«جِنّ» قد جاءكم بالنّذير أيّها العرب المحتوى البصري: الإسرائيليون سبقونا إلى هناك

حجم الخط
4

كما عاصفة هستيريا هبت من صحراء الجنوب، كان مسلسل «جن» – خمس حلقات – على شاشة «نيتفليكس»، أخيراً.
الكثيرون ترّقبوا ذلك المولود المحمل بالوعود. الأردنيّون توقعوا عملاً يليق بسحر بترائهم الوردية يحلق بهم إلى سماء العالميّة، التي أصبحت «نيتفليكس» (وأخواتها) بشكل متزايد حارسة بوّابتها، بل وربما التأسيس لصناعة سينمائيّة أردنيّة قادرة على خوض منافسة خارج إطار مسلسلات البداوة الرمضانيّة وبرامج لا تُرضي حتى جمهورها الضيق.
أيضاً الشبكة التي تطمح باحتكار السوق العالمي خارج الولايات المتحدة – ليس فقط بتوفير المنتجات البصريّة التلفزيونيّة الأمريكيّة لمليارات المستهلكين عبر القارات – وإنما أيضاً من خلال فتح الفضاء لمنتجات تلفزيونيّة من أركان الأرض الأربع تبدو محلية المنبت، كي لا يجد أحد في هذا الكوكب الحزين مبرراً لعدم دفع الاشتراك الشهري للشركة الأمريكيّة.
كانت ترتقب طفلها المستعرب هذا – بعد محاولات فاشلة سابقة للتعامل مع المحتوى العربيّ – ليكون فاتحة اجتياح لسوق شابّة متعطشة للترفيه يصل حجمها إلى 200 مليونٍ من المشاهدين.
كذلك المدائن العربيّة الأخرى في المنطقة المعنيّة بالانتفاع من توجه «نيتفليكس» نحو الشرق: دبيّ وأبوظبي وبيروت والقاهرة.

مسلسل «جن»: النّذير من شرّ قد اقترب

«جنّ» خيّب تلك الانتظارات جميعها. فالعمل فنياً جاء دون المستوى، وحتى النقاد الذين هم على وفاق عموما مع منتجات الشركة الأمريكيّة اكتفوا بمنحه نجمة أو نجمتين على الأكثر.
لكن الأمر – محلياً في الأردن وجواره المباشر – تجاوز بمراحل مسألة منتج تلفزيونيّ رديء ليتحوّل خلال أيّام قليلة إلى قضية رأي عام وطنية قسمت الشعب فريقين، ودفعت جهات رسميّة عديدة للتعاطي معها وتبيان مواقفها بشأنه بداية من سلطة إقليم البتراء المحليّة وانتهاء بمجلس النوّاب، مروراً بمعارك طاحنة على مواقع التواصل الاجتماعي وسجالات في صحف العاصمة.
الأردنيون انقسموا حصراً حول الصيغة الأخلاقيّة التي حملها المسلسل – الذي تضمن مشاهد موحية بالجنس وكمّ شتائم شوارعيّة هائلاً، بينما بدت محاولات أجهزة المملكة التعامل معه باللعنات والمنع أشبه بمعارك الدّون كيشوت الذي كان يحارب طواحين الهواء الجديدة بأسلحته القديمة التي عفا عنها الزّمان.
لكن «جن» يُقرأ من هذه الزاوية على مستوى أبعد بكثير من النقاش الأردني المحليّ بشأن أخلاقيات الشخصيّات والممثلين لينتقل إلى الإطار الاستراتيجي العربي العام، حيث مؤسسات غربيّة ذات موارد جبّارة تتولى بناء احتكارات متدرجة لفضاء التلفزيون والترفيه البصريّ، سواء بقدرتها الفائقة على تقديم خيارات تكاد لا تنتهى من المحتوى الأجنبيّ أو حتى بطموحها الجامح للسيطرة على الإنتاجات المحليّة الكبرى، دون أن يكون للحكومات أي دور ذي معنى في إدارة المحتوى المعروض على مواطنيها القاطنين في الجغرافيا الخاضعة لسيادتها، سواء لناحية تشكيل معاني العمل أو حتى لمنعه إن تطلّب الأمر. نيتفليكس عملياً – مدعومة بهيلمان السّفارات الأمريكيّة في المنطقة – قادرة على فرض ما تراه من محتوى بصريّ وفق مسطرتها الذاتيّة بدون أن يمتلك أحد شرعية مراجعتها في ذلك.
لقد كان «جن» في الحقيقة نذيراً للعرب من شرّ قد اقترب. ففضاؤهم التلفزيوني – والسينمائي – لن يكون لهم وسيتعيّن عليهم ابتلاع ما تقدمه مائدة نيتفليكس (أو أمازون وغيرها)، من وجبات شهيّة بمقادير من سمّ أحيانا.
يتفاقم هذا الخطر الاستراتيجي الشاهق إذا علمنا أن العالم العربيّ بمجمله غير قادر على إنتاج مواد تلفزيونيّة منافسة، بل إن دولاً كبرى تمتلك قدرات إنتاج فنيّ ضخمة وتراثاً لغوياً وثقافياً عريقاً – مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان – أعلنت غير مرّة عجزها عن مواجهة تحدّي النيتفليكس (وأخواتها)، سواء على المدى القريب أو البعيد، فما بالنا بالفسيفساء المقطعة المسماة العالم العربيّ.

