أندريه الحاج الذي أحدث ثورة في الأوركسترا الشرق عربية: لنا جمهورنا ولم نسجل أخطاء

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:يفرح المايسترو أندريه الحاج لأن حفلات الأوركسترا الوطنية الشرق عربية منتظرة من قبل الجمهور، ولأن الإقبال في غالبية الحفلات يفوق قدرة استيعاب الصالة. نجح الحاج في بناء حالة ثقة مع الناس واستقطابهم، وتمكن من تأكيد الأهداف المطلوبة من الأوركسترا على الصعيدين الفني والثقافي.

في بدايات انطلاقه في عالم الموسيقى أسس أندريه الحاج أوركسترا المتن، وكانت لها حفلات في كل لبنان. مشروع ثقافي لم يُعمّر لإفتقاده الدعم. الموسيقي المختص في تأسيس الأوركسترات، أسس كذلك أوركسترا جامعة الكسليك. وعندما أنضم إلى المعهد الموسيقي الوطني أنجز كتابين في دراسة العود صدرا سنة 2009. وفي 2002 تأسست في المعهد الموسيقي الأوركسترا الكلاسيك والأوركسترا الشرق عربية، فكان له مقعد فيها كعازف عود رئيسي، ولاحقاً صار قائدها.

معه هذا الحوار:

*متى بدأت صلتك المهنية مع المعهد الموسيقي الوطني؟

**بداياتي المهنية كانت في جامعة الكسليك في عمر 21 عاما وقبل التخرج من الجامعة نفسها بدبلوم العود سنة 1991. سنة 1995 طلب مني الدكتور وليد غلمية الإنضمام للهيئة التعليمية في المعهد الموسيقي، وذلك بعد 19 سنة من التدريس في جامعة الكسليك. وعندما تأسست الأوركسترا الوطنية الشرق عربية كنت عازفا أول للعود، وفي الوقت عينه كنت أتابع دراسة قيادة الأوركسترا على يد الدكتور غلمية.

*كيف ترسخ حضور الأوركسترا الشرق عربية في حياة اللبنانيين بدءاً من 2002 وباتت حفلاتها منتظرة؟

**السياسة المتبعة منذ تأسيس الأوركسترا ساهمت في رسوخها بالتدريج كحدث ثقافي منتظر. أخبرت الدكتور غلمية عندما توليت قيادتها في سنة 2011 برغبتي بالتصرف وفقاً لفرق العمر بيينا وهو 30 سنة. حاولت إكمال ما بدأه، لكن رغبته أن يسمع الجمهور اللبناني الموسيقى تماماً كما جمهور الغرب لم تحقق النجاح المطلوب. الجمهور يفرح بالغناء والكورس، ويتململ مع الموسيقى الصافية. سنة 2011 زرت الراحل وديع الصافي رغبة في التعاون لتقديم تحية له من الأوركسترا كواحد من كبارنا. تعاونت مع حنا العميل. وكان الرأي أن يتضمن كل حفل للأوركسترا مقطوعة لموسيقي جديد. وكذلك التركيز على استضافة قائد أوركسترا من بلد عربي في بعض الحفلات.

*إذا الاتهام ثابت على أندريه الحاج بتجديد ملموس في الأوركسترا الشرق عربية؟

**وحفل وديع الصافي مثالاً، فقد شكل اقتراباً من الناس، حتى عناصر الأوركسترا تبدّل عزفها. وبما أنني منفتح تماماً على النقد فقد تواصلت مع المنتقدين وقدّرت ما أشاروا إليه وصوابيته. النقد هو الذي صوّب الخطى في مسار الأوركسترا الشرق عربية. فحفل التحية للصافي كان رائعاً، وبحضور الصحافة التي لم تكن من قبل تهتم بحفلاتنا. وكان ذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2011. أما الفكرة الأساسية للأوركسترا الشرق عربية فكانت بتقديم باقة من الموسيقى، وهذا هدف سام للغاية. ولكن، وفي تحية الصافي غنى الكورال سبعاً من أغنياته، ولعبت الأوركسترا منفردة خمساً منها. وسجل الحفل نجاحاً باهراً ورضى كبيراً من صاحب التحية. ومن ثمّ تنوعت الأفكار وكانت استضافة أميمة الخليل، حيث فاق الحضور التوقعات. فمن مميزات الأوركسترا أنها تلعب موسيقى تقليدية ومعاصرة، وفي الوقت نفسه كلاسيك. وهذا ما حدث خلال استضافة عبد الرحمن الباشا الذي شاركنا في التحية لوالده توفيق الباشا، فقد لعب مقطوعة كلاسيك في قصر الأونيسكو. أما النموذج الموسيقي الشرق عربي الذي كنت أسعى له، فقد ظهر في التحية لفريد الأطرش سنة 2013. وكان ذلك عبر الاستعانة بآلات من الأوركسترا الكلاسيك. فمن تولى توزيع أغنيات فريد الأطرش كتب للأوركسترا الكلاسيك والعربية معاً. وهذا الشكل الفني عمل عليه الأخوين رحباني وفريد الأطرش وتمثل في إدخال الأوبوا (آلة كلاسيكية) والكلارينيت. أي أنني أحييت ما سبق ونفذه مبدعون لبنانيون وعرب. فالأوركسترا العربية ليست فقط عود وقانون وناي، بل يمكن أن يتسع صدرها للمزيد. هكذا اقتربت الأوركسترا من الناس.

*نشعر وكأن حفلات المعهد الموسيقي الشرقية والكلاسيكية موجودة في بيئة لبنانية نائية بعيداً عن الواقع السياسي الاقتصادي المرتبك والمتصارع. كيف نأت بذاتها؟

**هذا ما أراده وليد غلمية. لم نغب مرّة عن التمارين ولا عن الحفلات. رغم الظروف الصعبة التي مررنا بها لم تتعطل حفلاتنا مطلقاً. وانطلقنا بإحياء بعض كبرى الحفلات في قصر الأونيسكو، مؤكدين على رمزيته في بال الجمهور الذي راح يزداد، وصار لنا منافسون.

*طموحك التجديد والتطوير فكيف تسعى إليه؟

**عندما انطلق عمل الأوركسترا الشرق عربية تدافعت الأفكار، ورحنا نختبرها ونسير بالمناسب منها في حفلاتنا. الطموح موجود وهو مشروع. هدفي الأبعد أن تحيي الأوركسترا اللبنانية الشرق عربية حفلات من إرثنا الفني في أوروبا، لعرب ولبنانيين. سبق واختبرت تقديم هذا الإرث في دول عربية، وكنت أول من يقود أوركسترا عُمان ببرنامج عربي وبرفقة الفنانة جاهدة وهبة. وفي المرة الثانية طُلبت إلى دار الأوبرا في القاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 مع الفنان نصير شمّة للعزف، وقدمنا برنامجاً عربياً مع أوركسترا كلاسيك. عزفنا لتوفيق الباشا وصولاً للأخوين رحباني بعنوان “الزمان الجميل”. وهذا الحفل اعتبرته بروفا لحفل أوروبي. وكان الحفل العربي الثالث في الشتاء الماضي في دار الأوبرا السورية. وربما نكون بصدد خطوة أوروبية نحو ألمانيا هذا العام.

*هل ترى الأوركسترا الوطنية اللبنانية حدثاً مهماً في الحياة الثقافية بعد الحرب الأهلية؟

**بالتأكيد وأذكر أن وليد غلمية الذي قاتل حتى أوجدها. كان يدرك أثرها على المجتمع وفي خلق الناقد والموسيقي معاً. من جهتي لم أكن لأتخصص في الموسيقى لولا وجود الأوركسترا. أعتبرها من الإنجازات القليلة المشهودة بعد اتفاق الطائف.

*بما أن الناس تنتظر برنامجكم السنوي فكيف يتم وضعه بدءاً من أيلول/سبتمبر وصولاً إلى آخر حزيران/يونيو؟

**بداية اؤكد أن للأوركسترا ناسها لأنها لم تسجل أخطاء بعد. عندما امتلأت الممرات في حفل أميمة الخليل سنة 2011 تلقينا انذاراً بعدم إدخال أكثر من 550 شخصاً، والممرات فارغة لحالات الطوارئ. بالعودة إلى البرنامج أشير هنا إلى التعاون العربي مع الأوركسترا كحضور غادة رجب وكذلك نصير شمّة. وهما فنانان كبيران تفهما وضعنا كإدارة أكاديمية تستطيع فقط تأمين واجب الضيافة. الخطوة الأولى في البرنامج تبدأ بتحديد تاريخ الحفلات وعددها بين 13 و14 حفلاً. وحفل الموسم المقبل الأول في 26 أيلول/سبتمبر وقد يكون برفقة الفنان غسان صليبا. بعد تحديد التاريخ نبدأ بوضع الأسماء التي سنستضيفها، من مايسترو عرب ولبنانيين، ولمن ستخصص التحيات. حفلات يلزمها تحضير وعمل، فالتحية لفريد الأطرش استلزمت مني عملاً بدأ من الصفر. فموسيقانا العربية ليست موثقة، وغالباً نعتمد على السمع. فيما الكتابة للأوركسترا تختلف حكماً عن الفرقة الموسيقية. في الأوركسترا توزع الأدوار بين كمان 1 و2، وتشيللو 1 و2. وبالمناسبة سنكون في الموسم المقبل مع اختبار ثان للحفل التونسي الذي حقق النجاح. وسنكون كذلك مع حفل موسيقي مغربي بالتنسيق مع السفارة. والحضور المصري قائم كل عام. ونبحث عن استضافة عراقية.

