الطريق ترابي مقفر، المدى مكفهر مغبر يُذكر بالعَثن الكوني، وسيارتي تسير بي مخلفة وراءها ذيلا طويلا من الزوابع الملتفة.
ثمة سكة حديدية محاذية مهجورة بالكاد تظهر قضبانها بين الرمال، تمتد باستقامة وقسوة نحو الأفق البعيد.
لا شيء يوحي بالحياة، لا شيء سوى الأديم الترابي والحصى.
سألت نفسي: إلى أين؟
تابعت طريقي من دون التوقف عند الإجابة. في الحقيقة، لم أجد إجابة.
طالت الطريق. أحسست بالوحدة: ما هكذا عهدت الحياة.
حتى السماء الرمادية فقد بدت غريبة علي: ما هكذا عهدت السماء.
انزلق قلبي من مكانه نحو الأسفل، تشبثتُ بمقود السيارة، لكنه ظل يخفق حيث استقر.
من بعيد رأيت سيارة وحيدة، غطاء محركها الأمامي مرفوع. بدت لي مثل أنقاض أو مخلفات منسية من زمان مضى.
توقفت بجانب تلك السيارة ذات اللون الأبيض المغبر، رأيت رجلا يمد نصفه الأعلى فوق محركها، ويسكب الماء في خزان المحرك محتميا من لهيب الشمس بالغطاء المرفوع.
نزلت من سيارتي. لم يلتفت إلي. كأنما لم ير سيارتي ولم يرني، مع أن المكان مقفر!.
ربما تعمّد تجاهلي.
اقتربت منه، نظرت إلى الصفحة اليسرى لوجهه المتعرق. تذكرت ذلك الوجه، أعرفه وأعرف صاحبه: أين التقيته من قبل؟ متى؟
أدار رأسه نحوي، اعتدلت قامته، وضع إناء الماء على طرف سيارته.
نظر في وجهي، ثم اقبل علي بحرارة وعانقني قائلا:
– أهلا يا صديقي، أين أنت؟ نحن لم نلتق منذ زمن.
صوته ترافق مع خشخشات صدره الذاوي.
تذرعت بمشاغل الحياة التي لم تسمح لي بلقاء أصدقائي القدامى والجدد أيضا. الذريعة ذاتها التي صرت أستخدمها بعد أن تجاوزت الخمسين من عمري، قبل عشر سنوات.
كانت الصحراء صامتة، حتى خلتُني أسمع صوت السكون الذي لا يقطعه سوى عزيف زوابع تنشط ثم تخبو، كأنما تتقاسم الوقت مع السكون الذي يعود حال هدوئها.
حاولت تذكّر ذلك الرجل، اسمه أو عمله وأين التقينا.
تمعنت في وجهه، بقايا شعره الأبيض، جبهته المتجعدة، فوضى حاجبيه الأشيبين، شارباه المصفران بفعل التدخين، ثم الجلد المرتخي المتجمع تحت رقبته.
أعرف ذلك الرجل بالتأكيد. لم يبق إلا أن أتذكر اسمه وأين التقينا أو أين عملنا معًا.
قلت له:
– اعذرني، الكبر عبر، لم أتذكر اسمك، ولا أين التقينا أو عملنا معا.
انتبهت إلى مسحة الخذلان التي ترافقت مع نبرة صوتي.
هز رأسه ببطء وأسى. تناثرت من عينيه التفاتات شاردة متحسرة. لم يقل شيئا.
دهمتنا زوبعة غبار، أخفضت رأسي ووضعت كفيّ حول عيني.
ذكّرني صوت الزوبعة بعباب البحر.
ابتعدت الزوبعة فخلّفت ترابًا تجمع في شدقي وأذني، نظرت إلى الرجل، وجهه ورموشه وحواجبه وشعر رأسه كلها تلونت بالغبار.
قلت متجاهلا ما رأيت في وجهه:
– سأحاول أن أتذكر، ألم يسبق لك أن عملت مدرسًا؟
أجاب:
لا. كما اني لا أحب المدرسين.
حككت ذقني بأظفاري:
– عملت في تجارة الخشب؟
أجاب وهو ينظر نحو الأفق:
لا. لم أشتغل بالخشب.
عدت أسأله:
– بق لك أن أقمت في جنوب عمان، قرب الإذاعة مثلا؟
فهز راسه نفيًا.
سألته:
– هل لك أخ يعمل في..
فقاطعني:
– ليس لي إخوة.
ثم عاجلني:
– ما اسمك؟
ذكرت له اسمي فلم يبد عليه انه تذكره، كل ما رأيته في عينيه، تلك النظرات الشاردة التي امتزجت بظلال خذلان هذه المرة.
قال:
– ألا تذكرني؟
أجبته:
– ما أذكره هو اننا التقينا من قبل، ربما أكثر من مرة، لكن أين؟ متى؟
هز يده وذراعه في الهواء قائلا بنبرة تأنيب لشيء أو لكائن لم أعرفه:
– أنا متأكد من أننا نعرف بعضنا، وأننا التقينا، لكن أين؟ متى؟.
لم نجتهد كثيرا حين نبشنا الاحتمالات.
أحسست بالخيبة. لا أدري بماذا أحس هو؟.
عانقني وودعني بحرارة صديق حميم.
قبل أن يزيح عينيه عني رأيت فيهما نظرة وداع لا تنتمي إلى مألوف ما رأيت في حياتي.
لا أدري ما الذي رآه في عيني تلك اللحظة.
شغلتُ سيارتي. لوحت له بيدي مودعًا مبتعدًا.
لم أسأله إلى أين سيذهب.
هو لم يسألني أيضا.
اختفت سكة الحديد. لم يبق إلا طريق ترابية مقفرة تأخذ سيارتي نحو المدى البعيد الممتد، الملتصق بسماء رمادية لا تفصح عن شيء.
لم أدر لماذا عانقني وودعني بحرارة صديقٍ حميمٍ على رغم أننا لم نتذكر أسماء بعضنا، ولا..
أين التقينا؟ متى؟
***
قاص أردني
جمال ناجي