باتهامه تأييد حق عودة الفلسطينيين بـ”اللاسامي”.. الرد على المؤرخ باوار: أقوالك تكذبها الأخلاق والمفاهيم والتاريخ وقرار 194

حجم الخط
0

يهودا باوار، المؤرخ والباحث المشهور عالمياً، ألقى قنبلة أخلاقية في الأسبوع الماضي عندما قال إن تأييد طلب الفلسطينيين بحق العودة أمر لاسامي (“هآرتس”، 5/7). لماذا؟ لأن اليهود في البلاد يعارضون عودة اللاجئين الفلسطينيين. لذلك، فإن هذه العودة ستحدث عن طريق استخدام القوة فقط. “بالقضاء عليهم فقط” (اليهود) سيضمن تحققها”.

 لذلك، كل من يؤيد حق العودة هو لاسامي. هذا ادعاء أخلاقي بوزن ألف طن سقط فوق رأسي. وبصفتي فلسطينياً وجدت نفسي ملزماً بالرد، لأن الادعاء مليء بالأخطاء والتضليل، بل وخطير سياسياً.

 أولاً، ليس واضحا لماذا تعد ّمسألة القوة أمراً له علاقة بتشخيص موقف معين على أنه لاسامي. يبدو لي أن مسألة استخدام القوة ليس شرطاً ضرورياً، وليس شرطاً كافياً من أجل تشخيص موقف على أنه لاسامي. من يعرض اليهود على أنهم طماعون وحسودون هو لاسامي. وحتى لو أنه لم يستخدم القوة – هذا يتفق معه باوار. في المقابل، ليس واضحاً لماذا سيحول استخدام القوة موقفاً ما إلى موقف لاسامي. باوار نفسه يعتقد أن مطالبة الفلسطينيين بدولة مستقلة إلى جانب إسرائيل هو مطلب شرعي (خلافاً لحق العودة). وإذا كان الأمر كذلك، فهل يعد استخدام العنف والقوة من جانب الفلسطينيين ضد جيش الاحتلال في المناطق المحتلة لاسامياً؟

أعتقد أن باوار لن يعتبر مقاومة الاحتلال عملاً لاسامياً فقط لأنه يستخدم القوة. وأعتقد أنه كان سيفحص ويسأل عن الهدف الذي من أجله تم استخدام القوة. في هذه الحالة من المعقول أن يقول باوار إن الأمر ولتعلقه بهدف مشروع (إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967) فإن مجرد استخدام القوة لا يحول المطالبة بدولة فلسطينية إلى مطلب لاسامي.

وحتى لو تبين أن استخدام القوة غير مبرر أو غير مشروع. إذا كان الأمر كذلك (إلا إذا أراد باوار الادعاء بأن مقاومة الاحتلال هي معادية للسامية، الأمر الذي لا يبدو لي) حينها تكون مسألة القوة ليست هي الاختبار وليس فيها شرط ضروري أو كاف لاعتبار موقف معين موقف لاسامي.

إضافة إلى ذلك، لا يدور في ذهن باوار احتمال أن اليهود سيوافقون على حق العودة بأي شكل من الأشكال. وقد يكون هذا هو الوضع الآن، لكن يمكن لهذا الوضع أن يتغير. فلماذا نقيد الخيال السياسي للمستقبل، بخصوص صور الحياة المشتركة للشعبين في هذا المكان عن طريق اتفاق متبادل؟ قد يكون هذا اليوم بعيداً، لكن لا يبدو لي الحلم به يعتبر موقفاً لاسامياً. ليس من الواضح ما هو موقف باوار بخصوص من يؤيد حق العودة ويصر على أن تحقيقها سيكون فقط من خلال اتفاق متبادل مع الشعب اليهودي في إسرائيل. أهذا أيضاً موقف لاسامي؟

مسألة استخدام القوة قضية مركزية بالنسبة لباوار، لكنها غير مقنعة. هناك فرق بين المقاومة – حتى المقاومة العنيفة – لحق العودة للفلسطينيين وبين تسمية تأييد هذا الحق “موقف لاسامي”. ثمة عدد غير قليل من الادعاءات المطروحة ضد حق العودة: هو غير معترف به كحق في القانون الدولي؛ الفلسطينيون لم يوافقوا على قرار التقسيم، لذلك، استدعوا الحرب في 1948، ومن شارك في الحرب بإرادته فعليه أن يوافق على نتائجها أيضاً، ولا يحق له أن يلوم إلا نفسه؛ ربما حقاً يوجد حق أخلاقي للعودة، لكن المعنى هو انتحار وطني للمشروع الجماعي اليهودي؛ فعلياً، ليس للاجئين الفلسطينيين أي مصلحة حقيقية في العودة، بالذات إلى البيت أو القرية التي تعود لهم. لأن هذه لم تعد موجودة. لهذا فإن الرغبة في العودة يمكن أن تكون إلى الدولة الفلسطينية إذا أقيمت. إن التصميم على حق العودة وتجسيده قد يؤدي إلى مئة سنة أخرى من المواجهات والعنف، وقيمة الحياة مهمة أكثر. يمكننا أن نضيف المزيد من الادعاءات.

عدد من هذه الادعاءات يستحق النقاش، وعدد منها أكثر إقناعاً، وآخر أقل إقناعاً. ولكن هذا إطار يسمح بالنقاش والإقناع والاقتناع. الاتهام باللاسامية يبث ذعراً أخلاقي لا يجدي النقاش حول فلسطين – إسرائيل، ولا لا يجدي النقاش حول اللاسامية ومحاربتها. هذا نضال مهم بحد ذاته. ومن الجيد أن يشارك فيه أيضاً من يؤيدون الطلبات العادلة للشعب الفلسطيني.

 لا حاجة إلى السذاجة والادعاء بأن حق عودة الفلسطينيين لا يشكل تهديداً وكابوساً لمعظم اليهود الذين يعيشون في البلاد. ولكن هذا ليس سبباً لتصنيف كل من يؤيد تجسيده على أنه شخص لاسامي. هذا لا يزيل الكابوس ولا يقضي على التهديد، بل يزيدهما.

إضافة إلى ذلك، حسب التعريف الموسع لباوار يتبين أنه ليس فقط معظم الشعب الفلسطيني لاسامياً، بل معظم دول العالم والأمم المتحدة وحتى الولايات المتحدة التي أيدت قرار 194. ورغم وجود أجزاء في الجمهور اليهودي في إسرائيل يؤيدون حق العودة. بهذه القيود أو تلك، وفي مرحلة ما، حكومة إسرائيل نفسها فكرت بأن تسمح بعودة عدد مقلص من اللاجئين، كجزء من التسوية التاريخية والحل الشامل. فهل يعتبر باوار كل هؤلاء لاساميين.

صحيح، ربما يكون من بين المؤيدين لحق العودة من يفعلون ذلك بسبب دوافع لاسامية. ولكن هذا لا يحول تأييد حق العودة إلى أمر كهذا. المشكلة الكبيرة في موقف باوار هي أنه لا يترك أي مكان للتسوية التاريخية مع الفلسطينيين. لأنه إذا كانوا لاساميين وطلباتهم لاسامية- فليس هناك من سيتم التحدث معه وليس هناك ما سيتم التنازل عنه. هذا يغلق الدائرة على أي محاولة لفهم المظالم التاريخية التي تم التسبب بها للفلسطينيين ويعرض مطالبهم كمطالب يتم تحريكها من مجرد كراهيتهم لليهود. وكأنه لم يكن في أي يوم طرد أو اقتلاع.

موقف باوار يغلق النقاش بدلاً من أن يفتحه. لا توجد أي تسوية تاريخية بدون فتح كل شيء للنقاش. لذلك، أخطأ باوار من ناحية فكرية ومفاهيمية، وأخطأ أيضاً من ناحية سياسية لأنه باحث مشهور. ربما نتوقع يوماً ما أن يصلح خطأه.

بقلم: رائف زريق

 هآرتس 11/7/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية