■ في حوار مع فرانس أنتير، ذكر المخرج السينمائي الإيطالي داريو أرجنتو، المولود في روما سنة 1940، والمعروف بإخراج أفلام الرعب، أن العمل السينمائي لا ينهض إلا على دعامة معاناة ما، وقلق ما، وهواجس ما، وهي أمورٌ يتم رفع منسوبها عند المتلقي بواسطة حرارة الألوان، والتنويع في المكان وضيقه، وتسارع الموسيقى المُصاحبة لحركة المَشاهد. وقد عُرفَ داريو أرجنتو بأنه «سيد القلق السينمائي» الذي يعتمد في أفلامه على باروكية عالية يمتزج فيها خوف الصورة مع خوف القصة، ليصنعا لدى المُشاهد ما يُسميه فرويد «الغرابة المُقْلِقة» من جهة ما هي رغبةُ في متابعة الفيلم ورهبة منه في الآن نفسه، ويكون ذلك مصحوبا بإثارة تعبيرية عالية.
كان أبوه منتجا سينمائيا وأمه مصورة فوتوغرافية، أمضى طفولته في استوديو والده، وهو أستوديو لوكساردو، الذي يتم فيه استعراض أشهر نجمات السينما الإيطالية آنذاك، حيث يقول واصفا ذلك: «أضاءت أمي الأنوار بالأستوديو، واختارت أوضاعا معينة لوجوه الشابات، اللائي كن جميلات للغاية، وأمرتهن بالابتسام مرة وبالإبقاء على تعبير عنيف لوجوههن مرة أخرى. هذه الرؤى وضعتني في حالة من النشوة، وفي هذا الوقت بالذات، اكتشفت شغفي بالسينما وبأهمية الضوء وبجمال المرأة».
ويذكر أرجنتو أن أول خوف كبير انتابه كان وهو في عمر الأربع سنوات، حين شاهد عرض مسرحية «هاملت» لشكسبير، بعد ذلك، صار يخاف من عبور الممر للوصول إلى غرفته، لم يكن خائفا من الظلام، ولا من الوحوش التي قد تظهر فجأة وتمسك به كما يتصور الأطفال في سنه، كان خائفا فقط وهذا كل شيء. وعن هذا يقول: «لقد كان شكلا مثاليا للرعب، شكلا خالصا، وبدون أسبابٍ واضحة». وقد تجلى هذا الشكل الخالص من الرعب في عيد ميلاده العاشر، حيث قضى إجازة مع عائلته في جبال الألب، وهناك شاهد الفيلم الأمريكي «شبح الأوبرا» لأرثر لوبين (وقد أُنتج عام 1943) وقام بدور البطولة فيه كل من كلود راينز وسوزانا فوستر. وهو فيلم كان قد أخافه وقتها ولكنه فتح عينيه على عالم غير معروف بالنسبة إليه، هو عالَم الرعب، وما يزال لذلك الفيلم صدى يتردد على ذهنه إلى الآن، إذ يقول عنه: «بمشاهدة هذا الفيلم اكتمل تحولي الفني. لقد أصبحت شبحَ ذاك الفيلم، أو إن الشبح صار أنا». ويُعد المخرِج داريو أرجينتو أيقونة لسينما الرعب منذ سبعينيات القرن العشرين، على غرار فيلمه «سوسبيريا» الذي تدور حكايته حول طالبة أمريكية اسمها سوزي تذهب إلى ألمانيا لدراسة الموسيقى في أكاديمية الباليه، ولكنها تصل في وقت متأخر من ليلة شتوية، وتكتشف أن هناك طالبة في الأكاديمية قد تم قتلها في شقتها، وتتفطن بعد ذلك إلى كونها صارت تعيش مواجهة مع شيء شرير وغير طبيعي جعل جرائم القتل والرعب الشوارعي تتصاعد من حولها. وقد استوحى أفلامه الأولى من أجواء «الـجيالو giallo» وهو نوع من السينما التي ازدهر إنتاجها في إيطاليا بين عامي 1960 و1980، وتقع دوما في ملتقى السينما البوليسية وسينما الرعب، وتنصب موضوعاتها على البحث عن قاتل ذي هُوية سرية، أو عن حل لغز جريمة مذهلة، ويتخلل كل ذلك وجودُ إثارة جنسية رفيعة.
ويذهب داريو أرجنتو إلى القول إن العنف، والعدوان، والإرهاب، والحروب، كلها أمور تُخيف الجميع إلى حد باتت مألوفة، لكنني أميل إلى استثمار الخارق والعجيب واللامعقول من جهة ما فيه من قدرة على أخذي بعيدا إلى عوالم وأكوان مجهولة وغامضة.
ويقول داريو أرجنتو أنه بعد أن ترسخت قدماه في صناعة السينما، تخلى عن أفلام التحقيق البوليسي وعاد إلى شغفه الأول وهو، الدخول في مغامرات سينمائية يعتمد فيها على محكيات عظيمة كتلك التي كتبها إدغار آلان بو، وقد استفاد في ذلك من تأثره بالمخرجيْن فيلليني وبرغمان، حيث راح ينوع من زخرفه السينمائي عبر إضافة أبعادٍ عميقة لأفلامه تتأسس على حشد الغموض والقلق النفسي اللذين لا يملك معهما المُشاهد سوى الانجذاب إلى الفيلم انجذابا ممزوجا بخوف كبير. ويتكئ أرجنتو في إحداث ذاك الخوف على كيفية بناء المَشاهِد من جهة تحريكها في أماكن متعددة في الآن نفسه وتكون مصحوبة بموسيقى الروك المتسارعة.
ويضيف أرجنتو قوله شارحا كل ذاك: «أفضّل بث الرعب في الجو العام للمُشاهد، وذلك باستخدام لقطات التعقب، هذه هي الطريقة التي أخلق فيها الخوف. فإذا بي أختار مثلا ممرا طويلا وضيقا وأُجري فيه حركة الكاميرا لالتقاط مشهد متحرك ويكون ذلك مصحوبا بموسيقى لاهثة، وبألوان حارة وصادمة لأعين المشاهدين، وبهذا أصنع لديهم شعورا بالخوف أكثر من خوفهم من مشهد قتل، وإنني أفضل دائما اتباع نهج تعبيري أكثر حركية وانفعالية من المشاهد المُطْمئنة، وأعتمد في إحداث ذلك على مسرحة الظلال والأشباح والتلاعب بهما، إنني أفضل ذلك على عنف الواقعية، إن ما أحرص على إظهاره في أفلامي هو الباطني، هو أعمق أعماق الشخصية، تلك المنطقة التي يسود فيها الظلام وتوقعُ ما لا يمكن توقعه، إضافة إلى تعويلي على الألوان الحادة، فهي تبدو في أفلامي قوية للغاية، وبها أستطيع التعبير عن تمجيدي للصورة وللقصة معا. وقد استفدت كثيرا من سينما «والت ديزني»، خاصة في «سنو وايت والأقزام السبعة»، حيث تبدو الألوان قوية جدا ولها صوتٌ. كما استفدتُ أيضا أيضا من أعمال جون فورد الذي يعد أول مَن استخدم تقنيات الألوان لزيادة تأثيرية الصورة في المُشاهد».
ويذهب داريو أرجنتو إلى القول إن العنف، والعدوان، والإرهاب، والحروب، كلها أمور تُخيف الجميع إلى حد باتت مألوفة، لكنني أميل إلى استثمار الخارق والعجيب واللامعقول من جهة ما فيه من قدرة على أخذي بعيدا إلى عوالم وأكوان مجهولة وغامضة، هي عوالم لانهائية لا يوجد لها تاريخ معلوم ولا قصة معروفة. ولا يُخفي المخرِج أرجنتو استثمار مرويات أفلامه من قصص سمعها في شمال إيطاليا، وهي تتمحور حول حكايات السحرة، وفيها تفسيرات غريبة لسلوك الشخصيات. ويؤكد أرجنتو قوله إن المرء يحتاج، لكي ينجح في صناعة الرعب السينمائي، إلى قدرة على تركيز عالية للغاية، وعليه أن يعرف كيف ينظر إلى داخل نفسه، أي عليه أن يتعرف مخاوفَه الخاصة والعميقة لكي يعرف كيف يُحولها إلى مخاوف عامة محمولة في عمل فني.
٭ كاتب تونسي