«كاتارسيس!؟» عنوان نص مسرحي جديد صدر في كتاب للمبدع المغربي محمد بهجاجي ضمن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، فاتحاً بذلك أفقا جديدا للتلقي مع كتابة درامية تغوص في بعض جراحات الوطن العربي، وتسخر من الخراب، وتصرخ في وجه عُرّاب الحرب من أمريكان وصهاينة، وذلك من خلال نفس شعري ممتع يمزج بين مرارة الواقع ومتعة الاستعارات.
تسافر الممثلة سفرا ممتدا في المكان وفي الخيال عبر رقاع عربية مثخنة بالنواح: بغداد، غزة، بيروت… وغيرها. تلتقي حارس الضريح الذي يقضي وقته في إعداد مراقد لشهداء جدد، كما تلتقي المؤلف الذي يسعى لإعادة ترتيب الكلمات، من أجل كتابة نص يفجر الجمال من بين الرماد. تقول الممثلة مخاطبة المؤلف:
«دعني أقل لك، أيها المؤلف، أنني اهتديت إلى بعض كلماتي، فكيف لك أن تترجمها إلى الصور والمفردات والجمال. إنني أتوق إلى أن تكتب لي نصي القادم مشيدا بالجمال الذي تخلقه الحرب في نفسي. لم آت إلى هنا للتأبين أو الرثاء. جئت هنا تاركة غناء المونو والجميزة بحثا عن الغناء غير المستعار».
كما تدعوه إلى تأمل «الغيرنيكا» العربية، في إحالة إلى لوحة «غيرنيكا» التي أبدعها بيكاسو احتجاجا على الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937. تقول الممثلة: «من جنوب لبنان إلى جنوب بيروت، الضاحية حيث أنهيت سفري. لا أعرف من يضبط إيقاع الخطى، لكنني متأكدة من أنني كمن يسير نحو حتفه… إيقاع مازوشي، ربما يجعلني أسير على الجمر إذ يتحول إلى رماد…». لكن المؤلف يصر على أن يفتح لها نافذة أمل حين يدعوها إلى شرب نخب الانتصار على الارتباك بمعية مخرج يقترح زاوية جديدة لعمل مسرحي قد لا يثير جمهورا واسعا، لكنه قد يثير سعادة أصحابه.
شهادة ممثلة
أسند المركز الدولي لدراسات الفرجة إلى الممثلة المقتدرة ثريا جبران مهمة كتابة تقديم الكتاب/ النص، فارتأت أن تحكي جوانب من صلتها الإنسانية والإبداعية الراقية مع الكاتب والناقد محمد بهجاجي. من تقديمها الذي يحمل عنوان «هذا النص يعنيني.. كنت هناك!»، نجتزئ الجمل الدالة التالية: «مع محمد بهجاجي، عشت أجمل اللحظات الإنسانية عمقا وكثافة. لقد أنجزنا سفرا عميقا إلى باريس ورينس وفرانكفورت وعمان ودمشق والجزائر العاصمة وعنابة وبيروت وباقي مدن وبلدات الجنوب اللبناني التي كانت خارجة من العدوان الأليم الذي شنته عليها إسرائيل سنة 2006، وكذلك على امتداد ربوع بلدنا الأمين. في تلك الأمكنة القريبة البعيدة أنجزنا أيضا سفرا عميقا في المشاعر والأفكار، قدمنا فيه النصوص التي كتبها بهجاجي لمسرح اليوم بإخراج عبد الواحد عوزري: البتول، امرأة غاضبة، العيطة عليك، الجنرال، بالإضافة إلى «أربع ساعات في شاتيلا» التي تولى فيها مهمة الاستشارة الأدبية. لقد أمتعني بهذه الأعمال التي تختلف لغاتها وشخوصها وأساليبها.
حكاية النص
ويحكي المؤلف قصته مع هذا النص، فيقول في المقدمة: «تشكلت لدي فكرة هذا النص في الجغرافيا غير المرئية سلفا. في ديسمبر 2006، كنت في دمشق، رفقة مسرح اليوم، للمشاركة في فعاليات الدورة (14) لمهرجان دمشق المسرحي.
كانت بيروت على مرمى بصر منا. ولذلك فكرنا في السفر إلى شارع الحمراء لنشرب فنجان الشاي في ضيافة صديقنا الصحافي المغربي أحمد الطاهري، ولنتفقد لبنان الخارج من العدوان الهمجي الذي شنته عليه إسرائيل في تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2006.
حين اجتزنا نقطة العبور، انتبهنا إلى أن الطريق الأولى في التراب اللبناني لا تزال مشتعلة بالجمر، الجسور مقصوفة. آثار الدمار على الناس والحجر معلقة في المنطقة المرتبكة بين الحياة والموت.
في شارع الحمراء، أدركنا حاجتنا إلى أن نمدد الإقامة قليلا، فنزور الضاحية الجنوبية ومدن الجنوب اللبناني. وهناك، في المدى المحروق الممتد من بيت الضيافة إلى الخط الأزرق في أقصى الجنوب، انبثقت فكرة النص الذي أحسسناه يشيد مفرداته الأولى بيننا بسلاسة.
المبدأ العام وحده، كان جاهزا. أما الكلمات فبدت بعيدة. ولذلك، خاطبتني ثريا جبران بالإشارات التي تفيد أننا باتجاه اختبار جديد للنفس إذ تكون النفس هشة، والنص مبعثر بين إرادة الكتابة عن الحرب والسلام، الوجود والعدم، وبين تمنع الكتابة وإمعانها في التمرد. ولذلك، ما إن أنهينا السفر حتى شرعت في تدوين بعض من ذاكرة الحرب وآثارها علينا وعلى المكان:
ممثلة توجد في عمق الخراب، تضيع منها اللغة والأنفاس وترتبك المعاني، فهل يسعفها رفيقها المؤلف في بناء جسر الكلمات ليوصلها إلى المنطقة الهادئة في الذهن؟
بعد العودة من الدار البيضاء، اكتمل النص الذي قرأته ثريا وارتأت تقديمه على الخشبات، مقترحة إنجاز ترجمة له باللغة الفرنسية بقلم الشاعر والإعلامي سعيد عاهد، ليكون للنص إمكان مخاطبة جمهور بصوت متعدد.»
الجدير بالذكر أنه سبق لمحمد بهجاجي أن أصدر نصا مسرحيا بين دفتي كتاب بعنوان «الحفل التنكري»، كما نشر كتبا نقدية قدم فيها قراءات في المسرح المغربي من بينها خصوصا: «ظلال النص»، و»بلاغات الالتباس».
* كاتب من المغرب
الطاهر الطويل