تقول استطلاعات الرأي حاليا لو أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية تعقد اليوم بين ترامب والمرشحين من الحزب الديمقراطي وعددهم 24 لهزمه ستة منهم أولهم نائب الرئيس الأسبق جوزف بايدن والذي سيهزم ترامب بفارق 13 نقطة (53%-40%) وبيرني ساندرز بفارق 11 نقطة (51-40) وعضو مجلس الشيوخ عن كاليفورنيا كمالا هاري بفارق ثماني نقاط (49-41) وإليزابيث وارن من بوسطن بفارق سبع نقاط (49-42) ومرشحان آخران بفارق خمس نقاط.
ولكن هل هذه النتائج تدعو إلى الاطمئنان وكأن الأمور محسومة للمرشح الديمقراطي أيا كان؟ ألم تكن كل استطلاعات الرأي عشية انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 تشير إلى فوز هيلاري كلينتون؟ ألم تعترف كبريات الصحف والمحطات التلفزيونية بخطأ تقديراتها.
ولنراجع معا بعض المعطيات والحقائق. فمنذ ان انتخب دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 وعينه على ولاية ثانية. وكثير من القرارات الشعبوية التي أتخذها أو وعد باتخاذها تدغدغ أحلام شرائح معينة من الشعب الأمريكي وتزيدهم التفافا حول شعار “أمريكا أولا” وتفوق العرق الأبيض وضرورة وقف الهجرة. كما صفقت تلك الشرائح لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران ومراجعة اتفاق “نافتا” مع الجارين الكبيرين كندا والمكسيك والانسحاب من عدد من المعاهدات والاتفاقات الدولية أهمها اتفاقية وقف التجارب النووية على الأسلحة البالستية مع الاتحاد الروسي. فهل أمام ترامب فرصة للفوز ثانية بأربع سنوات أخرى في البيت الأبيض قد تؤدي، إن حدثت، إلى كوارث كبرى وأزمات خطيرة على مستوى العالم وخاصة مع العملاقين روسيا والصين.
وأود أن ستعرض هنا أهم الفئات المؤيدة لترامب وستعمل على إعادته لكرسي الرئاسة وتلك الفئات التي ستعمل على الإطاحة به. ويجب أن نذكر هنا أن شخصية المرشح من الحزب الديمقراطي للانتخابات المقبلة ستلعب دورا رئيسا في نجاح أو فشل الحزب بالعودة إلى البيت الأبيض كما حصل في الانتخابات الماضية. فشخصية هيلاري كلينتون غير المحببة وفقدانها للكارزما وغدرها ببيرني ساندرز الذي اضطر أخيرا أن يؤيدها ثم باعدت نفسها عنه باعتباره أقرب إلى اليسار عوامل أدت إلى نفور عدد كبير من المصوتين وعدم المشاركة في الانتخابات فخسرت كلينتون الانتخابات.
المؤيدون الثابتون
هناك ثلاث فئات أساسية تقف صلبة كطابور العسكر خلف ترامب. أول تلك الفئات الحزب الجمهوري أعضاء ومناصرين. فمهما كانت الخلافات مع ترامب خلال سنواته في البيت الأبيض مع العديد من أعضاء الحزب إلا أنهم في الانتخابات الرئاسية سيلتفون حوله متناسين خلافاتهم حول أسلوبه الأرعن وقراراته المتسرعة بهدف الاحتفاظ بالبيت الأبيض. ونحن هنا نتكلم عمّا لا يقل عن ثلاثين مليون ناخب ملتزم بالموقف الحزبي بدون جدال، معظمهم من الأغنياء.
أما الفئة الثانية فهم أنصار إسرائيل والصهاينة والمحافظون الجدد الذين يعتبرون أن التحالف مع إسرائيل ضرورة إستراتيجية لضمان مصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالتطرف والنزاعات والإرهاب، كما يعرفونه هم. وتلعب هنا اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة (أيباك) المحرك الأساسي لهذه المجموعة والتي تستخدم كل وسائل الإغراء والتمويل وتقديم الامتيازات لمن يقف معها وتعمل على إسقاط أي مرشح يخالفها الرأي. لقد شهدت العلاقات الإسرائيلية مع ترامب أزهى عصورها في التاريخ المعاصر فقد حقق لهم ما لم يكونوا يحلمون به سواء في الملف الفلسطيني أو السوري أو الإيراني أو التطبيع العربي مع إسرائيل. لقد كانت مصلحة إسرائيل هي الأولوية التي لا يعلو عليها أولوية أخرى رغم شعار ترامب المخادع “أمريكا أولا” ولا نعرف ما هي مصلحة أمريكا من الانسحاب من اليونسكو أو مجلس حقوق الإنسان مثلا؟ فالأصح أن يقال “مصلحة إسرائيل أولا”.