* ما الذي يميز العود التقليدي عن العود المعاصر؟

**أعزف العود، الكمان، البزق والبيانو، ودبلوم التخرج عود. في رأيي سجل الكمان تطوره من خلال التأليف وليس العزف. إشكالية العود الأساسية تتشابه مع اشكاليتنا كعرب بشكل عام، والمتمثلة في شغفنا بالكلمة المغنّاة أكثر من الموسيقى. في تحليلي أن الحكم العثماني الذي امتد 402 سنوات، وكما هو ظاهر أننا حاربناه بالكلمة والزجل، ولهذا افتقدنا التوازن بين الكلمة والموسيقى. في حين أن أوروبا التي احتل العثمانيون أجزاء كبيرة منها حافظت على التوازن بين الكلمة والموسيقى. جميعنا يعشق الكلمة، لكن للموسيقى مكانتها. في أوروبا توجد الموسيقى الصغيرة وفي الوقت عينه الأوبرا، وعندنا للكلام سطوته. في أوائل القرن 19 كانت الكلمة هي الأساس في مصر. وعندما بدأت موسيقانا في لبنان تشق طريقها بقوة في الخمسينيات والستينيات فيما يشبه الثورة الغنائية مع الرحابنة وزكي ناصيف وفيلمون وهبة وآخرين كانت الكلمة هي الأساس. بدأت الأغنية اللبنانية تفرض نفسها منذ الأربعينيات، لكنّ المدماك الأساسي تمثل بالدعم الكبير للأخوين رحباني. كموسيقي كنت أتمنى لو فكر من سبق ذكرهم في وضع أسس لمسرح موسيقي لكان الجمهور اعتاد سماع الموسيقى.

*لكن الجمهور استمع لموسيقى جهاد عقل في الحفل قبل الأخير للأوركسترا؟

**كان الحضور يغننون مع موسيقى جهاد عقل. ولا بد من التأكيد بأن جهاد عقل حالة فنية وليس عازفاً فقط. أطال الله عمره يشبه صباح التي كانت حالة من الحضور، الكرم، الصوت، الفرح، المتعة والهضامة. جهاد عقل في مكان ما يتشابه مع هذا الوصف. خلال استضافته قدمنا غناء مموسقاً وفق طريقته. وبالتأكيد أي نوع من الموسيقى في حفل جهاد عقل سيؤدي للنجاح. لتزدهر الموسيقى يتمثل الحل المطلوب بدعم مالي للمؤلفين.

*يفخر الفنانون الذين تستضيفهم دار الأوبرا المصرية بذلك. هل صار للأوركسترا اللبنانية الشرق عربية مكانة مماثلة؟

**بات لنا وجود واسم جيد جداً. حين ادعى لحفل في الخارج أمثل بلدي والأوركسترا والمعهد الموسيقي الوطني. فخر لي أن تكتب جريدة “الأهرام”: “أندريه حاج يزرع أرزة في دار الأوبرا”. نحن موجودون ولنا مكانتنا، إنما لا تاريخ تراكميا لنا. الحرب الأهلية التي عشناها أرخت بأثقالها على الفن. ولا أدري أين كنا بدون تلك الحرب. يجب أن تتماثل موازنة وزارة الثقافة مع موازنة وزارة الدفاع، وبغير ذلك لن يستقيم الوطن.

*بالمناسبة كيف تمّ عصر موازنتكم؟

**منذ التأسيس نتمتع كإدارة مستقلة بموازنة جيدة ولم تُمس. وهي تفوق موازنة وزارة الثقافة.

*أين أنتم من مهرجانات الصيف؟

**الهوى الموسيقي لبلدنا مسيحي، لهذا يقولون “واو” لأي أوركسترا كلاسيك غربية، ويُسحر البيانو البعض. ثقافتنا أوروبية مسيحية، وهذا لا نجده لدى الشعب السوري أو المصري. على مهرجانات الصيف أن تفتتح نشاطها

بعمل لبناني كما في مهرجانات كافة الدول العربية. موسيقى كبارنا يجب أن تعيش لأنها تستحق. فإن لم ترغب المهرجانات في التورط مع أي صوت لتقدم الأوركسترا موسيقى أغنيات الكبار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية