القاهرة-“القدس العربي”: بعد توقف دام 8 سنوات، يعود بينالي القاهرة في دورته الـ (13) ــ في الفترة ما بين 10 حزيران/يونيو حتى10 آب/أغسطس المقبل ــ كمحاولة للتواصل مع فنانين مصريين وآخرين من مختلف دول العالم، سواء عربية أو غربية، وكفرصة للتفاعل الفني بين أعمال متباينة من الفن التشكيلي ووجهات نظر ورؤى مختلفة من الفنانين. أقيم البينالي في كل من قصر الفنون، ومتحف الفن المصري الحديث، وقصر عائشة فهمي في الزمالك.
صياغة التجارب الفنية
بعد صرعة التهويمات التي اتسمت بأفكار وتقنيات فنون ما بعد الحداثة، يحاول البعض من الفنانين الهدوء قليلاً، والتفكير بعيداً عن ألعاب التقنية الفارغة في الغالب، والبحث عن الفكرة والتعبير عنها في شكل أبسط وأعمق من مجرد خطف الأبصار للوهلة الأولى كلاعبي السيرك. ورغم بعض التجارب التي لم يزل أصحابها يرون في هذه الألعاب قيمة وجودهم، بل والإصرار عليها خشية الضياع، إلا أن هذا المجد الزائف تكشفه تجارب فنية أخرى، لم تقايض بالفن في سبيل التقنية والتغريب.
العرب
لن تجد في أغلب البلاد العربية سوى المأساة، وحتى البلاد التي تحاول التناسي أو غض الطرف عن ما تعانيه، فإن فعل التغييب يصبح أكثر حضوراً. تحضر بقوة عدة أعمال من العراق، لبنان وفلسطين، محاولة تجسيد ما يعيشه الناس بعيداً عن الصور المعهودة في وسائل الإعلام. فالفنان اللبناني أيمن بعلبكي يصوّر في لوحات ضخمة عدة بنايات طالتها ويلات الحرب، أماكن خربة هجرها ناسها وأصبحت شاهدة على ما حدث، ويضع كلمة “النهاية” في منتصف اللوحة، وكأننا أمام مشهد من فيلم سينمائي. هكذا النهاية ولك أن تتخيل الأحداث كما تشاء. ومن فلسطين يأتي الفنان حازم حرب مازجاً الفوتوغرافيا وأدوات بنائية أخرى، ممثلاً كيفية اختراق الجدار العازل للأرض، في محاولة حتى تتجسد الحالة أمام المُتلقي بأن يتحرك حول العمل الفني ويُطالع الجدار المنتصب الذي يشوّه المشهد تماماً. أما العراق فمن خلال الفيديو آرت يأتي عمل الفنان صادق الفراجي الذي يسرد حكاية ما جرى للشعب العراقي من خلال لقطة أشبه بالجداريات القديمة لرجل وامرأة، حيث تتوالى الأحداث المصوّرة، من كائنات وزواحف في لقطات توحي بمدى الرعب الذي يعيشه الجميع. أما العمل اللافت فهو من العراق أيضاً، للفنان سيروان باران، الذي يجسد من خلال ثلاث لوحات كبيرة وفي أسلوب كلاسيكي يقترب من بعض التجريد حال المواطن العراقي عن طريق اللقطة الشهيرة من سجن “أبو غريب” – لقطة الكلب الذي ينهش جسد الرجل المُرتعب – فالمآل لم يكن وليد المصادفة، قبلها رجل ضخم أرستقراطي يتقدمه كلب مطيع يثير الرهبة في الجميع، ثم يحل محل الأرستقراطي آخر عسكري، وفي الأخير لم يجد الكلب الذي توحش سوى المواطن حتى يتمثل الصورة المعهودة. هنا يختصر الفنان تاريخ السلطة العراقية في ثلاث لقطات تحمل قدراً كبيراً من الشحنة الانفعالية والجمالية، لوحات تعتمد الإيجاز، دونما استرسال. فقوة الفكرة هنا يتم التعبير عنها في تكوين ولون كلاسيكي، أشبه باللوحات التي كانت تزيّن القصور وقاعات الاستقبال الكبيرة، لكنها اليوم ليست لمنظر طبيعي أو لرجل يختلس قبلة من امرأة، بل حيوات أجيال تم اختلاسها في غفلة منهم. وبخلاف هذه الأعمال تأتي أعمال أخرى تكشف مدى دعائيتها، فقط إعادة لنظرة استغرابية معهودة، كامرأة سمراء تحمل بعض الأواني كصورة للفلاحة المصرية، فلا هي فلاحة ولا تمت للمصريات بصلة، وعلى هذا المنوال تتعدد الأعمال المُفتعلة التي تجسد ملامح وشخوص وبيئات بعيدة تماماً عن الفنان الذي يظن أنه يتمثلها أو يعبّر عنها.
افريقيا
ويأتي فنانو افريقيا بإيقاع مختلف وخاص بهم، سواء على مستوى الموضوعات أو التقنية واللون، فلا اغتراب عن الطبيعة والبيئة، حتى في تجسيد حالات الوحدة، كما في لوحات الفنان جمبي لوف باكومبانا من الكونغو، فالعزلة تأتي من خلال تجسيد فوق وقائعي، رغم مفردات المكان وتفاصيله، إلا أن مسحة التجريد، واللون المشترك ما بين الشخصية والمكان ــ الرجل في حالة سُكر ــ حتى يرى أو يتخيل بمعنى أدق بأن مَن يُشاركه جِلسته مجرد حيوان زاحف! وفي فوتوغرافيا إميكا أوكريك من نيجيريا، وهي لقطة شائعة في القرى الفقيرة ــ حلاقة الشعر ــ لتصبح رأس الفتى أو الرجل هي معظم حجم اللقطة، وفي أقصى يسار الصورة لأعلى يد صاحب ماكينة الحلاقة، ورغم أن الصورة بالأبيض والأسود، وهو لون ملائم تماماً لشكل كان من الممكن أن يكون قد انتهى، لكنه لم يختف، ولا يمت للتراث. أما عرض جنوب افريقيا للفنانين آدم برومبرغ وأوليفر تشانارين، فهو وإن كان يعد من فنون الفيديو، إلا أنه يقترب أكثر من شكل الفيلم، يصوّر العمل قوارب المهاجرين غير الشرعيين، العديد من القوارب الآتية من بلاد مختلفة، ولكن للقوارب أيضاً حياتها، وفي مكان للقوارب القديمة تأتي “الآلة” التي تقوم بتكسيرها ونقلها فوق العربات من على الشاطئ، هنا يتم تشخيص هذه الآلة، التي لا تمتلك إلا فكين قويين، ورقبة طويلة تتحرك، الآلة هنا أشبه بالوحوش، وعلى نغمات أغنية متأسية تتراقص رقصات مأساوية، فهل لابد من تحطيم هذه القوارب قبل ما تنتهي حياة روادها؟ أم انتظارها حتى تشيخ والانتقام مما حدث؟!
هذه لمحة سريعة عن بعض الأعمال المشاركة في البينالي، وليدور التساؤل حول الفنانين أنفسهم، والمصريين خاصة، والتي لم ترتق أعمالهم إلى مستوى ما استعرضناه، وهل تواصل هؤلاء مع هذه الأعمال، أم أنهم ــ أغلبهم ــ يعمهون في التقليد والتكرار، والتعبير عن عوالم وموضوعات يستعرضون من خلالها بعض التقنيات، بغض النظر عن إحساسهم بهذه الموضوعات أو أن هناك قلقا فنيا يحاولون التعبير عن أنفسهم من خلاله؟ أسئلة ستظل تتكرر عند كل ملتقى أو معرض دولي يكشف الكثير مما يتم ترويجه والدعاية له على طول الخط.