أذرع الإمبراطورية المعولمة

شركات (الستريمنغ) كما يطلق عليها ليست مؤسسات تجاريّة محضة، بل هي أيضاً أذرع للثقافة الرأسماليّة الغربيّة توفّر للمستهلكين الذين لا حول لهم ولا قوّة مواد تلفزيونيّة ذات مضمون سياسي مباشر أو مضمر، وسرديّات تخدم بناء الحقيقة كما يريدها القائمون على تلك الشركات، سواء في المسلسلات أو الأفلام أو الوثائقيات.
خذ مثلاً مسلسل «ناركوز» على «نيتفليكس»، حيث يقدّم سرديّة أمريكيّة مشغولة بعناية – وكفاءة – عن حياة وموت تاجر المخدرات الكولومبيّ الأشهر بابلو أسكوبار.
الأغلبيّة الساحقة في الكوكب المسكون اليوم أخذت معلوماتها عن تلك الشخصيّة الجدليّة من المسلسل الأمريكي تحديداً بدون أن يتسنى لأحد في كولومبيا أو غيرها تقديم سرديّة بديلة.
وهكذا شيئاً فشيئاً يغرق العالم في أوحال الأساطير الغربيّة المُعلبة وتُعاد كتابة التاريخ بالكامل حسب مشيئتهم. من سيمنع نيتفليكسات في الآتي من الأيام تقديم مسلسل أو وثائقيّ يشاهده العالم عن جمال عبد الناصر مثلاً، أو عن صلاح الديّن الأيوبي أو حتى عن أحداث تاريخيّة معاصرة وفق ما تراه هي صحيحاً بغض النظر عن الحقيقة أو قناعات سكان المنطقة؟

الإسرائيليون قبلنا هناك

المقلق أن شركات الستريمنغ الأمريكيّة كلّها منحازة ثقافياً وسياسياً ومالياً بقضّها وقضيضها للجانب الإسرائيلي.
وقد عُقد مؤتمر ضخم في مدينة القدس المحتلة قبل أسابيع حول إدارة المحتوى التلفزيوني شارك به رؤساء وتنفيذيّون كبار من تلك الشركات – وفيهم سيندي هولاند نائبة، رئيس نيتفليكس لشؤون المحتوى – مع الجهات المنتجة الإسرائيليّة، بدا واضحاً من المناقشات في أروقته أن صناعة الستريمنغ التلفزيونيّ تقف على بوابة عصر ذهبيّ، وكذلك المُنْتَجَ الإسرائيليّ البصري – مسلسلات تلفزيونيّة وأفلاماً ووثائقيّات – يمشي بثقة تجاه عصره الذّهبيّ، وأن التجارب الحاليّة (مثل مسلسل فوضى ) تمثّل قصص نجاح – تجاري وأيديولوجي – واعد تستأهل البناء عليها والتوسّع بها.
والمسلسل المذكور يقدّم ثنائية البطل والشيطان – المعروفة في أغلب الأعمال الغربيّة – كصراع خير وشرّ بين أبطال الأمن الداخلي الإسرائيلي وقوات المستعربين الشجعان مع الفلسطينيين الإرهابيين المتخلفين – حسب الفيلم دائماً -، وهو بالطبع صراع نتيجته محسومة لمصلحة الإسرائيليين أبداً.
وبالنسبة لأغلب سكان العالم الذين لا يدركون تفاصيل القضيّة الفلسطينية سيكون (فوضى) مصدرهم الأساس للمعرفة بشأن أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال، وهذا مهما توفرت سرديات بديلة مقروءة أو حتى بصريّة من إنتاجات القنوات المحليّة والإقليميّة.

نساء آل كلينتون: سنصنع لكم عقولاً

ولعله مما يؤكد على حجم الانكشاف الاستراتيجي العربيّ في الفضاء البصريّ للعالم – والذي أنذرنا منه مسلسل»جن» الأردنيّ – توجه قيادات معروفة عالمياً بعد ابتعادها عن مسرح السياسة لاعتلاء مسرح الصورة وخوض تجارب في الإنتاج التلفزيوني، لا سيّما مجال الوثائقيّات. فبعد الرئيس باراك أوباما وزوجته ميشيل اللذين اقتحما صناعة الأفلام الوثائقيّة بتوقيعهما على إنتاج تسعة أعمال ضخمة – مع نيتفليكس تحديداً -، ها هما هيلاري كلينتون وابنتها تشيلسي تؤسسان بدورهما شركة صناعة أفلام وثائقيّةـ وهما على اتصال فعلي مع العديد من الأستوديوهات والممولين الكبار بغرض الحصول على دعمهم بما خصّ مشاريع أعمال تُعنى بقضايا النساء.
لا شك أن هؤلاء المطرودين من جنّة البيت الأبيض – تقاعداً أو إقصاء – أدركوا أكثر من غيرهم خطورة التخلي عن السّرديات إبان عملهم، وهم الذين قضوا سنوات طوال في قلب مصنع الأيديولوجيات الأكبر بالعالم، ويعرفون تماماً كيف تُبنى الحقائق الملفقة البديلة.

 كاتبة وإعلامية لبنانية بريطانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية