ديوان «أوراق متساقطة» اعترافات خريف العمر جمّعها ألميدا غاريت ونشرها سنة قبل وفاته، قصائد تبوح عن طيب خاطر بما تساقط عن إصرار من شجرة حياة ظلت صامدة أمام تعاقب الفصول والدورات، أوراق لم يرد لها التآكل في صمت أو الإصفرار بدون جدوى، فأخرجها لتبوح ليس فقط بحبه لامرأة متزوجة من الطبقة الأرستقراطية روزا دي منتوفار، كما يرى البعض، وإنما في تكريم أصدقائه الموتى، في مساءلة الحياة، في البحث عن الله، في محاولة القبض على ماهية الحب، في الضحك والبكاء، في الجدوى والعبث، في التغني ومعاتبة الذات… حالة وجدانية وروحية تصاعدت حدّتها في أواخر حياته، ليعلن إثرها في مقدمة الديوان عن موته على الأقل كشاعر لم يعد يجد ما يقدم لجمهوره:
« قبل أن يأتي الشتاء وتنثر الريح أوراق الشعر هذه التي سقطت من هنا، دعونا نختار واحدة أو أخرى تستحق المحافظة عليها حتّى ولو للذكرى. وقد جعلتُ حقّا من بعض القصائد آخر ذكرى لحياتي الشعرية، خَدعتُ الجمهور، لكن عن نيّة سليمة، لأني خدعت نفسي أولا، تبرّمات الشعراء الذين دائما ما يقولون وداعا للعالم، ويموتون حاضنين الغار – مجرد خيال أحيانا لأن ما من أحد يُتوِّجُ الشعراء». وفي تعريفه بقصائد «أوراق متساقطة» قال: «الأنشودات التي تكون هذه المجموعة الصغيرة تعود كلها لفترة من حياة حميمية ومختزلة، ولا تحمل أي شيء من مجموعاتي السابقة. إنها تظهر بشكل أو بآخر الشاعر الذي يغني أمام الجمهور، الأوراق المتساقطة لا أحد سيقول مثلها، أو القلة من سيفهمون الأساليب وطرق الغناء. لا أعرف إن كانت جيدة أو سيئة هذه الأبيات؛ أعرف إنني أحبها أكثر من الأخريات التي نظمتها قبلا، لماذا؟ يستحيل أن أقول، لكنها الحقيقة، لكنني أعلم أن «أوراق متساقطة» تقدم الحالة الروحية للشاعر في تنوعها، شكوك وترددات النفس الساعية نحو نهايتها الوحيدة: امتلاك المثالية».
يختزل الديوان، كما سبق، الصراع النفسي والعاطفي الذي طالما حاول ألميدا غاريت كتمانه قبل أن يقرر تخليص روحه، عبر اعترافاته الصادقة كما يصفها، وقد استمد جرأته في ذلك من ملهمته روزا دي مونتوفار.
لكن كما استشعر ألميدا غاريت لم يستسغ المجتمع البرتغالي المحافظ في القرن الثامن عشر قصائده في البداية، واعتبر ديوان «أوراق متساقطة» فضيحة على كل المستويات، ليس فقط لأنه يحمل مضمونا لاأخلاقيا يتمثل في اعترافات غير مقبولة بهيامه بامرأة متزوجة وشخصية اجتماعية معروفة، وتداعيه الحر المنفتح عن صورتها التي تتأرجح بين التقديس والاشتهاء، أو في بحثه عن الله وأسئلته عن الوجود والانتفاء، وإنما في الأسلوب الجديد في الكتابة والتحديث الشعري، من خلال توظيف الخصائص الرومانسية، التي قطعت مع الكلاسيكية السائدة في تلك الفترة، وكرست لمحاولات الجيل الأول – الذي من رواده ألميدا غاريت- في التحرر من قيود التقليد ونمطية الشكل والأسلوب، فتعويض صوت الجماعة بصوت الأنا، التجديد على مستوى الصور والايقاع، التأثر بالأغاني الشعبية المنحدرة من الأصول الأندلسية، وتوظيف لغة يومية درامية هيمن على النصوص.. ما جعل منه عملا رومانسيا بامتياز، مكتمل الأركان ونقطة التحول والانتقال الذي ستعرفه القصيدة البرتغالية في ما بعد.
وإن كان هذا التجديد قد تم على مستوى المضمون كما الشكل والأسلوب المتمثل في تغيير البنية الإيقاعية حدّ التأثر بنمط الموشحات حتى تستوعب التعبير الحر المنفتح، وتوظيف لغة شعبية عفوية ذات طابع انفعالي عاطفي، إدخال الأسلوب الدرامي والإكثار من المونولوج، وظيفة الصور الشعرية التي أضحت مع غاريت تعبيرية تخدم المضمون عوض وظيفتها التزيينية عند الكلاسيكيين، حيث اعتمد تقنية التشخيص والأنسنة، وجعل من الطبيعة ملاذا يؤنس وحشته، يبث إليها شكواه، وشريكا يتقاسم مع الشاعر أحزانه ومعاناته… فإن مضمونه بتنوع ثيماته التي تظهر وحدة وتخفي حيرة فكرية ونزاعا وجوديا، خلق جدالا وحراكا مهمين بين الأوساط الثقافية لعقود.
يختزل الديوان، كما سبق، الصراع النفسي والعاطفي الذي طالما حاول ألميدا غاريت كتمانه قبل أن يقرر تخليص روحه، عبر اعترافاته الصادقة كما يصفها، وقد استمد جرأته في ذلك من ملهمته روزا دي مونتوفار، أميرة النور التي لا تمثل صورة المرأة الحبيبة فقط، بل تختفي من وراءها أسئلة الشاعر المؤرقة حول مفهوم الحب، طبيعة المرأة، الألم والسعادة، التضحية والمقابل… وفي هذا الجانب يمكن أن نتتبع رحلته في تصوره لهذا الحب، المراحل التي قطعها والتي يوثق قصصها في ثلاث قصائد مهمة : شرارة الحب الأولى في قصيدة «فرح وألم» التي تصور الحبيبة باعتبارها مصدر إغراء وإلهام وتعتبر الحب ألَما ممتعا:
إذا كنت سعيدا عزيزتي
مع هذه الرقة الهائلة
بم يملأني حبّك؟
لا لا، تنقصني الحياة
أن أشبع روحي بالسعادة
الإغراق في الفرح ألم
يعذب روحي، نعم، والحزن
فارغ، خامل وبدون هاجس
لا أدري إن كنت حيّا أم ميّتا
يعترف الشاعر في هذه المرحلة الأولى بإحساس الحزن الذي يكتنفه ويحاول تبرير الألم، الذي يعيق استمتاعه بتلك المشاعر الجديدة، لكن بدون جدوى، ليخلص في النهاية إلى أن الحبيبة مصدر الألم والفرح في آن، وهي المفارقة التي يدخلها الحب في روح المحب، وفي الأخير استسلم لفكرة أن الألم متعة في حدّ ذاته، فقد يتحول الألم لمصدر سعادة، من طبيعتها أيضا أنها غير دائمة، لكن يظل ألما محببا يشعل شرارة الشغف واللذة. وتتطور قصة الحب ومحاولة فهمه ليدخل الشاعر مرحلة جديدة يبدأ فيها بالتساؤل عن جدواه، والشك في إمكانية استمرار تلك الشرارة، وبدء فقدان الرغبة في الحب، وكعادة الشاعر الرومانسي سيرى في الماضي ذلك الحلم البعيد وذكريات الصفاء والسلام، أما حاضره فلا يحمل سوى الغربة والبأس والأفق المسدود، فيتحول تبعا ذلك الحب إلى جحيم كما توضح قصيدة: «جحيم الحب هذا»:
ذكريني بيوم جميل
أمضيته… الشمس كانت جد مشعة
وعيني، كيف صارت غامضة،
في عينَيها المحترقتين وضعتهما
ماذا فعَلت؟ ماذا فعلت أنا؟ لا أدري
لا أعرف، لا أتذكر: الماضي،
في الحياة الأخرى التي عشتها مرة
كان حلما ربما ـ كان حلما
في أي سلام هدوء نمت
آه! كم كان حلوا هذا الحلم
من أتاني هناك وأيقظني؟
في هذه القصيدة أو المرحلة، يعادل الحب الحياة كلّها، لكنه حب حلم قد يكون قد عاشه حقا، لكنه أضحى اليوم سرابا، غير حقيقي، ولم يعد سوى ذكرى، ألم… فجحيم. مع أنه لا يعمم بأن الحب كلّه جحيم، بل يخصصه في حبه هذا أي من يحبه هو بصفة شخصية. تميزت هذه الفترة بالخذلان والانكسار الذي يسبق القطيعة عن وعي تام بلا جدوى الاستمرار، في ظل ما سماه بـ«الضعف الحميمي» وهو ما ولّد لديه إحساسا بالإهانة:
أما زلت تحبّني؟
تخطئين: لقد مات، انتهى
تبدّد الوهم
الأحلام الذهبية الساحرة
التي يدعوها العالم حبّا
قطيعة سينتهي إليها عن عقلانية واكتفاء، مسجلا نوازعه الأخيرة في مجموعة من القصائد خاصة قصيدة «وداعا»:
وداعا! للأبد وداعا!
هيّا، آه! اذهب الآن
أحس بعدالة السماوات
تسحق روح الذي يبكي
أنا أبكي لأني لم أحبك، أنا
أبكي على الحب الذي منحتني
ماذا سأخسر! أيييه لا أدري
لكنك… لم تفقدي أي شيء
سوى قلبي السيئ هذا
في العلب السرية
في النهاية أيقن ألميدا غاريت بعدم قدرته على الاستمرار في الحب الذي أضحى ملازما للشر، جعل منه شخصا سلبيا، ملعونا أسير سوء الحظ والحنين المؤرق للماضي. في خضم البوح بهذا الحب الذي بدأ شغفا وانتهى لعنة، يمكن الكشف عن صور متعددة للمرأة، التي عادة ما يتم وضعها في تقابلات فمرة نجدها المرأة/ الملاك كما في قصيدة «ملاك هي» نموذج المرأة المسيطرة التي تملك القدرة على إخضاع الشاعر وكبح أناه، أخضعته كما لم تفعل أي واحدة قبلها، لكن ما الخصائص التي جعلتها في نظره ملاكا؟ جسدها الذي يرغب فيه الشاعر ولم يستطع معه مقاومة:
ملاك أنت، هذه القوة
لم تملكها امرأة قط
ملاك أنت، تسيطرين عليّ
وجودك وجودي إلى ما لا نهاية
أما في قصيدة «الحواس الخمس» فنجد نموذج المرأة/الغاوية المثيرة التي استدعت كل حواس الشاعر وأثارته بجماله الجسدي فخلخلت فكرته المثالية عن الحب الروحي، وتحولت تبعا لذلك من المرأة الملاك إلى المرأة الشيطان التي تزيغ بإيمان الشخص:
إنها جميلة، أعلم جيدا، هذه النجوم
ألف لون، رائعة هي هذه الزهور
لكنني لا أملك، حبا، عيونا من أجلهن
في كل الطبيعة
لم أر جمالا آخر
غيرك غيرك