أما الفئة الثالثة التي قد تتقاطع في بعض الدوائر مع الفئة الثانية ولكن من منظور ديني فهي فئة المسيحيين الإنجيليين الذين يعتقدون أن تأييد إسرائيل واجب مقدس وعودة كل اليهود إلى فلسطين سيعجل في عودة المسيح إلى الأرض لينشئ مملكة الله التي ستستمر ألف سنة من السعادة، كما يؤمنون بأن إسرائيل هي العامل المسرع لأحداث نهاية الزمان، ولذلك فإن دعمها يجب أن يكون من ثوابت السياسة الأمريكية. ونحن هنا نتكلم عن نحو 70 إلى 100 مليون شخص يقفون بثبات خلف ترامب ونائبه بينس معتقدين أنهما منهم. وهؤلاء صهاينة مسيحيون يؤيدون إسرائيل أكثر من الإسرائيليين بل ويعتبرون أن أي إنسحاب من أي شبر من أرض الميعاد إثم ديني عظيم يعاقب عليه الرب كما عاقب إرييل شارون عندما قرر الانسحاب من غزة عام 2005.
أما الفئات الأخرى الملتزمة بالتصويت لصالح ترامب فهم “جماعة الصناعات العسكرية الذين انتعشوا في عهده بشكل غير مسبوق ورقم المبيعات من الأسلحة للسعودية والإمارات في عهده تشير إلى حجم الإستفادة من تصدير الأسلحة للمنطقة العربية حيث يقتل العرب بعضهم بعضا وفواتير السلاح تذهب إلى جيوب الأمريكيين. والفئة الأخيرة التي تقف بصلابة وراء ترامب هي جماعة حرية اقتناء السلاح الفردي ممثلين بجماعة الضغط الأكبر قوة وعددا في أمريكا والمسماة “الرابطة الوطنية للبنادق”. ولا ينسى أحد أن ترامب لم يتزحزح في تأييده لاقتناء السلاح الفردي أو تقييده أو تنظيمه أثناء رئاسته ولم يطلق مصطلح “إرهاب أو إرهابي” على أي من أنصار سيادة العرق الأبيض الذي أرتكبوا من المجازر في عهده ما يزيد عددا وبشاعة عما أرتكب في عهود آخر ثلاثة رؤساء أمريكيين.
المعارضون الثابتون
من المتوقع أن يزداد عدد المعارضين لترامب خاصة بين الأقليات وفئات الشباب وأنصار البيئة والمثليين والنساء والمعادين للعنصرية والتمييز بناء على اللون أو العرق أو الدين أو الجنس.
ويقف طبعا على رأس معارضي ترامب الحزب الديمقراطي أعضاء وأنصارا والمستقلين الليبراليين. وقد يصل عدد هذه الفئة إلى 70 مليون ناخب إذا اقتنعوا بالمرشح المنافس لترامب. فتأييد هذه الفئة للحزب الديمقراطي ليس صلبا كمنافسيهم من الجمهوريين. فالانتماء الحزبي هنا يختلف عن الأحزب العقائدية في الشرق. ولا توجد عقدة ذنب إذا تخطت الحاجز وصوت لشخص آخر من حزب مخالف أو مستقل. وربما لم يتوحد أنصار الحزب الديمقراطي مثلما فعلوا عندما كان المرشح باراك أوباما لكن الانقسام حول شخصية هيلاري كلينتون كان من أعظم الانقسامات في تاريخ الحزب.
أما الفئة الثانية والأهم فهي فئة الأقليات وتضم ثلاث مجموعات أساسية يمثلون المهاجرين الجدد أو الأقليات العرقية مثل الأمريكيين من أصول أفريقية وذوي الأصول اللاتينية والعرب وغيرهم والأقليات الدينية مثل المسلمين والجنسانية مثل المثليين.
وأما الفئة الثالثة فهي فئة الشباب والتي تضم جيلا كاملا من الفئات العمرية التي نشأت في ظل عصر التكنولوجيا ولا يعرفون التعصب ولا ينظرون إلى الشخص من خلال عدسة اللون أو الدين أو الأفضلية الجنسانية وخاصة من بين الفتيات في العشرينيات اللواتي درسن في جامعات المدن الكبرى مثل نيويورك وبوسطن وشيكاغو ولوس أنجلوس وسان فرنسيسكو وديترويت. وهذه الفئة تضع الاهتمام بالبيئة واحترام حقوق الإنسان وحرية الاختيار للمرأة في موضوع حساس مثل الإجهاض ورفض التسلح والحروب وحل النزاعات بالحوار في مركز إهتماماتها. هذه الفئة هي التي التفت حول أوباما واعتبرته تجسيدا لأفكارها وحملته بغالبية مطلقة للبيت الأبيض مرتين وهي الفئة نفسها التي تراخت في التصويت لهيلاري كلينتون عام 2016 وأدت إلى سقوطها المذل.
مفاجآت!
لا أريد أن أتنبأ بشكل قطعي هذه المرة، فقد تنبأ كثيرون بفوز هيلاري وأنا كنت واحدا منهم، وكنا جميعا على خطأ. فهناك فترة طويلة تصل إلى 16 شهرا أمام ترامب ليقدم مزيدا من المفاجآت أو أن يقع في المزيد من المطبات التي قد توصله إلى الإدانة. لذلك سنعود لزيارة الموضوع ربما أكثر من مرة. لكن المؤكد أن فئة الأغنياء في هذه البلاد ازدادت غنى في عهد ترامب والفئات الفقيرة زادت فقرا. لكن بشكل عام لا أحد يمكن أن يغفل أن هناك انتعاشا اقتصاديا في السنتين الأخيرتين وخاصة بعد تجريف أموال الخليج وازدهار تجارة السلاح. فهل الانتعاش الاقتصادي، إذا بقي مستمرا، سيكون العامل الحاسم في انتخابات 2020؟