من الروايات النادرة جدا التي كتبت تحت القصف بالبراميل المتفجرة، وعلى أزيز طائرات الميغ 21 رواية محمد برهان الموسومة بالعنوان «عطار القلوب» (فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2014). فهي رواية يستهلها الكاتب بحوار العصفور والقذيفة الذي ينتهي مثلما هو متوقع بانفجار القذيفة وتطاير العصفور أشلاءً وبددا متناثرة في فضاء دمشقي لا تعوزه رائحة البارود، ودخان الأبخرة السامة.
هنا تبدأ حكاية الأربعة: الأب الذي يضطلع أيضا بمهمة الراوي، والأم سها، والطفلين حلا( البنت) ونوار (الابن). يحاولون الاختباء من القصف تحت طاولة في إحدى غرف البيت الذي يقع قريبا من مخيم اليرموك في دمشق.. يختبئون جميعا في مساحة لا تزيد على مترين مربعين. ولهذا تحتك أجسامهم ببعضها احتكاكا مزعجا يسبب الشعور بالضيق أحيانا وأحيانا يقود إلى نوع من الإحساس باللذة العبثية حين يتلامس الزوجان عن قصد أو بلا قصد في أمكنة حساسة من جسميهما، وهذا التلامس الذي يفصح عن بعض الإثارة يفتح للأب نفقا من الذكرى يصله بالماضي الذي تعرف فيه على سها وقررا أن يقترنا بعد حكاية حب فاشلة بين سها والحسكي شيفان(ص59). والذكريات– تحت الطاولة- تدفع بالأب دفعا لاستعادة أيام الطفولة فما أكثر ما تختلف فيه طفولته هو عن طفولة ابنه نوار، فقد تذكر أيام الدراسة، وتوزيع الشهادات المدرسية في نهاية العام الدراسي، ومدير المدرسة أبو زهير بكرشه الرجراج يأمر الطلبة برفع طوبتين من الأرض إلى سطح منزله شرطا لتسليم الشهادة. ويتعثر الراوي على الدرج فتكسر الطوبتان، وتتعفر ملابسه ووجهه بالغبار والتراب، ومع ذلك يعاقب بثماني عصيّ على يديه لا يشفع له كونه الأول على صفه. وعندما يعود للبيت يعاقب مرة أخرى من أبيه الذي راح ينفض عنه الغبار براحة لا تختلف عن هراوة المدير. ولكن الراوي ما يلبث حتى يتذكر جولاته الممتعة مع أبيه في سوق البزورية في الشام، ولا يفتأ يذكر كما لو أنَّ الأمر يحدث الساعة عندما سلمه للحاج محمود العطار طالبا منه أن يدربه على حرفة العطارة، مؤكدا في هذا الصدد ضرورة أخذه بالشدة التي يستحق، فلا موضع للتهاون « لك اللحم.. ولنا العظم» (ص23).
في هذا الموقع بالذات من انثيال الذاكرة يستعيد البطل – الراوي- صورة الحاج محمود العطار مثلما شاهده طفلا دون العاشرة، أي قبل نحو 45 عاما من بدء أحداث هذه الحكاية. (ص24) ويتذكر نوادره ، ودروسه في العطارة، وجولاته بحثا عن الأعشاب والجذور والبذور التي يستخرج منها ما يستخرجه من عقاقير، ويتذكر العديد من حكاياته التي لا تنتهي عن سلفه الحاج إبراهيم شهْبَنْدر العطارين، ليرويها على مسامع أنطون– الصائغ- مرارا، مما يتيح له حفظها كما لوكانت على نسخ من ورق الكربون. (ص25)
ولا يفوت الراوي (أبو نوار) ها هنا أن يذكر لنا شيئا عن منزلة الحاج إبراهيم الذي احتفظ لزمن طويل بلقب شيخ العطارين. وهذا اللقب الذي شاع في البلاد طولا وعرضا جعل المصابين الباحثين عن العلاج يأتونه من بغداد والحجاز ومن جدة والآستانة ومن بقاع شتى لا حصر لها يسألونه عن الدواء الذي يشفي، وقد غلب على مرضاه– وفقا لقصص الحاج محمود هذه- مرضى القلوب: مرضى الحب « (ص26- 27)
وبتكرار الحكايات، واستمرار الرواية عن الحاج إبراهيم، يجتذبنا الكاتبُ، منتفعا ببراعة السارد، إلى عالم العطارة. وعلى وقع صوت طائرة الميغ 21 يعود بنا الراوي إلى التاريخ في حكاية رمزية كأنّما تقول لنا إن التاريخ ما هو إلا صورة عن الحاضر، غير أن الحاضر لم تنته مجرياته بعد، في حين أن التاريخ يتألف من حوادث جرت، وانتهت في الماضي.
شاي القلوب
من المعروف أن الشام ولبنان شهدا مذابح راح ضحيتها عشرات الألوف من النصارى والمسلمين في فتنة استغرقت زمنا وبلغت الأوج في شهر تموز/ يوليو من العام 1860 عندما قام الوالي أحمد باشا بإرسال مجموعة من الزعران(الشبيحة) ليرسموا صلبانا حمرًا على أبواب بيوت المسيحيين في جرمانا وغيرها من ضواحي الشام وأحياء النصارى، مما أشعرهم بأن الأكثرية المسلمة توشك أن تهاجمهم، فما كان منهم إلا أن اتخذوا موقفا هجوميا من باب الدفاع عن النفس، واستغل زعران الوالي المسلحون ذلك، فحركوا الفتنة مما دفع بالسلطة في الدولة العلية العثمانية للتدخل، فأرسلت ناظرا في الخارجية هو فؤاد باشا. ويبدأ الكاتب هذا الجزء من حكاياته المتصلة بشيخ العطارين باستهلال لا يخلو من إثارة « إنه يوم متوجس، والحاج إبراهيم العطار لم ير الشام كما يراها اليوم مكسورة وخائبة. ها هو ذا يشق طريقه عائدًا من صلاة الظهر كعادته من جهة سوق جقمق يكده العرق داخل جلبابه الرمادي، وتحت عمامته البيضاء، فيشعر بالدرب المرصوف بحجارة لزجة يميد تحت قدميه. ووجوه الناس في السوق تتهيأ لخطبٍ ما. أمرٌ خطير لا أحد يعرف كنهه لكنَّ العيون تتنبأ بما فيه من هول « (ص 111)
كانت قد وصلت الأخبار عما جرى في البقاع من مجازر، وقد أحدثت تلك الأخبار جلبة، وتوترا في بعض أحياء الشام، ولا سيما في حي النصارى. وتداعى بعض نبلاء المدينة وفي طليعتهم الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان قد اتخذ من دمشق مقاما بعد نفيه القسري من الجزائر لدرء الفتنة قبل أن تبدأ. أما الوالي أحمد باشا فلم يبد أي اهتمام بدرء الفتة (ص113) بل على غير ذلك، قيل- والعهدة في ذلك على الراوي- إنه أرسل الزعران (الشبيحة) فقاموا برسم الصلبان الحمر على أبواب بيوت المسيحيين، وطرقاتهم، وقام الوالي المذكور بعد ذلك باعتقال أطفال الأحياء المجاورة بتهمة أنهم همْ منْ قاموا بذلك، وقادتهم الشرطة مكبلين أمام الملأ، وأخذوا يعذبونهم أمام الأهالي مما أشعل نار الفتنة على إيقاع الشعار المرفوع وقت ذاك: طاب الموت يا مسلمين. (ص114) وشاعت أعمال العنف بالعصي والفؤوس والسكاكين والسيوف، (ص115) وانتشرت أيضا أعمال السلب والنهب والإغارة على المتاجر والأسواق، وامتلأت أحياء الشام بالنازحين، وخلت الأسواق من المتبضّعين. وتوجه شيخ العطارين مع من بقي من علية القوم وعقلاء سوق البزورية إلى الجامع الكبير للقاء بالأمير عبد القادر الجزائري.(ص116) أما السلطة العثمانية في الآستانة فأرسلت ناظر الخارجية فؤاد باشا لاستطلاع جلية الأمر، وقد كشفت تحرياته عن حقيقة مؤلمة وهي أن الوالي أحمد باشا هو أساس البلاء، فمن أجل الاحتفاظ بكرسيه أشعل الفتنة. وقد أرسل فؤاد باشا من يستدعي على عجل شيخ العطارين وأبلغه أنه يعتزم جمع الفرقاء المتنازعين في اجتماع لتهدئة الخواطر، فهل في قدرته أن يحضر دواء يشفي القلوب من الحقد والبغضاء حتى لا يكون الاجتماع سببا في التصعيد بدلا من تهدئة الخواطر والنفوس. (ص122) ولكي يعود الوئام لأزقة الشام صدع العطار بالأمر، واختفى في مختبره إذا جاز التعبير (ص125) ولم يترك بذورا ولا جذورا ولا مرجعا أو مصدرا من مصادر الطب الشعبي المترجمة منها والمؤلفة، القديمة والحديثة، إلا