نشر ما أغدقه بنيامين نتنياهو من ثناء على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كما جاء حرفياً. حصل هذا الأربعاء الماضي، في منزل السفير المصري بإسرائيل، خالد عزمي، في هرتسيليا بيتوح. نحو 150 مدعواً، معظمهم إسرائيليون وبعضهم أجانب، تلقوا الدعوة للمشاركة في الذكرى الـ 67 لإقامة جمهورية مصر العربية. وعزفت بلادي بلادي، النشيد القومي المصري وهتكفا. وألقى السفير كلمة، وبعده تحدث رئيس وزراء إسرائيل. “في لقاءاتي مع الرئيس السيسي تأثرت من زعامته، بل ومن حكمته أيضاً”، قال نتنياهو. “الرئيس رجل حكيم. فقد أطلعني على طبيعة التحدي الذي يواجهه. هو زعيم حكيم، شجاع وقوي، ونحن نتوقع بشوق تواصل التعاون بيننا”.
منذ أن قال وزير الدفاع، فؤاد بن اليعيزر، عن حسني مبارك إن من يجلس في القاهرة ينام الليل، لم تصدر من القدس كلمات حارة بهذا القدر عن الرئيس المصري. فقد استولى السيسي على الحكم قبل ست سنوات، ومنذئذ بدأت تتطور بينه وبين نتنياهو الصداقة العميقة. وعلى الساحة العشبية في هرتسيليا بيتوح، تحدث نتنياهو عن التحدي وكشف الحصانة من النقد. إسرائيل بقيادته تحصن بثبات الرئيس المصري من النقد. ست سنوات، ولم نسمع كلمة نقد واحدة على القاهرة. هذه ليست مناورة تزلف ومجاملة ولا ضريبة كلامية، إنما كانت الأقوال صادقة.
أضاف نتنياهو ووصف السيسي في المناسبة إياها “بصديقي الطيب”. هذا تعبير شخصي ومشحون، يشهد على علاقات تتجاوز شؤون العمل. كلاهما يتحدثان هاتفياً على نحو ثابت، ويمكن الافتراض بأنهما التقيا أكثر مما نشر عن ذلك. هذه منظومة علاقات استثنائية تستند إلى الشخصية الخاصة لكليهما.
لن نعرف ما الذي نجح في طبيعة السيسي لكسب ود رئيس وزراء إسرائيل، المعروف بتحفظاته وتخوفاته من العرب بصفتهم هذه. في هذه الأثناء، ثمة جملة من المزايا كفيلة بأن ترتبط معاً. كلاهما يعيشان إحساساً بالتهديد الوجودي، يكافحان الإرهاب، وينتميان إلى الجانب المحافظ من الخريطة السياسية. بالنسبة لكليهما، فإن وسائل الإعلام تعد مصدر إزعاج. كلاهما لا يعانيان من عطف زائد من جانب شرائح كثيرة في الجمهور. كلاهما أمنيان مع خلفية استخبارية (نتنياهو نشأ في سييرت متكال، السياسي في منظومة سلاح المشاة، ولكن في منصبه الأخير كان قائد سلاح الاستخبارات العسكرية)؛ وكلاهما حساسان لكرامتهما ولما يقال عنهما علناً.
بالنسبة للإسرائيلي العادي، فإن الدور المصري في هذه الأيام يتركز في قطاع غزة. يتوسط المصريون في أوقات سفك الدماء وأيام القتال، ويعملون على حمل الطرفين على وقف نار دائم. وهذا دور مهم، ولكن مجال العلاقات الأمنية بين الدولتين أوسع من ذلك. عندما تحولت أرض سيناء إلى ساحة لإطلاق الصواريخ إلى ايلات، بعث السيسي بجنوده لمطاردة زارعي الشر والقضاء عليهم. بالنسبة له، هذه مسألة سيادة. قال السيسي في إحدى المقابلات إنه “لا يحتمل أن تتحول الأرض المصرية لتكون قاعدة للهجمات على الآخرين”.
على الساحة الخضراء في منزل السفير، أضاف نتنياهو وقال إن لإسرائيل علاقات مع دول عربية أخرى. ويبدو أنه قصد بالأساس اتحاد الإمارات والسعودية. للمملكة السعودية قاطع شاطئ طويل، ولكن سلاح البحرية لديها ليس كبيراً بما يكفي ليحميه. من يعوضها عن ذلك هو سلاح البحرية نفسها.
يعمل الأسطول المصري في الخليج، في منطقة نزاع ساخنة، لإسرائيل مصلحة أيضاً. كما أن اتحاد الإمارات يعد صديقاً لمصر. ولعله الأقرب منهم جميعاً. فحسب التقارير، فإنه صديق لإسرائيل أيضاً. فهل يوجد أمامنا ائتلاف إسرائيلي، مصري، إماراتي وسعودي؟ تخيلوا أي مغامرات تجد إسرائيل نفسها حرة في تنفيذها ضد طهران المجاورة حين يكون إلى جانبها سلاح البحرية المصرية.
غداة الحدث في منزل السفير، وكذا في الأيام التالية، لم أجد صدى لأقوال نتنياهو في الصحافة المصرية. فقد أبعدت الرقابة المصرية نشر الخبر عن الجمهور. ومستهلك الإعلام المصري العادي لا يعرف ما الذي يفكر فيه رئيس وزراء إسرائيل عن رئيسه. ومع ذلك، لا نعرف بالضبط ما يكفر به السيسي عن نتنياهو، وأي مكان تحتله إسرائيل في قلبه. هل هي صديقة حقيقية، أم مجرد شريكة تجارية. ورغم ذلك، فإن العلاقات التي نسجت بين الرجلين هي تطور مبارك طالما شكلت وسيلة لتعزيز الاتصال بين الدولتين ولم تصبح هدفاً بحد ذاته. إن الاختبار الكبير لن يكون بقاء هذه العلاقات بل جدواها. فهل ستنجح الأطراف في أن تمنح، بعد 40 سنة، السلام للشعوب أيضاً.
على مدى ثلاث ساعات ونصف، جلس حسن نصر الله، الجمعة الماضي، لإجراء مقابلة معه في قناة “المنار” الخاصة به. نصر الله هو الزعيم الأكثر تشويقاً، تحدياً وثقافة في المنطقة، وكل مقابلة له، مثلما قلت ذات مرة، مشوقة حتى التعب. في إحدى لحظات المقابلة، سُئل نصر الله عن تهديدات الوزير يوآف غالنت الذي حذر حزب الله من مغبة جر إسرائيل إلى الحرب، إذ عندها سيعاد لبنان إلى العصر الحجري. فبسط نصر الله مذهبه المعروف عن شبكة الصواريخ التي لدى رجاله، ولم يتردد في أن يتساءل: “فمن إذن سيعيد من إلى العصر الحجري؟”.
الصحافي علي قاسم، سوري يسكن في تونس، هزئ من تهديدات نصر. ففي مقال نشره في موقع “العرب” للأخبار، أثبت قاسم بأن الزعماء العرب يروجون للعنف بدلاً من المعرفة والتكنولوجيا.”يعرف نصر الله بأنه لا يمكنه أن يلقي بالصهاينة إلى البحر، وليست لديه النوايا لعمل ذلك”، هزئ قاسم وواصل: “بل ويعرف السيد نصر الله، الخبير جدًا في التراث العربي، بأنه لا يوجد ما يبرر الخوف من الكلاب النابحة، في الغالب لا تعض”.
احتلت ملاحظات المحلل السوري المنفي مكاناً مركزياً في حديثي هذا الأسبوع مع شاؤول منشه، من قدامى صوت إسرائيل بالعربية. قلة في إسرائيل يعرفون منشه، ولكن المستمعين العرب في أرجاء المنطقة يعرفونه جيداً. ففي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات شكل برنامجه الأسبوعي “أكاذيب وحقائق” الرد الإسرائيلي، باللغة العربية على الهجمات السياسية على إسرائيل.
“لسنوات، جلست وأطلقت في الإذاعة شرحاً إعلامياً للعرب”، قال منشه بصوت مندهش: “ولكني لم أجرؤ أن اسمي زعيماً عربياً “كلباً”. وها هو من يفعل هذا؟ صحافي سوري”.
أجبت صديقي الذي خاض المعارك الكثيرة بأن الأزمنة تغيرت. فاليوم يتنافس الزعماء ورؤساء الدول فيما بينهم من يستخدم لغة فظة أكثر. أنهينا الحديث وكل اتجه في طريقه. وتذكرت المثل العربي الذي يقول: “إذا كنت لا تحتاج الكلب فسمه كلباً، وإذا احتجته فادعه الحاج كلب”.
بقلم: جاكي خوري
معاريف 19/7/2019