في الجزائر تعددت الرايات والحب ليس واحدا… وكرة القدم توحد المغاربة

الرايات المتعددة، نغمة جديدة، بل حرب الرايات، التي لم يخب فتيلها على مواقع التواصل الاجتماعي وتداعياتها، التي تظهر بين الفينة والأخرى. بعد رفع ما يسمى بالراية الأمازيغية وسجن من رفعها في جمعات الحراك.
ها هما بطلتا الكاراتيه الجزائريتان تشكلان بؤرة توتر هوياتي أخرى بعدما صورت إحداهما متوجة وهي تحمل الراية الأمازيغية والراية الوطنية الجامعة عند رجليها.
الصورة صدمت مشاهدي التلفزيون الجزائري، ندد الجميع بالفعلة وطالبوا بمعاقبة من كان وراءها. واستدرك الجميع “الهفوة” وأن الشابة المتوجة رفعت علم الجزائر أولا، ثم علم هويتها الخاص.
الفدرالية الجزائرية للكارتيه بدورها تبرأت من هذه الحادثة وتوعدت بعقاب المتسبب في إهانة العلم الوطني.
المقارنة تدعو للقرف، كل المتوجات رفعن أعلامهن الوطنية إلا الجزائرية عبرت عن التعدد في المجتمع الجزائري، وكأنّ المجتمع هنا فريد من نوعه ضمن المغارب والمشارق!
أليست كل المجتمعات متعددة؟ لا بد من الكف عن التشدق أن الجزائر الوحيدة التي تمثل قارة لوحدها. إن منطق التعدد والتنوع الثقافي، ليس بحجم المساحة، بل بحجم الممارسات الثقافية وتوهجها. وليس في ألوان الأعلام الأمازيغية والنايلية، وحتى أعلام الصوفية.
التنوع يتضح في تلقائية الممارسات والتلاقح، وليس بالإقصاء، الذي نمارسه على هذا وذاك. في مزاد كبير يدخله أكثر المحبين للجزائر.
في نهاية مطاف السير والتظاهر والاحتجاج للتعبير عن حب الجزائر، من يحبها أكثر ومن يعشقها لحد الوله، ومن يستعد للتضحية في سبيلها. والسؤال المهم في أية طريقة ووسيلة يتم التعبير عن هذا الحب في زمن اللا حب؟
الكل يحبها ولا يمكن لأحد أن يفرض وجهة نظره في ذلك الحب. هناك من يحبها بمرض وبعصاب، وهناك من يحبها بأنفة وعزة نفس، وهناك من يحبها رياء على الملأ وبالصراخ وحتى العويل. وهناك من يحبها بالسلب والنهب والتسيب وادخال الناس في حالة اكتئاب وبشتمهم ونعتهم بكل النعوت.
الكل يدعي أن له طريقة ما في حب البلد. والكل يفي ويخون. والجميع غارقون في وهم الحب الكبير والأفضل للجزائر، الجزائر تحتاج لحب يتجلى في المؤسسات التي لا تعترف بقرابة ولا بنسب ولا بمصاهرة ولا بجهوية.
تحتاج أن نكون “خاوة خاوة” في كل الأوقات والفصول وليس فقط في يوم الجمعة. البلاد تحتاج لحب بالفعل من الأغلبية الصامتة، التي لا تجد مكانا بين الصور والفيديوهات ووسائل التواصل الاجتماعي.
الجزائر في هذه الأوقات بالذات تريد حبا عفويا نابعا من الشرايين والأعماق الجميلة الهادئة، ولا تحتاج فورة وبصاقا يخرج من الأفواه الكبيرة المتشدقة.
البلاد تريد حبا قليلا صادقا يثمر خيرا، بدلا عن ذلك الحب العظيم المصور، الذي يملأ الدنيا ولا ينقلها لبر الأمان، لأنانيته، كأي بلد تحتاج أن تنظف من فلول الفساد، الذين ما زالوا في الواجهات ويعبرون عن حبهم للجزائر من أعلى المنابر ويتفاوضون باسم الشعب. وكل واحد عينه على منصب أو على ما تبقى من الكعكة ولحلب ما تبقى من الضروع!

من زمن الجوع إلى فصول الكرز والفوز

مقولة “جوع كلبك يتبعك”، من مقولات الشؤم والعار، التي يمكن أن تلاحق سياسي في القرن الواحد والعشرين. نعم جوع شعبه وحسده على اللقمة وعلى علبة “الياورت”، (الزبادي) ليس الجميع معني بأكل ما يريد وفوق الرغيف، الذي يسد الرمق. نعق الغراب عن البترول الذي نضب. بينما شهد البترول ارتفاعا في سعره ودخلت البلاد في بحبوحة مالية وزعت على الأقربين من الفاسدين وعلى ذويهم، قسموا البلد إلى أقاليم ودويلات ومشاريع كل كتلة تسير على هواها وعلى مزاجها من أموال الشعب والشعب يجوع، يموت في الطرقات وعلى الأرصفة وفي مستشفيات خالية من الأطباء، ومن خيط العملية ورحمة الموظفين بها. ويموت بحسرة من مؤسسات يرتادها يوميا تثقله بفظاظة موظفيها ورعونتهم ومازوشيتهم!
ها هو أويحيى خلف القضبان ومعه طيوره الناعقة. قرفنا من نكهات “الياورت” والمواد المضافة المسمومة بها. واستقبلنا موسم شيخوخته بوجنات الكرز الملون. نعم سعر الكرز عرف انخفاضا لم يعرفه منذ عشريات عديدة. أسعار الخضر بالمثل. وحتى الدينار بدأ في الانتعاش.
زوروا الوقائع والحقائق وغيبوها على الجميع بمن فيهم الكفاءات والمثقفون. الكل غمس في الريع وشبع وتخم. لا بد أن تتواصل قافلة العدالة لتصحح المسارات التي بقيت أمدا طويلا في اعوجاج.

الكرة تجمع البلاد

توحدت تغطيات التلفزة الجزائرية مع الصحف، فقط في قضية كرة القدم. فها هي الكرة تعود للواجهة بالأهداف في غمار المنافسة الافريقية، صراخ وأهازيج تصعد للسماء من الشرفات والبيوت والمقاهي والساحات العمومية. نشوة الانتصار الكروي لا تضاهيها نشوة. لكنها تعبر عن مكبوتات الشباب في رياضة حلال وأن لم تكن فروسية وسباحة ورماية.
الكرة تصنع نجوم الملاعب ويصبح اللاعبون في قلب الأحداث والمتابعة. بوله المراهقة نفسه في متابعة نجوم الفن. كل الدقائق والخصائص الفيزيقية والاجتماعية تصبح ملكا للجماهير الشبابية الغفيرة التي تضع اللاعب تحت المجهر.
عندما تعشق الكرة وتتشبث الأرواح بالأقدام. عندما يصبح وشم البطل في وجهه وذراعه مصدر روايات وحكايات من الواقع والخيال. عندما يمثل الرياضي في كرة القدم جماهير عريضة بشعبية وشعبوية تجعله يتلاحم مع أنصاره وشعبه بطرق مختلفة. تبنى علاقات مختلفة عن علاقة المواطن بالسياسي وبرجل الدين وحتى بالأهل.
عندها يصبح الرياضي بطلا خرافيا، وكم يكون وقع مأساته على الجماهير الغفيرة فيبكون بكاء مريرا على الهزيمة. وتكون الصور التي تنقلها الشاشات كارثية لولا تدخل ألوان الأعلام، التي تضع الدمع في منطق الدعاية الكروية.
تهزم الشعوب وتهلك بالآلاف ولم نعد نرى الدموع والآهات والصور، أو بالأحرى لم نعد نتفاعل معها كل التفاعل، الذي يطلب من الإنسان أن يفعله وينفعل له من حرق الأجساد وتشويهها والتنكيل بها. خمدت جذوة الروح والإنسانية فينا في زمن الموت الجماعي. ربما الاكتراث بعالم الكرة هو مهرب غريزي من سياقات دموية مريرة. فنستسلم لها طوعا وكراهية. وهكذا في كل مرحلة ومنافسة رياضية نترك الأقدام تحرك أقدارنا.

“مود” النظافة لدى سكان
المغرب العربي

عرض التلفزيون الرسمي الجزائري حملة “نتربا وڤاع” التي وصلت ملاعب القاهرة والشباب الجزائري المشجع لفريقه وللفرق التي تستهويه، لم يعد يترك المدرجات متسخة بالقمامات المختلفة.
في كل مرة يقومون بجمع بقايا العلب والقارورات وغيرها. الشيء الذي ترك استحسانا لدى المعلقين الرياضيين، نتيجة هذه السلوكات الحضارية التي نتمنى أن تدوم وتعمم وتتواصل وتصبح عدوى من تصيبه تسكنه ولا يشفى منها حتى يشفى المحيط وتسترجع البيئة عافيتها.
على المنوال نفسه رفض سكان مدينة القيروان في تونس، نساء ورجالا وأطفالا ترك مدينتهم العريقة للنفايات وللمشاهد المشوهة لجمال المدينة بعد عصيان نقابة البلدية واضراب أعوانها.
الشعور بمعاناة المحيط والبيئة والحس المرتفع من الأشياء التي تثلج الصدر وإن تعنتت بعض المؤسسات وأصرت على استمرارية معاناة المواطن. كغياب حاويات القمامات في الأحياء وغلق صنابير المياه، كما أصبحت ممارسة وتقليدا لدى “سيال” الفرنسية، التي تحسب على الجزائريين جرعات الماء. عفوا لم تعد المياه كلها صالحة للشرب. تصلح لباقي الاستعمالات غير الشرب. أحياء لا تكف حركة الجرارات الملوثة للسمع من جر خزانات المياه. وأحياء أخرى لا بد من أن تمسك أنفك حتى لا تؤذيك الروائح المقرفة. مؤسسات تقصد إحراج المواطن والتنكيد عليه وتحسن برمجة معاناته في صيف حاار جدا في كل الأحداث. اللهم أجرنا من حر السيال وحر جهنم.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية