شهد الأسبوع المنصرم ضبطا جديداً لايقاع تواجد السوريين في تركيا، إذ أصدرت وزارة الداخلية جملة من الإجراءات الجديدة تتضمن ترحيل الأجانب المخالفين إلى خارج الحدود، إضافة إلى ضبط توزع اللاجئين كلاً حسب الولاية المالكة لسجلاته القانونية والمانحة له حق الحماية المؤقتة، في حين كانت العاصمة السياحية اسطنبول أحد أبرز المواقع التي تركزت عليها مخرجات أنقرة الجديدة.
وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، أعلن في 13 تموز/يوليو الحالي، عن مقررات جديدة للحكومة بما يخص تنظيم تواجد السوريين في الأراضي التركية، حيث أشار إلى أن كل مقيم كان يقيم في إسطنبول وهو لا يملك حتى الآن إقامة أو بطاقة الحماية المؤقتة فهو “مخالف” وبالتالي معرض للترحيل إلى بلده، كما أن المقيم في اسطنبول ومسجل كلاجئ أصلا بولاية أخرى سوف يتم ترحيله إلى تلك الولاية التابع إدارياً لها.
معادلة “المهاجرين والأنصار” كانت حاضرة بقوة خلال بيان الإجراءات الجديدة من قبل الوزير التركي، حيث أكد صويلو، عدم وجود أي تغيير في هذه الثقافة، وأن تركيا لن تتخلى عن مفهوم “المهاجرين والأنصار” بما فيها طريقة التعامل مع السوريين.
إلا أن المسؤول التركي أكد وجود تنظيم ملف الهجرة في تركيا النظامية والمخالفة لذلك، وصولاً إلى تبني إجراءات قانونية مشددة في أحزمة العقوبات والترحيل للمخالفين، ومعاقبة المجموعات التي تعمل بشكل غير شرعي في التهريب والتزوير وغيرها من الملفات.
محلياً، قامت إدارة مديرة الهجرة التركية في أنقرة، بتوجيه تحذيرات خاصة للسوريين، تطالبهم من خلالها بالتزام القوانين المنصوص عليها ضمن المديرية العامة للهجرة، وفروعها في المحافظات.
مديرية الهجرة، وهي تعتبر المسؤول الأول عن السوريين في تركيا من النواحي القانونية، أكدت أن أي انتهاك للإلتزامات والقوانين، ستعرض صاحبها إلى إجراءات مشددة تصل بحسب “المادة الثامنة” من لائحة الحماية المؤقتة إلى إلغاء حق الحماية، إضافة إلى تنبيهات إدارية بضرورة حصول اللاجئ السوري على “إذن سفر” من الجهات المعنية في حال الرغبة بالتنقل من ولاية تركية إلى أخرى.
ضغوط خارجية وحراك داخلي
وزير الداخلية التركي، أفاد أيضاً، بأن بلاده تخوض واحدا من أهم الامتحانات الإنسانية عبر التاريخ، حيث استقبلت اللاجئين على الدوام، بدءا من بلغاريا، والقوقاز، والبلقان، وانتهاء بسوريا مع انطلاق الثورة هناك عام 2011 مشيراً إلى وجود 3 ملايين و630 ألف سوري تحت بند الحماية المؤقتة في تركيا، وأكثر من مليون أجنبي ممن لديهم بطاقات إقامة، فضلا عن 300 ألف شخص تحت بند الحماية الدولية.
ونقل الشيخ أسامة الرفاعي رئيس المجلس الإسلامي السوري، عن وزير الداخلية التركي بعد اجتماع ضمهما مؤخراً، تأكيدات عن المسؤول التركي بالحفاظ على ثقافة “المهاجرين والأنصار” وأن لم تتخل عن الثقافة المعمول بها مع اللاجئين السوريين داخل الأراضي التركية.
الوزير التركي بحسب الرفاعي، أشار إلى ممارسة ضغوط في الفترة الراهنة على الحكومة التركية من قبل المعارضة المحلية وبعض الدول بما يخص السوريين، إلا أنها لا تزال تبحث عن حلول مرضية للاجئين كـ “إعطاء إقامات طويلة الأمد” مؤكداً عدم وجود أي أذى للسوريين في الداخل التركي، خاصة ممن يحملون أوراقا قانونية.
ما هي ثقافة المهاجرين والأنصار؟
تصاعدت حدة الاشكاليات حول السوريين في تركيا مع الانتخابات البلدية الأخيرة التي شهدتها البلاد، وخاصة بعاصمة تركيا السياحية اسطنبول، حيث حشدت المعارضة التركية إعلاميا ومحلياً لتقليب الأتراك على السوريين، واستخدامهم كورقة ضغط ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وثقافة “المهاجرين والأنصار” تساوي في مضامينها في الحقوق بين المواطن التركي والسوري، ولكن بواجبات أقل بالنسبة للاجئ، وتحمل في جعبتها أواصر اخوية وأخلاقية في طريقة التعاطي بين المسلمين، والمقصود هنا بين الأتراك والسوريين.
رئيس المجلس الإسلامي السوري الذي يتخذ من اسطنبول مركزاً له، نقل عن لسان الوزير التركي، قوله: في حال لم تلتزم الحكومة بالإجراءات الأخيرة، فإن كامل تركيا ستتعرض لـ “الأذى” وأن المعارضة لا تكل ولا تمل من ممارسة الضغوط بهذا الاتجاه.
وأكد الوزير التركي بحسب الرفاعي، عدم وجود أي نية لترحيل أي سوري يمتلك “بطاقة الحماية المؤقتة” إلى الشمال السوري، أما المخالفون في التنقل داخل الولايات التركية، فأقصى ما سيتم فعله، هو إعادة ضبطهم ضمن الولايات التي قاموا بتسجيل قيودهم فيها.
الباحث السياسي السوري عبد الوهاب عاصي، رأى من جانبه، أن ثقافة المهاجرين والأنصار التي تتبناها الحكومة التركية الحالية وحزب العدالة والتنمية هي أحد أبعاد السياسة الخارجية، والتي بدورها أيضاً تنطوي على بعد أخلاقي.
أبعاد سياسية
حديث البعض بتخلي تركيا عن هذه الثقافة يعني تراجعها عن أحد أهم أبعاد السياسة الخارجية، وهو أمر مستبعد تماماً، لكن الإجراءات الأخيرة نبّهت إلى الكيفية التي تتعامل بها تركيا مع هذا الملف، ومدى حضور البعد الأخلاقي فيه.
وفي هذا الإطار يقول عبد الوهاب عاصي لـ “القدس العربي”: لا سيما وأن الأمر لا يتعلّق فقط باللاجئين السوريين على الأراضي التركية، بل أيضاً بالذين يحاولون العبور إلى أراضيها بشكل غير شرعي، فقد تم تسجيل انتهاكات بحق العديد منهم، وكان يُمكن تفادي ذلك بإجراءات أكثر التزاماً بالقوانين الإنسانية.
كذلك الأمر مع القرارات الأخيرة المتعلّقة بالحماية المؤقتة، حيث اتّبعت أجهزة الشرطة سياسة صارمة وغير تدريجية في التعامل مع السوريين، وكان بالاستطاعة التعامل بشكل أكثر ليونة أي إعطاء تحذيرات ومنح مدّة بما ينسجم مع ثقافة المهاجرين والأنصار وبما يراعي المصالح الأمنية والسياسة الداخلية لتركيا.
ويبدو أن الحزب الحاكم – من وجهة نظر الباحث السوري – لا يملك تصوراً واضحاً لإدارة ملف الهجرة التي لا يمكن أن تتوقف في تركيا وفق ثقافة المهاجرين والأنصار، وقد يحتاج إلى مراجعات كبيرة لوضع معايير أمنية وأخلاقية وسياسية تساعد على تعزيز صورة تركيا أمام الشعوب المضطهدة، هذا في حال أرادت تركيا استمرارها في الصعود كقوة دولية على المستوى الإقليمي والعالمي.
ردود أفعال
وفي بعض ردود الأفعال التي رصدتها “القدس العربي” على السوشيال ميديا، يقول محمد انلميش، وهو صحافي تركي: “ليس كل حديث في تركيا عن حل أزمة السوريين في المدن هو حديث عنصري موجه ضد السوريين، كما أن غالب الإنتقادات موجهة لسياسات حزب العدالة والتنمية أو للمؤسسات المهتمة، وليست للسوريين، والموضوع أصبح عاملاً في كل التجاذبات السياسية لإن هناك مشكلة لم تحل منذ 5 سنوات، وهذه المشاكل المتراكمة التي فاقمت من معاناة السوريين أولاً وأخيراً لم تحل لا يبدو أن هناك عملا على حلها”.
أما محمد كناص وهو إعلامي سوري، فاعتبر أن القرارات التركية الأخيرة تصب في مصلحة السوريين، وليس عكس ذلك، وقال: السوريون يتجاوزون عشرات القوانين منذ ثمان سنوات في حين يخضع لها المواطن التركي، واليوم ببساطة يجري اخضاع الجميع لهذه القوانين، والقرارات الجديدة تسرع من عملية دمج السوريين بالمجتمع التركي، وكذلك تحميهم أمام القانون وتعفي التيارات السياسية التي تدافع عنهم من الحرج.
حملة تخويف
الباحث السياسي السوري فراس فحام، يقول عبر حسابه في فيسبوك: هناك حملة تخويف غير مسبوقة للسوريين المقيمين في تركيا، لم يتضح حتى الآن من أطرافها، مشيراً إلى امتلاك غالبية السوريين لأوراق ثبوتية صادرة عن إدارة الهجرة والجوازات.
هناك دوريات شرطة تركية منتشرة على الطرقات منذ أعوام وتقوم كل فترة بتوقيف السيارات التركية والسورية للتحقق من الأوراق الثبوتية، لكن الآن هناك تدقيق على ضرورة حمل الأوراق.
الجديد في القرارات، وفق الباحث، هو إلزام المحلات والشركات بالترخيص، واستخراج الترخيص متاح وإن كانت هناك تكاليف له، لكن صاحب المحل أو الشركة سيضيف التكاليف لنفقات رأس المال ولن يدفعها من جيبه.
لبننة الملف السوري في تركيا
أما الصحافي السوري ماجد عبد النور، وهو يتواجد في الداخل السوري فيقول: ملف اللاجئين السوريين في تركيا يسير بخطا متسارعة نحو اللبْنَنَة على الطريقة الباسيلية، تحريض عنصري عالي المستوى وتضييق عبر قرارات تعجيزية فملاحقات فترحيل.
واعتقد عبد النور وفق ما نشره في فيسبوك، أن هناك إرادة دولية تدفع بهذا الإتجاه والدور قادم على لاجئي ألمانيا وأوروبا على العموم، هذا هو الواقع وغير ذلك هو كلام معسول وتبريرات لا معنى لها لن تغيّر من حقيقة الأمر.