بين الغرب وإيران… شد حبل يخرج عن توازنه

حجم الخط
0

البيان التهديدي لوزير الخارجية البريطاني، جيرمي هانت، الذي بحسبه ستكون هناك “تداعيات خطيرة” لاحتجاز ناقلة النفط البريطانية من قبل إيران يوم الجمعة، أثار على الفور التقديرات بأن بريطانيا وليس الولايات المتحدة ستكون هي رأس السهم في العملية العسكرية ضد حرس الثورة. ولكن هانت سارع إلى التوضيح بأن بلاده لا تبحث عن خيار عسكري بل عن حل سياسي. ومن بريطانيا التي لها علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران والتي تتمسك بالاتفاق النووي لن تكون هناك بشرى لأولئك الباحثين عن الحرب ضد إيران.

واشنطن أيضاً لا تسارع إلى تسليح طائراتها وتوجيه صواريخها استعداداً لعملية عسكرية، التي يمكن أن تقود المنطقة إلى حرب شاملة. إلى جانب التهديدات والتحذيرات التي يرسلها ترامب، فقد صادق الأسبوع الماضي للسناتور الجمهوري ران بول بالالتقاء مع وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف في نيويورك لإيجاد مسار نجاة من أزمة الخليج. إيران تتبع استراتيجية مشابهة، فمن جهة تهدد حرية الملاحة في الخليج الفارسي وتحذر من أن أي هجوم عسكري ضدها سيرد عليه بهجوم مضاد مصمم. لكن ظريف، في الوقت نفسه، أعلن أن بلاده ستكون مستعدة لإضافة ملحق للاتفاق النووي تتعهد فيه إيران بالسماح لرقابة مشددة وأكثر شمولية على منشآتها النووية إذا تم رفع العقوبات عنها.

ظريف لا يعبر عما يدور في قلبه، فهو يعرض موقفاً إيرانياً رسمياً قد يشكل نقطة بداية للمفاوضات، حتى لو كان هذا الموقف غير مقبول لدى واشنطن في هذه الأثناء. أهميته الأساسية هي أنه خلافاً للتصريحات الثابتة للزعيم الأعلم علي خامنئي، التي رفض فيها حتى الآن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، فانه يسمح الآن بسحب القليل من الخيط من داخل الشرنقة المتشابكة لفحص رد واشنطن.

في السابق أثبت خامنئي أنه يميل في وقت الأزمة لتبني سياسة “المرونة البطولية” التي اخترعها لتبرير المفاوضات حول الاتفاق النووي. في العام 2002 سمح للرئيس في حينه محمد خاتمي بالاتصال مع الرئيس الأمريكي جورج بوش ليعرض عليه مفاوضات بشأن المشروع النووي مقابل تعهد بأن لا تقوم واشنطن بشن هجوم. لم يرد بوش على رسالة خاتمي، أما إيران التي وافقت في حينه بصورة أحادية الجانب على تجميد المشروع النووي، فأعادت البرنامج إلى كامل نشاطه. بعد أربع سنوات، أرسل الرئيس محمد أحمدي نجاد رسالة لبوش دعاه فيها لإجراء حوار حول “شؤون العالم” وحول إدارة الأزمات في العالم. في العام 2008 أرسل أحمدي نجاد للرئيس باراك أوباما هنأه فيها على فوزه في الانتخابات، وهي الرسالة الأولى من نوعها من رئيس إيراني، ومرة أخرى، دعاه لإجراء حوار حول شؤون العالم.

في هذا الأسبوع نشرت “نيويورك تايمز” مقابلة مطولة أجرتها مع محمود أحمدي نجاد، الذي منذ 2018 لا يشغل أي منصب حكومي رسمي، لكنه بقي مقرباً جداً من حرس الثورة ويحتفظ بعدد كبير من مؤيديه في أوساط المحافظين. أحمدي نجاد الذي لم يتنازل بعد عن نيته التنافس على منصب الرئيس وصف ترامب برجل أعمال، لذلك يستطيع حساب التكلفة- الربح، ويتخذ قرارات وفق ذلك. إيران، حسب أقواله، تقول لرئيس الولايات المتحدة: “هيا نحسب الربح والخسارة على المدى البعيد لدولتينا، وألا نكون قصيري النظر”.

مشكوك فيه إذا كان أحمدي نجاد أخذ تصريحاً من خامنئي لإجراء هذه المقابلة. في السابق لم يتردد في الوقوف أمام خامنئي، وحتى انتقاد طريقة إدارة الدولة. ولكن أقواله يمكن أن تعكس مواقف جهات محافظة كبيرة أخرى. حسين علائي، الذي شغل في السابق منصب قائد حرس الثورة، قال إنه “يجب علينا استخدام ميكانيزم المفاوضات وعدم التنازل عن المحادثات”. في حين أن رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، مجتبى زولنر، أعلن أن “إيران لا تهرب من المحادثات ومسار المفاوضات بقي مفتوحاً”.

في السابق كان زولنر من المحافظين الراديكاليين، ومن المعارضين الأشداء للولايات المتحدة وللاتفاق النووي. ومؤخراً حتى هدد بأن إيران ستعمل بصورة بتصميم وشدة ضد أي محاولة للمس بها، وأنها تستطيع تصفية إسرائيل في نصف ساعة.

من الصعب التقدير إذا كانت هذه التصريحات التي تخلق عاملاً مشتركاً بين ظريف، الذي درس في الغرب ويعد من الإصلاحيين، وبين عدد من المحافظين الراديكاليين، تشير إلى الخلافات في أوساط المحافظين أو أنها تشكل رسماً لسياسة جديدة إزاء الضغوط التي تتعرض لها إيران. ولكن عندما يستل الخطاب العام في إيران مفهوم “اتصالات مع الولايات المتحدة” من درج الممنوعات التامة، يمكن التقدير بالحذر المطلوب أن مسار المفاوضات سيفتح، بل وسيعطي نتائج تهدئ المنطقة.

وتأييد ذلك يمكن أن نجده في الجانب الأمريكي، حيث يقف ترامب أمام مشرعين مصممين يحاولون تقييد قدرته على شن حرب “غير مشروعة” ضد إيران. أيد معظم الديمقراطيين و27 من الجمهوريين في التصويت بمجلس النواب على تشريع استهدف حصر صلاحيات الرئيس. ترامب يستطيع التمسك بأسباب أمنية وبتهديد على المصالح القومية الأمريكية لتجاوز هذه التقييدات، ولكن بعد أن تجاوز حظر الكونغرس لبيع السلاح للسعودية بأمر رئاسي يمكن أن يجد نفسه أمام تشريع أكثر إثقالاً وخنقاً.

ورغم ذلك، بدأت مناورات شد الحبل بين واشنطن وطهران في عبور خط التوازن. صحيح أن الإجمال التكتيكي لا يقتضي بعدُ حرباً: ضرب الناقلات الأربع في الخليج- حيث لا يوجد أي دليل على أن إيران هي المسؤولة عن هذه الضربات- وإسقاط الطائرة الأمريكية بدون طيار، وإسقاط لطائرة إيرانية بدون طيار واحتجاز ناقلة نفط بريطانية، هي ذرائع ضعيفة جداً رغم الضرر الاقتصادي الذي تسببه لتجارة النفط في الخليج. ولكن حيث تنوي الولايات المتحدة للمرة الأولى بعد 16 سنة نشر قوات في السعودية (بمصادقة السعودية) وحيث ينوي ترامب إرسال سرب من طائرات اف22 إلى الخليج مع ألف جندي- فإن سياسة الانفكاك الأمريكية عن منطقة قتال تأخذ منحى جديداً، بل إن خطر تحول شد الحبل إلى تبادل للكمات أصبح أكثر واقعية.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 21/7/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية