على الرّغم من أنّ وسائل الإعلام الجماهيري في الغرب عامّة، وبريطانيّا خاصّة تخضع غالبها إلى تيارات محافظة ويمينيّة تتحكم بدّقة في طبيعة المحتوى المعروض على الشاشات والصحف والمواقع الإلكترونيّة المخصصة للاستهلاك العام، فإن عتاة اليمين المتطرّف، والأحزاب القوميّة الفاشيّة الطابع، ما لبثت تشكو من حصار إعلاميّ تتعرض له، يمنعها من تقديم رسائلها الأيديولوجيّة ومواقفها السياسيّة للجمهور العريض، الأمر الذي يضطّرها إلى ركوب موجة إعلام بديل هزيل، بوسائل انتشار محدود بالكاد تصل إلى دائرة مناصريه القريبين.
كان اليمينيون المتطرفون في الولايات المتحدة، وبحكم اتساع قاعدة جمهورهم إثر انتخاب دونالد ترامب رئيساً قبل ثلاثة أعوام، قد سعوا إلى تعويض غيابهم الإعلامي عن كتلة الرأي العام الجماهيري – نتيجة سيطرة الليبراليين شبه التامة على غالبية بيوتات الإعلام الكبرى – وذلك من خلال استكشاف لعبة الأفلام الوثائقيّة.
لقد تراجعت تكلفة إنتاج الأفلام الوثائقيّة بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، رغم التقدّم غير المسبوق في تقنيّات التصوير والتحرير، وأصبحت مسألة الوصول إلى ملايين المشاهدين – لا سيّما عندما تكون غاية الفيلم الأساسية الربح الأيديولوجي – أمراً في متناول أيّ كان من خلال بوابة الإنترنت المدهشة، وعبر أدوات استقبال متعددة تبدأ بالتلفزيون المنزلي ولا تنتهي بالهواتف الذكيّة المحمولة.
اليمين البريطاني المتطرّف، والذي عاد ليطلّ برأسه مجدداً في أجواء إستقطاب أفرزها موضوع الـ «بريكست» – مسألة عضوية المملكة المتحدّة في الاتحاد الأوروبيّ – كما موجة صعود مدّ اليمين الفاشي عبر القارة الأوروبيّة، يبدو أنه اكتشف للتوّ قوّة الأفلام الوثائقيّة، إذ تداعى إلى دعم كاتي هوبكنز، الإعلاميّة البريطانيّة المتطرّفة في العداء للإسلام وللمهاجرين المسلمين، لإنتاج فيلمها الوثائقيّ الجديد «هوملاندز» (أوطان)، والذي أطلقه بالفعل في عرضين افتتاحيين خاصيّن أمام جمهور محدود وجهت إليه بطاقات دعوة – كان أولهما في القدس المحتلة الشهر الماضي وثانيهما في لندن مطلع الشهر الحالي.
«هوملاندز»: طوفان إسلامي يجتاح الغرب
هوبكنز، وهي كاتبة مقالات ومقدمة برامج تلفزيونيّة على إحدى القنوات الخاصة في المملكة المتحدة اشتهرت بمواقفها الصقوريّة من الإسلام والمهاجرين المسلمين، الذين وصفتهم علناً بـ«الحشرات» و«الصراصير» تحذر في «هوملاندز» من طوفان إسلامي يجتاح الغرب (تقصد تحديداً أوروبا الغربيّة والولايات المتحدة) على نحو يهدد بتدمير شامل لمنظومة القيم «اليهودية -المسيحيّة» فيه بتأثير أسلمة متصاعدة، منادية أن هذا الطوفان هو الآن وبشكل متزايد الخطر الوجوديّ الأهم لمجموع دول الغرب، وهو يستدعي نوعاً من «حل نهائي» على صيغة الحل النهائي، الذي تبنته نازية ألمانيا تجاه اليهود.
يُستهل الوثائقي بمشاهد أرشيفيّة من بريطانيا في أزمان ذهبيّة مضت، كما عرفها أجدادنا وكانت تمنح شعبها إحساساً بالفخار تسعى شعوب المستعمرات حول العالم إلى الالتصاق به والتماهي معه – وفق هوبكنز دائماً – لتتلاشى تلك الصورة النوستالجيّة بزيارتها إلى بلدة سيفيل في منطقة دوزبوري في يوركشاير (شمال شرقي إنكلترا) حيث تجاوز عدد المسلمين (أصول آسيوية) نسبة 90 % من مجموع السكان.
وتنقل هوبكنز عن من تبقى من ذوي البشرة البيضاء في البلدة أقوالاً مثل «نحن هنا مجرّد مواطنين دّرجة ثانية داخل وطننا» و «سيفيل بلدة محرّمة على البيض سكان البلاد الأصليين». ويسوق الفيلم بعدها قصصاً مبالغاً فيها، وإحصائيّات مجتزأة منزوعة من سياقها وجدليات منحازة ليقنع جمهوره بأن ذوي البشرة البيضاء أمة تكاد تختنق، وبأنّه بعكس اليهود الذين كانوا محظوظين بوجود (إسرائيل) كوطن نهائي يلجأ إليه هؤلاء إن أدهمت الخطوب، فإن البيض الأوروبيين لا وطنَ ثانٍ يلجأون إليه، وسيكون مصيرهم – إن هم لم يستيقظوا من فورهم – كمصير ميريل كنول، العجوز اليهوديّة الفرنسيّة (85 عاماً) التي كانت نجت من الهولوكوست لتنتهي حياتها طعناً في منزلها على يد مهاجر مسلم. وينتقل «هوملاندز» بعد مقابلات يطرح فيها قادة تنظيمات بريطانيّة وأوروبيّة متطرّفة آراءهم إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، حيث (إسرائيل) جنّة اليهود السعداء، بينما «نحن البريطانيين المسيحيين من ذوي البشرة البيضاء لا إسرائيل لنا»، لينتهي الشريط بلقاء زميلة هوبكنز – جانيس آتكنسون وهي من وجهاء التطرّف اليمينيّ البريطانيّ وعضو عن بريطانيا في البرلمان الأوروبيّ – بشخصيات إسرائيليّة، حيث توافق الجميع على ضرورة وقف فوريّ وحاسم لطوفان الهجرة (الإسلاميّة) للجزيرة البريطانيّة.
سخافات: لكنها مسمومة وقاتلة
بالطبع فإن «هوملاندز» قطعة بروباغندا رديئة بل وتثير الضحك أحياناً من سخافة طرحها، ولا تكاد أي من ادعاءاته تصمد أمام النّقد (سيفيل غادرها معظم سكانها الإنكليز، الذين غلب عليهم الفقر بحثاً عن فرص عمل أفضل في مدن قريبة، بينما ميريل كنول لم يُحسم موضوع قاتلها بعد والشاب المسلم المتهم ليس سوى واحد من قائمة تضم آخرين ليسوا مسلمين ولا عرباً، وهي التقت يهوداً من الإشكناز (الغربيين) دون السفارديم (الشرقيين) أوالفلاشا (الأثيوبيين الأفارقة)، كما يقصر الإرهاب على المسلمين حصراً ويعممه عليهم وهكذا)، ناهيك عن أن الشهادات المعروضة في الشريط تتلون جميعها بلون واحد.
ومع ذلك فإن الفيلم يمثّل مادة شديدة السميّة لطرحه الشعبوي القريب من الإنكليز البسطاء الذين وصف بعضهم العمل – وفق تقارير صحفيّة – بـ«أنه يثير التفكير» و«يقول ما لا يُقال» و»يعبّر عن مخاوفنا التي لا يعبّر عنها أحد».
وهؤلاء عادة من الطبقة العاملة المعنية بكسب العيش دون أن يكون لدى أحدهم الوقت أو القدرة على البحث عن سرديّة نقيضة لما سمعه في هذا – الوثائقيّ – الذي يمكن مشاهدته ومشاركته بسهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في هواتفهم النّقالة.
تحالف عجيب بين الفاشيّة وإسرائيل؟
على عكس النهج النظريّ المعروف لعداء الفاشيّة الأوروبيّة لليهود (الغرباء)، وأكوام الذكريات التاريخيّة الأليمة حول «الهولوكوست»، فإن «هوملاندز يعزف على وتر تحالف موضوعيّ بين اليهود والمسيحيين من ذوي البشرة البيضاء في مواجهة عدوّ مشترك. وعلى الرّغم من أن مثقفين يهوداً في بريطانيا (وفي إسرائيل أيضاً) سخروا من هذه المحاولة التلفيقيّة، إلا أن اختيار القدس المحتلة وبعدها تجمع يهوديّ في لندن لتقديم عروض أولى للفيلم تثير تساؤلات واقعيّة حول تقارب متزايد وحميم بين الفاشيّة الأوروبيّة و(إسرائيل) الصهيونيّة.
وللحقيقة فإن التيّار اليساري في الكيان الصهيونيّ حاول منع هوبكنز من عرض فيلمها في القدس فألغيت الحجوزات ثلاث مرّات قبل أن يتدخل مساعد رئيس بلديّة القدس المحتلة – اليمينيّ – ويقدّم إحدى قاعات البلديّة لهذا الغرض، مما يكشف عن حجم التقاطع المشبوه بين النخبة الإسرائيليّة الحاكمة وأسوأ نماذج التطرّف الأوروبي والبريطانيّ (تحديداً).
وهو أمر لم يقتصر على العرض الافتتاحي الأوّل، بل وامتد بأجوائه الخانقة إلى العرض اللندنيّ أيضاً، إذ كشفت الجريدة اليهوديّة المعروفة «جويش كرونكيل» عن أن الحضور في العرض، الذي أجري تحت حراسة مشددة كانوا في غالبيتهم الساحقة يهوداً مؤيدين لهوبكنز لا بريطانيين من ذوي البشرة البيضاء كما يتوقع.
الوثائقيّات: السلاح الأمضى
مهما يكن من أمر محتوى «هوملاندز»، فإن اليمين البريطاني يراهن على نجاح التجربة هذه كمبادرة أولى تجاه توظيف الوثائقيّات سلاحاً في حربه الأيديولوجيّة لكسب القلوب والعقول – البيضاء طبعاً.
ولا شكّ أنّ وصول الفيلم إلى جمهور أعرض من قاعدة اليمين المتطرّف الضيقة سيكون بمثابة انتصار على الحصار الإعلاميّ، الذي يدّعي أنّه يتعرّض له وسيفتح الباب أمام «هوملاندز» كثيرة.
لقد حصل متطرفو بريطانيا على قنبلتهم الإعلامّيّة النوويّة وسلاحهم الأمضى، والآتي بعد ذلك أسوأ.
كاتبة وإعلامية لبنانية بريطانية – لندن