الكاتبة بثينة العيسى: الرواية نتلقى منها المعرفة بقوّة التجربة لا المنطق

حجم الخط
0

لافرار من الكتابة عندما تمسي طريقًا يعيد تشكيل نفسه في كلّ حين، محاولة للخروج من العتمة، للبحث في إجابات ممكنة عن أسئلة ماتنفكّ تؤرقها. بثينة العيسى في رواياتها يحضر الإنسان بقلقه الوجودي وهواجسه الّتي تتلوّن قاتمة ضمن دوائر مركّبة ومعقّدة على الرغم مما يوحي ظاهرها، ما الذي تريد أن تقوله؟ كيف يمكن مواجهة ذلك الموت؛ أعظم أسئلتنا على الإطلاق؟ في رواياتها تقف المرأة في مركز تلك الدوائر لتقولنا جميعاً، هي موت وحياة وحريّة وقيد ومسافات مبهمة وواضحة. صدر لها: ارتطام لم يسمع له دوي، سعار، عروس المطر، تحت أقدام الأمهات، قيس وليلى والذئب، عائشة تنزل إلى العالم السفلي، كبرت ونسيت أن أنسى.

* نكتب لنشفى، ونكتب لنقول ما نحن عليه حقاً، ونكتب لنبحث عن حلول لمشكلاتنا، لماذا تكتب بثينة العيسى؟!
أعتقدُ أنني كتبتُ لأسباب مختلفة في مراحل مختلفة من حياتي. الدافع إلى الكتابة يختلف بحسب المرحلة، ولكن الجميل في الأمر أنه دائمًا موجود. يمنحني هذا نوعًا من الطمأنينة أن الكتابة ستكون دائمًا حاضرة في حياتي. أما لماذا أكتب، الآن؟ أعتقد أنني بتُّ أكتب من أجل تسمية الأشياء بأسمائها. وهي عملية مؤلمة، وقاسية، ولكنها أيضًا تمثّل بداية التعافي، لأنها بداية الخروج من الكهف. أن تسمّي الجرح جرحًا والعنف عنفًا والحبّ حبًا، أن تخرج من الغبش إلى الوضوح، أن تسمع وترى.
*»الكتابة طريقة حياة» ما الذي يمكن أن تقدمه الكتابة للكاتب أولاً في ظلّ دوائر التخلف والجهل والزندقة والتهم الجاهزة؟!
التخلف والجهل والتهم الجاهزة هي نتاج أنظمة مصمّمة خصيصًا من أجل تحويلنا من أفراد إلى معلّبات بشرية. الفنّ عمومًا، والكتابة بصفتها أحد أشكاله، تمنحنا حصانة ذاتية ضدّ هذه الأنظمة، إنها صيانة مستمرّة لفرادتنا. ولا أعتقد أنني أستطيع صياغة هذه الفكرة بشكلٍ أفضل من دون ديليلو عندما قال: الكتابة شكلٌ من أشكال الحريّة الشخصية. إنها تحررنا من الهوية الجماعية التي نراها من حولنا. ففي نهاية الأمر، لا يكتبُ الكتّاب ليصبحوا أبطالاً خارجين عن القانون في ثقافة معاكسة للتيار، بل لينقذوا أنفسهم، لكي ينجوا كأفراد.
* إلى أيّة درجة يمكن للرواية أن تكون تاريخاً؟!

أفكّر دائمًا بالرّواية على أنها نص ذو طبيعة إسفنجيّة. إنها تمتصّ العالم؛ التاريخ، السياسة، علم النّفس، النقد الثقافي، الحبّ، العنف، الطفولة. تتمتع الرواية بقابلية هائلة لإضاءة جوانب معرفية دون أن تتحوّل إلى كتاب تنظير. أجدُ مثلا بأن رواية «في انتظار البرابرة» لـ جي. أم. كويتزي أقدر على تشريح حقيقة السلطة مما كتبه فوكو وماكس فيبر. إنك تتلقى منها المعرفة بقوّة التجربة، لا بقوّة المنطق. رواية «قصة مدينتين» لـ ديكنز و»البؤساء» لـ هوغو مثلاً، أكثر فاعلية في كشف طبيعة الثورة من كتب «سيكولوجيا الجماهير» و»المؤمن الصادق» و»تشريح الثورة». رواية «إعجام» لـ سنان أنطون و1984 لجورج أورويل من أفضل ما قرأت فيما يتعلق بطبيعة اللغة التأويلية وتأثيرها على طريقة تفكيرنا. ماذا عن التاريخ؟ فكّر بجميع الروايات التي تناولت القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948 وحتى الآن؛ رضوى عاشور، إبراهيم نصرالله وغيرهم. لقد تضمنت- في الغالب- نقلاً أمينًا للتاريخ تجري في صدرهِ أحداث قصّة متخيّلة. رواية «باب الشمس» لـ إلياس خوري استعان بها المؤرخ الإسرائيلي إلان بابه لكتابة مؤلفه «التطهير العرقي في فلسطين». إذن، إلى أي حدٍ يمكن أن تكون الرواية تاريخًا؟ إلى الحدّ الذي لا يخرجها من حقيقتها الروائية، وهو حدٌّ بعيدٌ جدًا.
* تسيطر ثيمة الموت والانحدار إلى أبعد نقطة في التلاشي على رواياتك، هل يمكن للموت أن يكون قضية بحدّ ذاته؟
أعتقدُ أن الموت هو أكبر أسئلتنا على الإطلاق، إذ بمجرد أن يكتشف المرء حقيقة التناهي وحتميّته، لا يعود بوسعهِ أن يواصل العيش بالشكل ذاته. قبل يومين شاهدت على اليوتيوب مقطعًا (يفترض أن يكون مضحكًا) لطفلة عمرها خمس سنوات تبكي لأنها لا تريد لشقيقها الرضيع أن يكبر، ولأنها لا تريد أن تموت عندما تبلغ عامها المئة. أنا لم أضحك على الطفلة، إنها محقة تمامًا في ذُعرها. نأتي إلى العالم بصدرٍ مفتوح لاحتضانِ الوجود واكتشاف اللذة ومعرفة الذات.. ثم نكتشف حقيقة زوالنا، كيف بوسعك أن تتصالح مع حقيقةٍ كهذه؟ ولدي عبدالمحسن، في السادسة من عمره الآن، يخبرني طوال الوقت أنه لا يريدني أن أموت، وإذا متّ فهو يريد أن يموت معي. إن خوفه حقيقي، غريزي، وغير مصطنع. سؤال الموت هو أصدق أسئلتنا على الإطلاق، ولا أعتقد أن بوسعنا أن نعيش حياة جديرةً بالعيشِ ما لم نتوافق، أو نتصالح جزئيا، مع حتمية زوالنا، وفقد أحبائنا.
* يبدو تأثرك واضحاً بلغز عشتار لفراس سوّاح ولاسيما في رواية «عائشة تنزل إلى العالم السفلي» كيف يمكن للرواية أن تهضمَ هذه الدراسات الفلسفية والتاريخية دون أن تقع في فخّ التنظير والتأريخ؟

لستُ متأكدة من أنني نجوتُ من فخّ التنظير والتأريخ. أشخاصٌ كثرٌ أخبروني بأنني أثقلتُ عليهم. والحقيقة أنني كنت حتى اللحظة الأخيرة أرغب بنشر ملحق بحثيّ عن أسطورة نزول إنانا إلى العالم السفلي، يفترضُ أن عائشة قد قامت به، أو أنني قمتُ به من خلالها.
أنا أعشق الميثولوجيا عمومًا، السومريّة والبابلية خصوصًا. إنها قريبةٌ من أسئلة الخلق والموت والتكوين، وجودية في الصّميم وتناسب أسئلة «عائشة». مرّة أخرى أتساءل– معك– إن كنتُ قد وقعت في فخّ التنظير. ربّما فعلتُ، ولكن ألا يبدو ذلك مبررًا بالنسبة لشخصية أمضت السنوات الأربع الماضية من حياتها بين الكتب، تقرأ عن الموت، حتى تحوّلت إلى أرشيف بشريّ حيٍ لكل ما قاله الشعراء والفلاسفة والعلماء عن الموت؟
* في ظلّ تفجّر أنماط السرد، هل يحقّ لأحد أن يطالب الروائي بأنْ يكون ملتزما بالشكل التقليدي للكتابة الروائية؟ وهذا السؤال له علاقة بالانتقادات ذاتها الّتي وجهت لكِ حول ضعف الحدث الروائي
لا يحقّ لأحدٍ أن يطالب الروائي بأيّ شيء، لا الالتزام بالشكل التقليدي، ولا حتى الالتزام بالتجديد. أنا أنظر إلى الرواية ككائنٍ عضوي، حيّ، متطوّر ذاتيًا، يُملي عليّ ما يحتاجه لكي ينمو على نحوٍ صحيح. أحيانًا أكتفي بالشكل الكلاسيكي، بحكاية كان يا ما كان، التي أحبّها جدًا بالمناسبة، لبساطتها وقوة تأثيرها.. وأحيانًا أخرجُ عنه. الأمر يعتمد على حاجة العمل ومتطلّباته. القالب الروائي ليس شيئًا خارجا عن الحكاية، نقوم نحنُ بتركيبه عليها، بل هو الحكاية ذاتها متجلية داخل اللغة.
ضعف الحدث أيضًا يعتمد على حاجة العمل. في كثيرٍ من رواياتي شعرتُ بأن الحدث الحقيقي، الأصيل، هو جملة التغيّرات والتحوّلات التي تطرأ على الشخصية، في أعماقها السحيقة. الحدث الحقيقي هو الأفكار والمشاعِر، وليس بالضرورة المشاهد والحوارات. في أحيانٍ أخرى، يصبح الحدث الخارجي هو البطل. الأمر يتراوح.
* تطغى اللغة الشعرية في رواياتك ولاسيّما في رواية «كبرت ونسيت أن أنسى»، هل لهذا علاقة ببداياتك كشاعرة؟
لقد كتبتُ قصصًا منذ البداية. ثم فوجئتُ بالكثير من الزملاء الكتّاب، الشعراء تحديدًا، يطلقون عليّ صفة «الشاعرة». لم أجرؤ في يومٍ على الإشارة إلى نفسي كشاعرة، ولا أظنني سأفعل. اللغة الشعرية التي أكتبُ بها ليست مفتعلة، إنها الطريقة التي أرى بها العالم.
أما بالنسبة لـ «كبرت ونسيت أن أنسى»، فقد كانت البطلة «فاطمة» شاعرة أصلا، تُشعرنُ كل شيء، وكان الشعر هو المفتاح للإنصات إليها وفهمها.
* في رواية عروس المطر تقولين: «عندما نولد إناثاً، فنحن نولد قضايا؛ لأنّ العالم مزوّد بتقنيات جاهزةٍ للحدّ منا» تتكرّر هذه المقولة في رواياتك جميعها، في رواية أخرى تقولين « نحن ضحايا أنفسنا، الآخرون مجرّد حجة «.. هل المرأة العربية خصوصًا ضحية نفسها؟!
إلى حدٍ بعيد. ومع ذلك، لا أنفي وقوعها ضحيّة ذكوريّة المجتمع؛ الذكورية بصفتها طريقة تفكير، مبنيّة على المصادَرة والإقصاء. طريقة تفكير تجدها في الرجال والنساء على حدّ سواء.
من السهل عليّ جدًا أن أدين أفكار مجتمعي، ولكنه موقفٌ غير صادقٍ تمامًا. حتى أتخذ موقفًا كهذا، أحتاج أن أضمن بأنني غير ملوثة بهكذا أفكار. من الذي يستطيع أن يضمن أمرًا كهذا؟
* في «تحت أقدام الأمهات» تبدو غيضة المرأة المتسلطة والّتي تلعب دور الرجل المتجبّر والظالم، هل يمكن القول: إنّ المرأة لا تختلف عن الرجل في حال استطاعت أن تكون صاحبة القرار؟
ليس بالضرورة. في حالةِ غيضة، كانت امرأة ذكورية أكثر من أيّ رجل. وهو الأمر الذي يؤكد أن الذكورية طريقة تفكير، طريقة في النظر إلى العالم، وليست حكرًا على الرّجال.
* من المسؤول عن استنساخ أفراد مثل شخصيّة «صقر» في « كبرت ونسيت أن أنسى»، وهل يكون الخلاص بالتعايش والتناسي في ظل صرخات نسائية حرّة تطالب بحقوقها؟!
من المسئول؟ لدينا نظام اجتماعي وسياسي كامل لتفريخ «الصقور»! حضانات، مدارس، مخيّمات صيفية، جمعيات خيرية، معسكرات شبابية، قنوات فضائية، نقابات جامعية، وتكتّلات سياسية أيضًا. المدهش هو ألا يتحوّل الإنسان إلى «صقر» في ظل تواطؤ كل هذه العوامل.
لا يمكن بأي حالٍ التعايش مع نظام مصمّم لمصادرة حريّة الفرد. الخلاصُ يتحقق بمواجهة هذا الخطاب وتفكيكه وفضح هشاشته وتناقضاته وجرائمه في حقّ إنسانيتنا.
* في ظلّ بوكر وحمى الجوائز العربيّة وشغف القرّاء بمناطق بعيدة عن توجهات الروائيين العرب، ما الذي تنتظره بثينة من الرواية؟! وما الذي يمكن أن يقّدمه الأدب عموماً في ظلّ ما يحدث في بلادنا للقارئ العربي؟
ما أنتظرهُ من الرواية هو ما تستطيع الرواية وحدها تقديمه. أن تكشِف جزءًا جديدًا من الوجود لا يزال مجهولاً، بحسب ميلان كونديرا. لأن «المعرفة الروائية هي أخلاقية الرواية الوحيدة». ولأنك تستطيع أن تكتشف العالم الخارجي (بالفيزياء والأحياء وغيرهِ)، وتستطيع أن تكتشف العالم الداخلي (بعلم النفس) مثلاً، ولكن تبقى الرواية هي الموصّل الحراري الأفضل لتلك المعرفة، لأنك تتلقاها عن طريق التجربة، والمعايشة، وليس عن طريق الحفظ والتلقين.
أما عما أريدُه من الأدب، الآن، في ظلّ ما يحدث في البلدان العربية، فهو أن يعبّر عما يحدث بصدق؛ تهشم المقولات الكبيرة، الشك، السقوط المدوي والمؤلم لفكرة الوطن، تشظي الهويات، عدم الانتماء، مساءلة المقدّسات.. أريدُ للأدب أن يعبّر عن كل هذا القلق الذي يجتاحنا في السنوات الأخيرة، والذي بلغ أشدّه، على ما يبدو، مع اشتعال شرارة الثورات العربية.

حاورها: المغيرة الهويدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية