الماريشال حفتر والفريق حميدتي: قواسم القرابة

حجم الخط
15

لعلّ الكثير من القواسم المشتركة تقرّب بين المشير خليفة حفتر، قائد ما يسمى “الجيش الوطني الليبي”؛ والفريق أوّل محمد حمدان دقلو (حمديتي)، قائد “قوات الدعم السريع” في السودان، والأمير السابق في ميليشيات الجنجويد. كلاهما، في قاسم مشترك أوّل، على صلة بملفّ اللاجئين الطامحين في العبور إلى الغرب عبر ليبيا: جنرال السودان يقبض الأتاوات لقاء تهريبهم أو السماح بمرورهم عبر الأراضي السودانية، وجنرال ليبيا يقصف ملاجئهم فيزهق بالعشرات أرواح النساء والأطفال والرجال.

قاسم مشترك ثانٍ هو ما بات يحظى به الجنرالان من غضّ الطرف على صعيد القوى العظمى في الغرب، كما على صعيد القوى الصغرى أو أدوات التنفيذ في الشرق الأوسط؛ لسبب أوّل معلن، هو التذرّع بأنّ جنرال ليبيا يشارك الغرب في مكافحة الإرهاب، وجنرال السودان يضمن للغرب استقرار السودان واستبدال دكتاتور بآخر مع الحفاظ على النظام قائماً وخادماً. السبب الثاني يردّ المعادلة إلى جذرها الأسبق، والراهن، أي ضبط موجات اللجوء.

وليس مدهشاً، في إطار التكامل التلقائي والمنطقي بين هذَين القاسمين، وسواهما بالطبع، أنّ مفهوم “الغرب” هنا لا يقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا التاريخية، الغربية والشمالية؛ بل يشمل أيضاً بلداً مثل روسيا، يدخل مع الغرب الأمريكي والأوروبي في تنازعات مختلفة الحدّة والشدّة، في أوكرانيا وسوريا مثلاً؛ كما يشمل، ليس من دون مفارقة صارخة، بلداً مثل الصين التي تحرّكها مطامع استثمار النفط، على سبيل المثال الواحد فقط.

ليس مدهشاً، بذلك، أن يعجز مجلس الأمن الدولي عن اعتماد الحدّ الأدنى من الإجراءات الزجرية المعتادة، وليس تلك الردعية بالطبع، إزاء جرائم فضّ الاعتصام أمام مقرّ الجيش في العاصمة السودانية، حيث سقط عشرات القتلى بسلاح رجال “حميدتي”؛ وجرائم قصف المدنيين في ليبيا، بما في ذلك الإغارة على ملجأ المهاجرين في تاجوراء، شرقي طرابلس، بطائرات جيش حفتر. ورغم أنّ دولة مثل فرنسا حاولت تجميل الصفة القبيحة والدموية للغارة عن طريق إعلان مهذّب اللغة لطيف العبارة، فإنّ واشنطن أبت إلا أن تساند وكيلها في ليبيا، ورجل مخابراتها سابقاً، فعطّلت القرار.

كلّ هذا وحفتر متورط في مأزق عسكري قلب مغامرته لاجتياح طرابلس رأساً على عقب، فمُني جيشه بالنكسات المتلاحقة والخسائر الجسيمة، وبات خيار الغارات الجوية هو الوحيد الذي يحفظ له بعض ماء الوجه، حتى من باب إزهاق الأرواح المدنية بلا حساب. فكيف لو أنه أحرز بعض الظفر هنا أو هناك، وأفلحت جيوشه الزاحفة في تجسيد انتصارات رمزية من أيّ نوع، أو تقدّمت على الأرض دون أن تسيل معها ومن حولها دماء الأبرياء؟

لافت، إلى هذا، أنّ عزوف حفتر عن تشكيل حكومة مدنية في المناطق التي يسيطر عليها، وإصراره على النزعة الماريشالية وقيادة سلطة مؤلفة من العسكرتاريا والميليشيات؛ إنما يتوازى، في تطابقات صاعقة، مع عزوف “حميدتي” عن القبول بسلطة انتقالية مدنية في السودان، تسير مآلاتها نحو ردّ العسكر إلى الثكنات في نهاية المطاف. ولافت، بالطبع، أنّ كلا الأخوين يذرف دموع التماسيح على “الثورة”، في ليبيا كما في السودان، ضدّ المتآمرين عليها من “الإرهابيين” أو “المندسين”؛ الأمر الذي لا يبرر سفك الدماء البريئة، فحسب؛ بل تزكية القتلة أنفسهم ومنحهم أوسمة الشرف والبطولة.

ويبقى أنّ المشهد الليبي لا يزداد تعقيداً كلّ يوم إلا لكي تكون العقدة الواحدة ولاّدة في ذاتها لعقدة أخرى، ضمن المعطيات الكبرى التي تتحرك أو تسكن من دون أن تفضي إلى تبدّل ملموس وتحوّل جوهري. انقسامات الداخل تعكس أنماط الولاء للخارج، والتيارات الجهادية تتكاثر ذاتياً لدى الأطراف جميعها، في قلب سلطات طرابلس وبنغازي وطبرق، وآبار النفط لا تجفف الدماء بقدر ما تشعلها، والوساطات الدولية تراوح في مكانها أو تُنتبذ من الجميع هنا أيضاً؛ في “زحمة” مأساوية من اشتباك الاستقطابات العقائدية والقبائلية والعسكرية والسياسية

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية