إرث الحجر… سيرة الآثار المنقولة

هذا كتاب جامع لتاريخ الآثار المنقولة في عمارة القاهرة الإسلامية لرضوي زكي، صادر عن الهيئة العامة للكتاب في مصر هذا العام. أهميته هي في دراسة تاريخ وكيف ولماذا تم ذلك وما فيه من صور. إن أيّ شخص يطوف في القاهرة القديمة ويشاهد مساجدها الإسلامية وخانقاناتها وقصورها وأسبلتها، سيري ذلك وقد يتوقف عنده لحظات مندهشا، خاصة أن ما نقل إلى هذه الأبنية جُلّهُ من الآثار الفرعونية.
هذا الكتاب يشرح بالتفصيل كيف تم ذلك، إما استعانة بما هو مهدم من آثار فرعونية ويونانية ومسيحية ورومانية، وإما سرقة، وإما إيمان بقدرة الآثار الفرعونية على السحر الذي أعتقده بعض الحكام مثل، الحاكم بأمر الله.
تقف الباحثة الشابة رضوي زكي المتخصصة في الحضارة والآثار وتاريخ العمارة المصرية، وصاحبة كتب مثل «إحياء علوم الإسكندرية.. من اليونانية إلى العربية» التي تشغل وظيفة باحث أكاديمي في مكتبة الإسكندرية، تقف في هذا الكتاب بتوسع وتأن. والكتاب من القطع الكبير يصل إلى ثلاثمئة وخمسين صفحة، وبدون شك كبر حجم الكتاب يناسب الصور الكثيرة والكبيرة التي تشهد على ما تم نقله.
مصر التي اعتبرت على مدار تاريخها كنزا نفيسا لمواد البناء، التي نُهبت وأعيد توظيفها في بناء العمائر والمنشآت الإسلامية. هذا الموضوع شغل العديد من الباحثين، الذين اعتمدت عليهم رضوي زكي، كما اعتمدت على الزيارات الميدانية. العمارة الإسلامية التي وفدت إلى مصر في القرون الأولى لدخول المسلمين، كانت تتسم بالبساطة، لكنها وجدت حولها عمارة مصرية قديمة فرعونية ويونانية ومسيحية ورومانية، كما كانت الحروب والغزوات للشام لها أثر في نقل أحجار وغيرها من هناك. كانت العمارة التي نشأت بعد هذا التأثر بالقديم تشي بأصحابها، وكان الخلفاء والولاة المسلمون يتبارون لتكون لهم القصور والجوامع وغيرها. وكما استعانوا بالقديم المُهَدَّم، أو سلبوا السليم منه، فعل بعضهم هذا، في ما تركه السابقون عليه من بناء. مسألة قيام الحاكم بمحو ما قبله لها تاريخ في مصر! الواقع أن كل أمة تنتفع بما قبلها من آثار، حتى تصبح صاحبة بصمة معمارية خاصة، وهذا ما حدث في مصر وإن كان من أكثر من طريق كما أسلفنا. الكتاب دراسة تتقصى تسعة قرون منذ دخول المسلمين، إلى العصر المملوكي، مرورا طبعا ببناء مدينة القاهرة على يد الفاطميين. ويتم تعريف مسألة إعادة استخدام الآثار في أكثر من تعريف، لكن الكاتبة تقتنع بالتعريف الإنكليزي «Spolia» فهو الأدق بين الآثاريين ومدلول المصطلح بأصله اللاتيني هو النهب أو الغنائم، خاصة غنائم الحرب.

في العصر الإسلامي كانت السرقة وراءها الخلفاء والولاة، فلم يقطع أيديهم أحد، وإن أفتى بعض الفقهاء بعدم الصلاة في مساجد بعضهم، بسبب هذه السرقة .

كما يشير إلى الاستخدام غير الشرعي للآثار القديمة. تتوقف الباحثة عند الأسباب بدقة وتوسع فهناك الدافع الاقتصادي لتوفر الآثار ومواد البناء القديمة من الأحجار، كما هناك دافع كسب الوقت. لم يكن الأمر جديدا، بل كان في عهد الفراعنة أنفسهم، لكن كانت جريمة سارق أحجار المقابر هي قطع اليد، وتشير إحدى البرديات إلى تنفيذ ذلك في سارق أحجار من مقبرة الملك سيتي – مرنبتاح، لاستخدامها في بناء أعمدة مقبرة أخرى. طبعا في العصر الإسلامي كانت السرقة وراءها الخلفاء والولاة، فلم يقطع أيديهم أحد، وإن أفتى بعض الفقهاء بعدم الصلاة في مساجد بعضهم، بسبب هذه السرقة مثل، الشيخ المرجاني الذي أفتي بعدم الصلاة في مدرسة المنصور قلاوون لذلك. وكما قلت كانت هناك دائما رغبة في محو ذكرى السابقين. والمسألة قديمة أيضا بعد الفراعنة، ففي العهد البطلمي والروماني كثير من الأعمدة والأحجار نُقلت إلى الإسكندرية العاصمة وقتها من مدن في صعيد مصر، ومن أماكن مثل عين شمس لتزيين المدينة الجديدة بالآثار القديمة. قاعدة عمود دقلديانوس مثلا – عامود السواري – أحجار منقولة من عين شمس عليها نقوش فرعونية كما نَقل العرب إلى الإسكندرية أيضا أعمدة استخدموها في منشآت مثل صهاريج المدينة وأسوارها. تماما كالقاهرة التي توسعوا في ذلك فيها.
القاهرة التي ازدهرت كثيرا تحت حكم سلاطين المماليك 1250- 1517 كثرت فيها المنشآت والأوقاف الخيرية، وشهدت ازدهارا اقتصاديا كبيرا كان وراء الإكثار من بناء المنشات العامة. الكاتبة تتقصى الأمر في كل العهود الإسلامية. الدولة الأموية والعباسية وتأتي بشواهد بصرية وشواهد حتى من كتب التراث العربية مثل المقريزي وغيره الذي قال إن «جامع الفسطاط القديم بعض عُمده أو أكثرها ورخامه هي من كنائس الإسكندرية وأرياف مصر» إنها تقف مع الدولة الطولونية والفاطمية عند إنجازاتهم المتعدد بما فيه الجامع الأزهر، الذي جاءت أعمدته في معظمها على الطراز الروماني أو البيزنطي، واستخدم مثلها في جوامع مثل جامع الأقمر والصالح طلائع. كان بعضها قد تمت صناعته في العصرالإسلامي متأثرين بشكل الأعمدة القديمة التي كان المصريون أول من استخدموها في عمارتهم، وكانت تيجانها على شكل زهرة اللوتس، ثم كانت الأعمدة اليونانية ومنها ما سمي بالعمود الدوري، وكان قويا بسيط التاج خاليا من الزخارف والعمود الأيوني، وكان مزخرفا، وأيضا العمود الكورنثي وهو أهمها وتقارن بين أعمدة كل العصور في الشكل والزخرفة. وطبعا تأتي بما جرى في عصر الدولة الأيوبية وبناء القلعة ومحاولة صلاح الدين هدم الأهرامات الصغيرة، لاستخدام أحجارها في بناء القلعة، وتناقش ذلك وغيره باستفاضة، خاصة في ما يخص بناء سور القاهرة، الذي كانت معظم أحجاره من المقطم أو من مدن مثل أبو صير، وكانت أحجار المقطم جديدة من الحجر الجيري. وتشغل اعتداءات بعض الحكام على آثار بعضهم أو على الكنائس مكانا في الكتاب، مثل اعتداء الملك الصالح نجم الدين أيوب 1240-1250 عند بناء قلعة الروضة على كنيسة جوار مقياس النيل، ومساجد هدمها وصلت إلى ثلاثين مسجدا، في قول بعض المؤرخين. وكذلك ما فعله السلطان المؤيد شيخ حين بنى جامعه بالقرب من باب زويلة.
هذه مجــــرد أمثلة هنا فالكتاب فيه ذكر لكل الآثار الإسلامية القائمة والزائلة وما فيها من آثار منقولة أو مصنوعة أو مسروقة، وتقف الباحثة رضوي زكي بالتفصيل عند كل أثر إسلامي في القاهرة، ما يجعل الكتاب أشبه بالموسوعة الشاملة بذلت فيها كثيرا من الجهد والدراسة التي تستحق كل تقدير.

٭ روائي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية