■ لو افترضنا أن هناك علاقة حتمية بين السياسة والثقافة، وحاولنا عرض أوجه الاتصال والتواصل بينهما، سيتعين علينا أن نكشف مردود المصلحة المشتركة لدى الرافدين المهمين لتحقيق غرض استفادة كل منهما من الآخر، وكيف يتحقق ذلك على أرض الواقع.. السؤال يتطلب إجابة متأنية ودقيقة قبل الدخول في التفاصيل، والأمثلة التي سنسوقها غير مرتبطة بواقع مجتمعي بعينه، لكنها مجرد نماذج لحالات متكررة في عوالم ومجتمعات كثيرة، تأتي على رأسها أمريكا وأوروبا، ولكنها تكون أشد وضوحاً في دول العالم الثالث على وجه التحديد.
تبدو ظاهرة استخدام الثقافة كغطاء لتمرير المصالح السياسية، وكسب ود الجماهير، غالباً في أحداث الشغب والمراحل الانتخابية وفترات التمهيد وانتقال السُلطة، ويزداد التركيز عليها في الأوقات الحرجة فالثقافة هي وعاء التفريغ، وأداة امتصاص الغضب، ومن ثم لا غنى للأنظمة الحاكمة عنها في مواجهة الجماهير، ومحاولات التهدئة إذا ما حدث استفزاز سياسي ما، أدى إلى نوع من الاضطراب أو استهدف ذلك.
في أعقاب أحداث11 سبتمبر/أيلول وتفجير برجي التجارة العالميين في الولايات المتحدة الأمريكية أنتجت عدة أفلام، تناولت الحدث الجلل، وعرضت صوراً للتدمير والخسائر التي نجمت عن التفجير، واتسعت مساحة الحرية لنقد الإدارة الأمريكية وجهاز مخابراتها الأقوى على مستوى العالم، وقد سُمح في الإطار نفسه للمخرج العالمي مايكل مور أن يصب جام غضبة على السياسة الدولية للإدارة الأمريكية التي تسببت في حالات الاستعداء لأمريكا، وعرّضت الشعب الأمريكي للهلاك، وانتفضت الحركة الثقافية والفنية كلها لتنتقد النظام الأمريكي الفاشل آن ذاك، على خلفية ما وقع من كوارث. ولما استشعرت الإدارة الأمريكية ذاتها خطورة القوة الناعمة، سعت لاستغلالها في الاتجاه المعاكس لتكون حجر الزاوية الرئيسي في دعمها وتمرير الأزمة التي حاقت بها، بل تم تطويع السينما لتكون سلاحاً يُستخدم ضد العنف والإرهاب، فتم إنتاج عشرات الأفلام الدعائية لتحقيق الهدف وإعادة التوازن النفسي للمواطن الأمريكي.
تم تطويع السينما لتكون سلاحاً يُستخدم ضد العنف والإرهاب، فتم إنتاج عشرات الأفلام الدعائية لتحقيق الهدف وإعادة التوازن النفسي للمواطن الأمريكي.
وفي أوروبا حذت الدول المتقدمة الحذو نفسه فوجهت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا طاقاتها الإبداعية نحو تقويض الظاهرة الإرهابية، وركزت المعالجات السينمائية في كثير من الأفلام على نغمة نبذ العنف والتطرف، كخطوات استباقية لتحصين الشعوب من مغبة الأخطار المحتملة، ومع ذلك لم تنج فرنسا ولا غيرها من أضرار موجات التطرف العالمي، وكما هو متبع تم استخدام الفن والثقافة وسائل مؤثرة في دعم القرارات السياسية بشكل اضطراري لمعالجة المشكلة المزمنة. وداخل المحيطات العربية لم تختلف معادلة توظيف الثقافة ودمجها بالقضايا السياسية الملحة، ففي الجزائر وتونس والمغرب كانت الثقافة مكوناً رئيساً في خلطة الدمج السياسي وعمليات الاستغلال النفعي للسينما والمسرح والدراما، ووضع الإبداع كله ضمن خريطة التوجيه المعنوي، لتحقيق التأثير المستهدف بدفع من جهات الإنتاج الرسمية التابعة للسُلطات، في محاولات قوية لاستقطاب العناصر المحايدة للوقوف مع الأنظمة الرسمية ضد التنظيمات المناوئة.
وفي مصر حازت القوة الناعمة التي آمنت بدورها السياسي، الاهتمام الكبير من العناية الحكومية والجماهيرية على حد سواء، فمثلما ساهمت تجارب فنية وثقافية في دعم الدولة والوقوف بجانبها، استقلت نوعيات أخرى واختارت أن تكون في خندق المعارضة، فتشكلت خطوط متوازية رسمت أبعاداً منطقية لدور الإبداع الحقيقي الحر، الذي لا يتحدث لغة واحدة، وقد عكست هذه الحالة مدى فاعلية الإبداع وأهميته في الحدث السياسي، والدروس الإيجابية المستفادة من التناغم بين الثقافة والسياسة، في ظل التكامل والسعي للمصلحة العامة، وعدم نفي الأصوات المختلفة في وجهة النظر.
وبناءً على هذه القاعدة شاهدنا أفلاماً متباينة في نوعياتها ومضامينها، فكان منها المعارض والحاد مثل «اشتباك»، والإنساني مثل «أخضر يابس»، والكوميدي الناقد كـ»طلق صناعي» وهي أفلام روائية طويلة قدمت رؤى غير تقليدية اتسمت بالمصارحة والمكاشفة، وكان لها أثر جماهيري بالغ، وكذلك أسهمت السينما التسجيلية إسهاماً جريئاً تمثل في فيلم «الشغب ليه؟» وهو نموذج لسينما نوعية مختلفة خرجت من رحم المعاناة والثورة، وحاولت تقديم إجابات شافية على سؤال محوري مهم مازال يتردد.
٭ كاتب من مصر