من المقرر أن يقوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة هامة قريباً إلى طهران في إشارة لافتة إلى نجاح جهود مبعوثه الخاص كبير المستشارين في قصر الإليزيه السفير إيمانويل بون الذي زار طهران يومي الثلاثاء والأربعاء في محاولة لإنقاذ الاتفاق النووي من الانهيار، وتهيئة مناخ مناسب لإيجاد حوار بين الولايات المتحدة وإيران.
التسريبات القادمة من طهران تتحدث عن انفراج مقيد بمدى التزام الأطراف الأوروبية بدورها في تنفيذ الاتفاق النووي أو خطة العمل المشترك الشاملة، وما يمكن أن يصدر عن الإدارة الأمريكية التي صعدت من لهجتها وهددت على لسان الرئيس دونالد ترامب بعقوبات مضاعفة على إيران على الرغم من أنه واصل إرسال طلبات باستعداده التفاوض والحوار المباشر وجهاً لوجه تمهيداً لإيجاد علاقات دبلوماسية طبيعية.
وقد تعهدت طهران للمبعوث الفرنسي بأنها لن تبادر إلى المزيد من خطوات تخفيض التزامها ببنود الاتفاق خصوصاً في شأن زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المئة وإعادة تشغيل أجهزة طرد مركزي كانت قد عطلتها قبل إبرام الاتفاق بالإضافة إلى إدخال مفاعل أراك للماء الثقيل لإنتاج البلوتونيوم مرة أخرى، لكن طهران لن تفعل ذلك بدون مقابل خصوصاً وأنها تبدو الوحيدة من باقي أطراف خطة العمل المشترك الشاملة التي تنفذ التزاماتها بعد خرق واشنطن للاتفاق وهو يدفع إلى انهياره بالكامل، وفِي ضوء تراخي الدول الأوروبية (فرنسا ألمانيا بريطانيا) في العمل بالتزاماتها وفق الاتفاق.
وقيل في هذا السياق إنه تم الاتفاق على أن تفعل الدول الأوروبية نظام إنيستكس للالتفاف على العقوبات الأمريكية بشرط أن يضمن هذا النظام حصول إيران على أموال النفط لشراء ما تشاء هي من بضائع ومعدات وبالعملة الصعبة (اليورو مثلاً) بمعنى أن تحل عملة أخرى محل الدولار في البنوك السبعة الأوروبية التي وافقت على الانضمام إلى هذا النظام المصرفي لشراء النفط الإيراني كما كان قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وقد أبلغت كبير مستشاري الرئيس الفرنسي أنها لا تمانع في إجراء مفاوضات ثنائية مباشرة مع الولايات المتحدة أو متعددة بانضمام وزير الخارجية الأمريكي إلى الاجتماع المقرر يوم 15 من هذا الشهر لوزراء خارجية (ألمانيا فرنسا بريطانيا الصين روسيا) وإيران لبحث الاتفاق النووي، إذا رفعت الإدارة الأمريكية العقوبات وأوقفت لغة التهديد.
وقال الإيرانيون للضيف الفرنسي إن كل الخيارات مطروحة على الطاولة ومنها خيارا المفاوضات بعيداً عن لغة التهديد والضغوط، والحرب الشاملة إلى أبعد حد إذا انزلقت الحالة الراهنة إلى صدام عسكري بعد احتجاز البحرية الملكية البريطانية ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق، واستمرار ما تسميه طهران (فبركة أنباء لا قيمة لها) عن محاولة احتجاز إيران ناقلة نفط بريطانية في منطقة مضيق هرمز.
وفِي هذا الواقع انتبه المرشد الأعلى خامنئي إلى أن تهديدات القادة العسكريين (الحرس الثوري والأركان) وحتى رئيس السلطة القضائية آية إبراهيم رئيسي، منحت الذريعة للولايات المتحدة وبريطانيا الغارقة في مشاكلها مع بريكست والمنافسة على رئاسة حزب المحافظين وبالتالي رئاسة الوزراء، لتبررا عملية (تدويل) أزمة مرور الناقلات عبر مضيق هرمز الأمر الذي يعني استقدام المزيد من القوات الأجنبية إلى المنطقة بما يتعارض مع رؤية إيران الدائمة بشأن أمن المنطقة.
وعُلم أن المرشد الإيراني الأعلى أوعز للقادة العسكريين بتخفيف إطلاق تصريحات وتهديدات حول القضايا التي تتحمل حكومة الرئيس حسن روحاني مسؤولية التفاوض أو القيام بخطوات عملية وقانونية لحلها ومنها بالطبع أزمة ناقلة النفط الإيرانية وعدم تحميل إيران مسؤولية أعمال (قرصنة ومهاجمة سفن) وتهديد أمن الملاحة وهي بريئة منها، كما حصل في قضيتي تفجيرات الفجيرة، ومهاجمة ناقلات النفط، وقد نفذت العمليتان بعد تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز إذا منعت إيران من تصدير نفطها.
يُشار إلى أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف كان أعلن أن بلاده ستعمل على إطلاق سراح الناقلة الإيرانية عن طريق القنوات الدبلوماسية والقانونية وبالتغريدات، في حين تعالت أصوات في إيران مطالبة باحتجاز ناقلة نفط بريطانية رداً بالمثل.
ويدرك المرشد الأعلى أن عليه ضبط إيقاع المسؤولين داخل إيران خصوصاً وأنه قام بتغييرات كبيرة في هيكلية الحرس الثوري شملت القيادة العسكرية وقيادة الباسيج (القوات الشعبية) وجهاز استخبارات الحرس، ومن هنا فإن توحيد الخطاب الإيراني يبقى ضرورة ملحة لتفادي تحمل تكاليف إضافية بسبب تصريحات غير مدروسة وتهديدات.
التخفيض مقابل التخفيض
وأكدت طهران للفرنسيين أنها ستقابل بخطوة إيجابية بل وبخطوتين أي خطوة إيجابية من الأوروبيين تحديداً بشأن تعويضها عن الخسائر التي لحقت بها جراء انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وأنها ستلغي كل الإجراءات السابقة وذلك بعد أن رفعت طهران شعار التصعيد مقابل التصعيد وقالت في أكثر من مناسبة إنها ستخفض التزاماتها تجاه الاتفاق لكنها لم تخرج منه وستواصل السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها للتحقق من سلمية برنامجها النووي.
ويبدو أن طهران حصلت على تعهد فرنسي بحماية الأوروبيين للاتفاق النووي وأنهم لن يسمحوا بانهياره من واقع معرفتهم أن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية، وطلبوا منها توخي الحذر في مسألة ناقلة النفط الإيرانية ووعدوا بإنهائها قريباً. والأكثر من ذلك فقد أعلن كبير مستشاري ماكرون أمام أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الأميرال علي شمخاني وفق ما نقل التلفزيون الإيراني الرسمي أن إيران باتت اليوم قوة تفرض نفسها بالمنطقة، وأنها ورغم الإجراءات الأمريكية فإنّ قوتها ومكانتها في المعادلات الإقليمية والدولية شهدت نمواً لافتاً، مؤكداً على أن باريس ترغب باستمرار الحوار والتعاون مع إيران لإدارة الأزمات في سوريا واليمن والعراق ولبنان.
هذا الأمر يفترض أن ينعكس على الاجتماع الوزاري هذا الأسبوع لدول (4+1) وإيران، وقد يشهد انضمام وزير الخارجية الأمريكي أو من يمثله، أو أن يغادر الرئيس الفرنسي ماكرون إلى واشنطن للقاء ترامب الذي كان بحث هاتفياً مع الرئيس الفرنسي جهوده لإيجاد أرضية الحوار مع الإيرانيين وذلك قبل أن يبدأ كبير مستشاري ماكرون زيارة لطهران الثلاثاء الماضي.
ويقول الإيرانيون إن الكرة الآن في ملعب ترامب أولاً إذا كان يرغب في حل الأزمة فعليه الاستماع لما سينقله له الرئيس الفرنسي، وفي ملعب الأوروبيين بالدرجة الثانية إذا كانوا بالفعل جادين ويمتلكون الإرادة السياسية لحماية الاتفاق النووي وتنفيذ ما تم الاتفاق بشأنه مع موفد ماكرون في طهران، أو أن تعود طهران مرة أخرى إلى سياسية التصعيد مقابل التصعيد إذا واصلت واشنطن فرض عقوبات.