثبات وجود موسيقي ما ضمن المشهد الثقافي في لبنان، بالشكل الذي يتمكنون منه، ويمكننا من دعمهم. الخطوة التالية للتخرج هي جولة “دارج”.
* ولماذا اختيار هذا الاسم؟
** لأننا نعمل مع الطلاب من خلال الموسيقى المشرقية العربية، والاسم ينتمي لهذه الموسيقى. بعد التخرج يصبح الخريجون الذين يقدمون حفلاً فرقاً لكل منها اسمها الخاص، ويتولى العمل معها أحد أساتذة المدرسة الموسيقية. تدريب الفرق ينهج أسلوب تدريس يختلف عما سبقه. “دارج2” أثمرت خمس فرق في لبنان وثلاث في الأردن.
* هؤلاء الشباب والشابات منتظمون مدرسياً؟
** القسم الأكبر منهم يتابع دراسته، وبعضهم تقدم إلى امتحانات الشهادات الرسمية. بعضهم لديهم تسرب مدرسي، وهم ممن يضطرون للعمل مبكراً لمساعدة ذويهم. من يتابعون الدراسة المنهجية يحضرون دروساً مكثفة في الموسيقى. ومن يتخرجون يتابعون ورش عمل مع أساتذة زائرين. وتتضمن مرحلة العروض الموسيقية ورش عمل مكثفة جداً.
* من هم الطلاب وما هي أعمارهم؟
** تتراوح الأعمار بين 12 و18 سنة. غالبيتهم نازحون من سوريا، وبعضهم فلسطينيون من لبنان ولبنانيون. وفي الأردن تضم مدارس الموسيقى إلى جانب السوريين والفلسطينيين طلاباً من العراق.
* أين يجتمع هؤلاء الطلاب لتدريبهم؟
** في المركز الرئيسي للـ “العمل للأمل” في بر الياس – البقاع. ويضم المركز مسرح المشهد، وفيه يتلقى فريق المسرح تدريباته. وخلال الاستعداد للحفلات نتدرب في المسرح المخصص لكل حفل على مدى ثلاثة أيام. ويبقى التدريب الأساس في البقاع، حيث ينضم إليهم طلاب من مخيم شاتيلا. فانطلاقة مدرسة الموسيقى كان في مخيم شاتيلا وعندما لوحظ مدى افتقار البقاع لمشاريع من هذا النوع، انصبّ التركيز عليه.
* من تختارون من بين المتقدمين لدراسة الموسيقى؟
** يتقدم سنوياً إلى مدرسة الموسيقى حوالي 500 طالب، ويتم اختيار 30 من بينهم. في البقاع الكثير من المواهب، والحاجة ملحة لمشاريع انمائية.
* ماذا حقق المتخرجون من مدرسة الموسيقى سنة 2017 و2018؟
** القسم الأكبر من هؤلاء الخريجين يتابعون دراستهم المنهجية، وهذا ما يحول بينهم وبين متابعة العمل في الموسيقى بشكل جدي. ومعروف أن المنافسة الموسيقية في لبنان كبيرة، وليس سهلاً دخول مشهدها. تتمثل الخطوة الأولى بوضع قدم لهذا الموهوب ضمن هذا المشهد. ومن هنا نختار مسارح معروفة لتقديم حفل التخرج بهدف إطلاق تلك المواهب من خلالها، كما حفل اليوم في مترو المدينة المقصود من قبل الموسيقيين. أما الهدف الأكبر فيتمثل بأن تتمكن تلك الفرق من تنظيم حفلات بذاتها. وبهذا الهدف يخضع هؤلاء الخريجون لورش في الإدارة الثقافية، تمكنهم من إقامة صلة مع الناس الذين يطلبون منهم حفلاً. كما خضع هؤلاء الخريجون لورشة في إدارة الصوت تمكنهم من إدارة جانب مهم في عملهم. إذاً نحن نسير خطوة خطوة مع تلك الفرق بحيث تكون لديها كل المقومات لإقامة حفل بدءا من الدعاية، إلى إعداد فيديو كليب خاص بكل فرقة.
* وهل ولدت فرقة متكاملة المواصفات من “دارج”؟
** في العام الماضي تمّ افتتاح مسرح المشهد في مقر العمل للأمل في بر الياس، وشارك بعض من الخريجين في الحفل بفرقة مكونة من خمسة أشخاص. ويمكن اعتبارها نواة.
* تهدفون لأن تصبح الموسيقى مصدر عيش لهؤلاء الخريجين؟
** بدون شك. وبرأينا هم يمتلكون المقومات ليقولوا صوتهم للناس. تنتمي مدرسة الموسيقى لشعار “فنانين جدد. أصوات جديدة”. نحن نحتاج لأصوات جديدة ولفنانين جدد دائماً.
* ماذا تقولين عن دور الموسيقى في حياة هؤلاء الشباب الذين يعيش أغلبهم في أوضاع اقتصادية صعبة وحالة لجوء ونزوح؟
** تترك أثراً على الصعيد الشخصي وعلى صعيد المجموعة. تنطلق العمل للأمل من فكرة أساسية تتمثل بتعاملنا مع هؤلاء الشباب كموهبة بعيداً عن أي دعم نفسي اجتماعي. وهذا ما يعزز الثقة بالنفس خاصة لدى الشباب. مع الإشارة أن ليس جميعهم يعيش في المخيم. نعامل الجميع سواسية لأن الموهبة هي التي تفرض نفسها. وقد نجد واحداً من الطلاب يعيش راحة مادية، لكنه يعاني من مشاكل عائليه. ولا شك بأن بعض الطلاب يعانون من مشكلات عائلية، وغيرها كعدم الثقة بالذات ناتجة عن المحيط. نلحظ أن الموسيقى أحدثت نقلة في حياتهم على المدى البعيد. نقلة موجودة على المستوى الأعمق لكل من الطلاب، وليس لنا ملاحظتها بين يوم وليلة. كمدربة قد ألحظ بعد ثلاث سنوات تغيراً ما في سلوك الطالب.
* هل تساعد الموسيقى في تحسين التحصيل المدرسي لدى الطلاب؟
** إنها اشكالية موجودة على صعيد العالم. بعض دارسي الموسيقى يتحسن تحصيلهم العلمي، وبعضهم الآخر يتراجع. أكثرية الموسيقيين يتراجعون في الدراسة المنهجية.
* وماذا كان دور الموسيقى في حياتك المدرسية؟
** قررت منذ صف الأول ثانوي التخصص بالموسيقى وبدرجة جامعية، لهذا سلكت درب الخيارات الأسهل فدرست الفرع الأدبي. نعمل في مدرسة الموسيقى دائماً لدعم الطلاب كي يثابروا على التحصيل الجيد مدرسياً وعدم تسجيل أي تراجع.
من جانبها عبرت عازفة العود هنادي الحاج عن سرورها بتعلُم الموسيقى. وقالت: قبل سنتين قُبلت في مدرسة الموسيقى، وبدأت أولا بتعلُم النظريات الخاصة بآلة العود ومن ثم العزف. كنت صغيرة جداً عندما كنت استمع إلى خالي يعزف على آلة العود. في تلك الأثناء كنت أُمني نفسي بلمسها أو التمكن من أي حركة معها. هذا الحلم تحقق مع “العمل للأمل”. وفي هذا الحفل الذي شاهدته بنفسك كنا في غاية السرور لتفاعل الجمهور معنا. وعندما أعود إلى وطني سوريا سوف اتابع دراسة العود لأصبح أكثر تمكناً منه، وفهماً لكل تفاصيله. وأكثر من ذلك أتمنى أن أنشر ما تعلمته لآخرين يرغبون بتعلُم العزف على هذه الألة الشرقية. ساعدتني دراسة الموسيقى في اختيار ومعرفة ما يجب أن أسمعه من الغناء. وساعدتني أيضاً للتخلص نسبياً من آثار الحرب التي داهمت سوريا وأنا طفلة.
رغد إبراهيم من فلسطين عمرها 13 عاماً، الصوت الصولو الوحيد في فرقة زهورات. طفلة تجلس على كرسيها وبالكاد حركت يديها من موضعهما الأول. متمكنة مما تقول، ومتناغمة مع زميلاتها العازفات. رغد من سكان البقاع وجدت في مدرسة الموسيقى فرصة عمرها. تقول بكل ثقة: منذ أن كان عمري تسع سنوات وأنا أغني. لن يكون الغناء مهنتي بل هوايتي المهمة جدا. سأتابع دراسة الغناء ودراستي المنهجية معاً، وأرغب في التخصص في الطب والجراحة تحديداً. وفي الغناء أحب الطرب القديم ولم اتعرف أبداً إلى أي غناء جديد.
تميم إبراهيم شقيق رغد عازف طبلة متفاعل وحيوي بامتياز. يقول: كانت الموسيقى حلمي إلى أن حانت فرصة التعلُم في مدرسة العمل للأمل. فرحت كثيراً حين تمّ قبولي قبل حوالي ثلاث سنوات. السنة المقبلة أنهي دراستي بالتقدم للشهادة الثانوية وأرغب بالسفر إلى تركيا لدراسة هندسة الطاقة، وكذلك الطبلة. ففي تركيا إيقاعات جميلة وجديدة أريد التعرف إليها. وأتمنى أن اتقن دراستي الأكاديمية أولاً، وألا أهمل الطبلة.
هبة داحوس من سوريا تتابع دراستها المنهجية، وتثابر على دراسة العزف على البزق. تقول: اخترته لأني أحببت صوته والتعرف إلى إسراره. عندما بت أجيد عزفه بات بالنسبة لي وسيلة للراحة. أدرس البزق منذ ثلاث سنوات، وأرغب لاحقاً عندما نعود إلى سوريا بافتتاح مدرسة لتعليم العزف على البزق.
حسن الجبر من سوريا يعزف العود ويغني. هو من أوائل الطلاب الذين انتظموا في الدراسة الموسيقية. يقول: اهتمامي بالعزف والغناء متساوٍ. سوف أتابع دراسة الموسيقى لأنها ساعدتني في تغيير حياتي نحو الأفضل. بات العود رفيقي، أعزف على أوتاره لساعات خلال وجودي في المنزل، فالتمارين اليومية عزفاً وغناء ضرورة.