ونقب فيها ونقر عن وصفة ما تمحو الضغائن، وتهدئ النفوس، وتغسل الأرواح من أدران الكراهية، ومن نيران الفتن ما ظهر منها وما بطن، وقد زاد الأمر تعقيدًا، والمهمة صعوبة، أن الوقت ضيق جدا؛ فقد كان عليه أن يحضر هذا الدواء في ليلة واحدة لا أكثر(ص126) واتخذ فؤاد باشا من قصر أسعد باشا العظم مكانا لهذا الاجتماع، وحضر الجزائري، ورجال الدين المسلمون والنصارى وبعض مشايخ القوم والعقداء والزعماء، واصطفت الكراسي. ولوحظ تغيب الوالي أحمد باشا عن الاجتماع كونه أساس البلاء في رأي ناظر الخارجية. وما هي إلا دقائق حتى دار الخدم بأكواب شاي القلوب الذي حضره شيخ العطارين، فقال فؤاد باشا مخاطبا الحضور: « شاي أكرك عجم.. مخصوص من اسطمبول لزعماء الشام « (ص 129) ودارت الكؤوس على الأفواه، والحاج يرقب بتأمل وجوه المجتمعين. ولم تكد تمر دقائق على تجرع الكوب الأولى حتى لاحت ابتسامة الرضا على وجه الأمير عبد القادر الجزائري، وعلى وجه شيخ العطارين، وانفرجت أسارير الحضور، وكأنَّ عصا سحرية مست القوم، فانقلب التجهم والتوجس والقلق في هاتيك الوجوه إلى ودٍّ أليف متسامح (ص131).
وغمز فؤاد باشا الحاج إبراهيم في إشارة إلى أن الوقت قد حان ليدور الخدم على الحضور بالكوب الثانية.
ومن حصاد ذلك الاجتماع ما نبه عليه الأمير في كلمته التي تصل الماضي بالحاضر « أهل المدينة السمحاء ما كانوا ليقتتلوا لولا أن صاحب الأمر والنهي في البلاد- يريد الوالي أحمد باشا- أراد لما حدث أن يحدث. أراد ذلك أن يتم لكي يحتفظ بمكانته، ويعيش أياما أطول مما قدر له أن يعيش على كرسيه. من شرب دم الأبرياء أراد أن يعيش. الأبرياء الذين حول لحمهم وعظامهم إلى وقود في مذبح سلطته « (ص 132) وكشف الحضور بعد تجرع الكوب الثانية من شاي القلوب أن أحمد باشا بفتنته تلك أراد الانتقام لمقتل عمه قبل ثلاثين عاما على أيدي الشاميين، بسبب سياساته التي اتبعها ضدهم على مدار الشهور التي أعقبت تعيينه. وأما الوالي نفسه أحمد باشا فعلى وفق النتائج التي أظهرها التحقيق فإن فشله المتنامي، وفساد طويته، أديا إلى سيطرة الزعران (والشبيحة) على مقدرات المدينة، ومفاصل السلطة فيها، وفي البلاد، فاستلم مراهقون من حثالة الجهلة السلاح، وتحولوا إلى حرس وشرطة، واستشرت الرشوة، والمحسوبيات، في مفاصل الحكومة، حتى إن رائحة فساده قطعت الفيافي والجبال وزكمت أنوف المسؤولين في الباب العالي في عاصمة الدولة في الآستانة «(ص133).
هكذا يتضح لمن يقرأ ما بين السطور أن الروائي محمد برهان هرع إلى التاريخ مستعيدا بعض الحوادث التي تروى عما جرى في الشام قبل نيف ومئة وخمسين عامًا رابطا بين تلك الحوادث وما يجري في الشام منذ نحو ثلاث سنوات. فالإِشارة لعم الوالي (رفعت الأسد) وللفساد وللزعران (الشبيحة) وللسلاح الذي يحتكره الجهلة من الأتباع وأتباع الأتباع، واستشراء الفساد والرشوة، والاستئثار بالسلطة، والتمسك بالكرسي، هو الذي يؤدي لاضطرام نار الفتنة، وإذكائها من حين لآخر. ولن يصلح حال الشام، ولن يعود إلى ربوعها السلام والوئام، إلا بالعقار– شاي القلوب- الذي حضَّره الحاج إبراهيم العطار، وإلا بعزل الوالي وتقديمه لمحاكمة عادلة ترضى عنها النفوس، وتشفي الصدور من الغيظ وتشفي القلوب.
وبهذا يكون محمد برهان، صاحب رواية كاهن الخطيئة، قد قدم لنا نموذجا سرديا يجمع بين حكايات متراكمة بطلها جميعا شخص واحد هو الحاج إبراهيم العطار، وراويها جميعا شخص واحد هو محمود العطار ، ومتذكرها واحد هو أبو حلا ونوار المختبئ تحت الطاولة ظناً منه ومن أسرته أن طاولة خشبية متآكلة متداعية القوائم يمكن أن تحميهم من القصف بالبراميل المتفجرة، أو القصف بالسلاح الكيماوي وغاز السارين، أو بأزيز طائرات الميغ 21 التي يخيل لسامعها في بعض الأحيان أنها تدخل في إحدى أذنيه لتخرج من الأخرى. وهي رواية تغلب عليها تقنية سردية واحدة هي اعتماده على منظور سردي ثلاثي: الراوي، والمروي عنه، والمروي عليه. وثمة خيط ينتظم هؤلاء الثلاثة. فالحاج إبراهيم شيخ العطارين هو المروي عنه، وهو الذي يحتل بؤرة اهتمام الحكاية، بصفة رئيسة، فإليه تنسب الأفعال الكبرى التي تتشكل منها مادة المتتاليات السردية، وعنه تصدر الإيحاءات بظلال الحكاية ودورها في تهذيب النفوس وتطهيرها من آلام الكراهية، أو البغضاء أو الغضب. وهو نموذج القدوة التي ينظر إليها بغير قليل من الإعجاب من الراوي محمود العطار ، ومن السارد المختبئ تحت الطاولة في مساحة لا تتعدى المترين.
ومن هنا فإن لوحدة المنظور السردي دورا في الحفاظ على وحدة الرواية (عطار القلوب) على الرغم من أنها تتألف من حكايات متعددة تبدو لنا مستقلة بعضها عن بعض استقلالا يوشك أن يهدد وحدة النص، زيادة على هذا فإن وحدة المنظور السردي تضفي على تتابع الحكايات طابعا تمهيديا للحكاية الأخيرة التي اقتبسها الكاتب من مرجعياته التاريخية، وأحالنا فيها إلى ما دونه المؤرخون لمجريات العام 1860، وما وقع فيه من مذابح طائفية ومذهبية أسفرت عن مقتل الألوف وهجرة الألوف. وما ورد في الرواية على لسان الحاج محمود العطار لا يختلف كثيرا عما ذكر في المدونات، والحوليات، والاختلاف البارز الوحيد هو الدور الذي قام به الحاج إبراهيم العطار، والتركيز على تاثير شاي القلوب في المجتمعين بقصر أسعد باشا العظم. ولا سيما أن الكاتب يذكر أسماء الأشخاص مثلما ذكرتها المراجع التاريخية، فالوالي أحمد باشا، وناظر الخارجية فؤاد باشا، والأمير عبد القادر الجزائري، وهي أسماء لأشخاص كانوا فعلا من الشخصيات التي حقنت الدماء، ونجحت في أطفاء نار الفتنة، ووأدها، وإقصاء الوالي.
ومن إشارة الراوي للأطفال الذين اتهموا برسم الصلبان، واعتقالهم، وتعذيبهم، تعذيبا شديدا، إشارة رمزية لأحد الأسباب التي أدت لخروج أهل درعا على الوالي هذه الأيام. فالربط واضحٌ، ولا يحتاج إلى طويل تفكير، ولا إلى عميق تأمل. وهذا يؤكد أن التاريخ في هذه الرواية الجيدة لا ينفصل عضويًا عن سلسلة الحكايات المتصلة بغرائب شيخ العطارين ، فقد جرى توظيفه في عرض الحاضر كما لو كان جزءًا من الماضي بتعبير لوكاش.
*ناقد وأكاديمي من الأردن
إبراهيم خليل