يوسف شريف رزق الله… صانع الثقافة السينمائية متعددة الجنسيات

الكتابة عن الراحل يوسف شريف رزق الله، كاتباً وناقداً سينمائياً لا تأتي من قبيل التأبين، وإنما يصح أن تكون توثيقاً لحالة إبداعية خاصة تتصل بمغايرة المنهج النقدي الفطري، لدى موهبة فرضت نفسها بقوة التأثير، وغيرت مسار النقد السينمائي كله، فلم يعد هو ذلك العلم الذي يُدرس في الأكاديميات المتخصصة وحسب، فالموهوب الذي درس في مدرسة الجزويت الثانوية للغات في عام 1961 وتخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1966، سلك مسلكاً آخر في حياته العملية، ومضى يبحث لنفسه عن فرصة يُفعّل من خلالها موهبته الفنية الأخرى، التي طالما أبقى عليها لتكون هي مدخله لعالم الإبداع والفن، بعيداً عن فرضيات السياسة وقيودها.
وقد طغى إلحاح الغواية السينمائية على تأثير الدراسة السياسية، فاستجاب رزق الله لما استقر عليه وجدانه، وكان اختياره لمجال النقد السينمائي بداية لمشوار طويل مع السينما والكتابة والتحليل والمهرجانات، والطواف حول العالم في رحلات موسمية للمشاهدة والفرجة، والتمتع بسحر الشاشة الكبيرة عبر أفلام نقلت ثقافات الدول والشعوب والمجتمعات، فأثرت وجدان الشاب المأخوذ بالخيال، وأنضجت عقله ونمت بداخله حساً بصرياً مرهفاً، فصار مرتبطاً بالسينما كوسيلة تنويرية خاصة، ونافذة يطل منها على العالم فيعرف المزيد عن ما يهواه وما ينشده. وقد اعتمد يوسف شريف رزق الله على القراءة والممارسة العملية بشكل أساسي في تحصيل ما يلزمه من معلومات عن صناعة السينما والأفلام، وفنون الإخراج والتصوير، والديكور والموسيقى والمونتاج، وغيرها من عناصر تكوين الفيلم ونجح في الإلمام بكافة التفاصيل المتصلة بالمجال الذي اختاره ليكون ساحة تميزه.

برهنت إسهامات يوسف شريف رزق الله الفنية والتنويرية على أهمية الحركة النقدية وضرورة أن تكون نزيهة وداعمة ومرتقية فوق المصالح والأغراض.

ولم يتوقف عند حد الإلمام بالمعلومة ولكنه تجاوز المفهوم المعرفي فأصبح صانعاً لثقافة سينمائية نوعية، كانت مقصورة على شريحة الهواة من عشاق الفن السابع، فحولها إلى ثقافة جماهيرية، لاسيما أنه نقل الوعي النقدي إلى شاشة التلفزيون، باستحداثه لما يمكن تسميته بالنقد الشفاهي القائم على التبسيط وشرح أبجديات صناعة الفيلم وملابسات إنتاجه، فضلاً عن تقديم الفكرة المحورية للأحداث وسير النجوم والأبطال، ومراحل توهجهم من خلال برامج متخصصة عكف على إعدادها وقام بتقديم بعضها، ومنها نادي السينما ـ أوسكار ـ نجوم وأفلام ـ تليسنما ـ سينما في سينما ـ الفانوس السحري، وكلها برامج نجحت نجاحاً ملحوظاً واستمرت طويلاً عبر دورات برامجية متعددة. وبالقطع كان يتوازى مع هذا النشاط التلفزيوني البرامجي المتميز، مهام وظيفية وإدارية اضطلع الناقد الكبير بتأديتها، كانت أهمها رئاسته لقناة مصر الدولية، وجهاز السينما وقطاع التعاون الدولي في مدينة الإنتاج الإعلامي، بالإضافة إلى عمله مديرا لمهرجان القاهرة السينمائي لفترة طويلة وعضويته في العديد من لجان التحكيم بالمهرجانات الدولية المهمة، هذا بجانب مشاركته في نقل الرسائل الصحافية الفنية أثناء تواجده في المهرجانات التي كانت تعتني بدعوته كمهرجان كان ومهرجان برلين وكارلو فيفاري وفينسيا وغيرها الكثير.
ويعود الفضل لشريف رزق الله في توطيد العلاقة بين السينما المصرية والمهرجانات الدولية والعالمية، كونه لعب دور سفير النوايا الحسنة بشكل غير رسمي، فأتاح الفرصة للثقافة السينمائية أن تتنفس خارج مدارها الإقليمي، وتقدم ما يؤكد عمقها وأصالتها ويُعرب عن هويتها وتاريخها، فهو المطلع على ملفات السينما العالمية والمحيط بكل جوانبها، حيث لم يباره في هذا التميز سوى عدد قليل من نقاد مصريين كبار يعدون على أصابع اليد الواحدة.
خلق التنوع النقدي والتناول الدقيق للقضايا السينمائية، العربية والافريقية والعالمية عند الناقد التنويري الراحل، مساحات واسعة ومتداخلة من الثقافات والإضاءات، صبت كلها في صالح العقل الجمعي لجمهور السينما ومحبيها في مصر والمنطقة العربية على امتدادها.. من المحيط إلى الخليج، خاصة في مراحل النهضة الفعلية للإعلام المصري، قبل انتشار الفضائيات وشيوعها واختلاط الحابل بالنابل. لقد برهنت إسهامات يوسف شريف رزق الله الفنية والتنويرية على أهمية الحركة النقدية وضرورة أن تكون نزيهة وداعمة ومرتقية فوق المصالح والأغراض.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية