الجزائر ــ «القدس العربي»: لأول مرة وبشكل رسمي تعلن السلطات الجزائرية عزمها استثمار أزيد من 20 مليار دولار، لتطوير انتاجها من الغاز الطبيعي والصخري في غضون السنوات القليلة المقبلة، لتضع حدا للجدل الذي يثيره المشروع. ويأتي التصريح في وقت تزايدت فيه الانتقادات للجوء الدولة إلى هذا المورد الطاقوي المثير للجدل، وهي أحد أكبر المنتجين للنفط والغاز في العالم، في ظل الرفض الذي يعترض هذا المصدر على المستوى الدولي، فيما يرى معارضون للنظام أن القرار يأتي في سياق محاولة السلطة تقديم خدمات للغرب من أجل ضمان صمته عن تجاوزاتها.
ونقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية (وأج) عن مصدر في «شركة الطاقة الوطنية» قوله: «أن «سوناطراك ستنطلق في عمليات استغلال الغاز الصخري بطاقة إنتاج تقدر بــ30 مليار متر مكعب في السنة، كمرحلة تجريبية أي ما يعادل الاستهلاك الوطني الحالي». وتملك الجزائر ثالث احتياطي تقني قابل للاسترجاع من الغاز الصخري في العالم الذي يقدر بـ 700 تريليون قدم مكعبة حسب الوكالة الدولية للطاقة، كما تتوافر في مناطق البلاد سبعة أحواض رئيسية مهمة تحتوي على الغاز الصخري حسب دراسة أنجزتها وزارة الطاقة الأمريكية. ووقعت مؤخرا شركة سوناطراك اتفاقيات تعاون مع شركات النفط الكبرى «إيني» و»أناداركو» و»شل» و»تاليسمان»، ورخصت الدولة للشركات القيام بعمليات الحفر التجريبي للبحث عن الغاز الصخري. وأثار الإعلان الأخير للسلطات الجزائرية عزمها الشروع في التنقيب عن الغاز الصخري، ردود فعل عدة من قبل المعارضة والمجتمع المدني، وأبدت الكثير من الأحزاب رفضها للقرار، لتساير موجة الرفض الشعبي التي انطلقت من المحافظات الواقعة في جنوب البلاد حيث توجد الأحواض التي ستشملها دائرة الإنتاج. وتداول نشطاء شباب في مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات تشير إلى المخاطر التي تسببها عمليات الاستكشاف عن الغاز الصخري وإنتاجه، كما استعان كثيرون بحملات الرفض التي شهدتها بعض الدول الأوروبية التي تعاني من نقص في إمدادات الطاقة. وباشرت مجموعة من الشخصيات في الجنوب الجزائري في تنشيط لقاءات مع سكان المنطقة، للتعريف بخطورة استغلال هذه الطاقة، وجمع التوقيعات للتأكيد على رفض قرار السلطات القاضي باستغلال الغاز الصخري.
ويؤكد الخبير الدولي في مجال الطاقة الجديدة الدكتور زهير حامدي، في حديث خاص مع «القدس العربي، «أن «القرار الرسمي الصادر عن وزارة الطاقة والمناجم في الجزائر بتطوير موارد الغاز الصخري، أثار جدلاً واسعاً على المستوى الإعلامي والشعبي، علاوةً على المتخصصين في مجال الطاقة والبيئة». ويؤكد الباحث الذي يشرف على دراسات في مجال تخصصه في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنه «بغض النظر عن المضاعفات البيئية السلبية لعملية إنتاج الغاز الصخري من خلال تقنية التفتيت المائي (Fracturation hydraulique) التي كانت في أغلب الأحيان الحجة الرئيسية في معارضة هذا القرار الأخير، هناك أسباب أخرى ذات أبعاد اقتصادية وسياسية تجعل من هذا البديل، خياراً غير صائب ولا يصبّ في خانة المصلحة الوطنية على المدى البعيد». ويضيف أنه «لتقييم مدى نجاعة وصحة قرار تطوير موارد الغاز الصخري في الجزائر، لا بدّ أن نقوم بتحليل الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذا القرار». ويشير إلى أن «السبب الأول يعود في الأساس إلى طبيعة العقد السياسي-الاجتماعي الريعي السائد في الجزائر والذي يرتكز على ثروة المحروقات (النفط والغاز) كمصدر رئيسي لإنتاج الثروة من خلال تصدير النفط والغاز في الأسواق العالمية عامةً، والسوق الأوروبي خاصةً حيث يمثّل الغاز الجزائري 15٪ من الغاز المستهلك في دول الاتحاد الأوروبي، ممّا يمنح الجزائر موقعا جيوسياسيا مهما في إطار مفهوم أمن الطاقة الأوروبي والعالمي». ويؤكد أن «الموقع الجيوسياسي للجزائر يعد الورقة الرئيسية التي فاوض بها النظام السياسي الحالي موقعه على الساحة السياسية العالمية واستطاع بفضلها أن يضمن لنفسه قبولا لدى شركائه الأوروبيين والغربيين وعدم المساس بشرعيته، على الرغم من طبيعة النظام السياسي غير الديمقراطي والمبني على تركيبة متكونة من الريع المالي والقبضة الأمنية المغلفة في عملية سياسية موجهة وزائفة من خلال انتخابات فارغة ومزورة». ويشدد الباحث على أن «النظام السياسي السائد في الجزائر منذ الاستقلال يدرك تماماً الأهمية الاستراتيجية الناتجة عن هذه الثروة من النفط والغاز التي تسمح له أن يحافظ على موقعه الجيوسياسي كلاعب مهم على الساحة الدولية وعلى استقرار النظام داخلياً». ويرى الإطار السام السابق في شركة سوناطراك الجزائرية أنّ حقل حاسي الرمل الذي يمثّل لوحده 60٪ من احتياطات الجزائر من الغاز قد دخل ومنذ عدة سنوات مرحلة النضوب وأنّه من الصعب جداً تعويض هذه الخسارة من خلال اكتشاف حقول أخرى تقليدية نظراً لطبيعة الجيولوجيا الجزائرية، لهذا كان البديل الوحيد المتاح جيولوجياً هو الغاز الصخري ويبدو من خلال الدراسات الأوّلية أنّ حجم هذه الموارد ضخم وقد يتجاوز حجم حقل حاسي الرمل (التقديرات الحالية تتراوح ما بين 400 و800 تريليون قدم مكعّب من الغاز الذي يمكن استرداده تقنياً، والمصنف الثالث عالمياً)». وفي تحليله لسياق القرار الأخير للحكومة يشير الباحث الى أنه «لا بديل للنظام السياسي الحالي في الجزائر عن تطوير الغاز الصخري من أجل البقاء في السلطة والمحافظة على موقعه الجيوسياسي على الرغم من عدم جديّة هذا القرار بالنسبة للجزائر على المدى البعيد، اذ انه لن يوفّر له المداخيل التي يجنيها من إنتاج الغاز التقليدي نظراً للتكلفة العالية لإنتاج الغاز الصخري مقارنةً بالتقليدي المنتج من الحقول الحالية كما هو الحال بالنسبة لحقل حاسي الرمل، لكون الدراسات تشير إلى أن إنتاج الغاز الصخري لا يوصف بالريع بحسب التعريف الاقتصادي». ويتساءل الدكتور زهير حامدي عن سبب امتناع السلطات الجزائرية عن استثمار الموارد المالية الحالية النائمة، من الصرف، (حوالي 200 مليار دولار) من أجل الشروع في عملية انتقال في منظومة الطاقة في البلاد من المحروقات نحو الطاقات البديلة والمتجددة التي تشير جميع الدراسات أنّ تكلفتها في انخفاض مستمر وأنّها سوف تكون منافسا للمحروقات والطاقة الأحفورية عامةً في خلال 15 أو 20 سنة على أقصى تقدير. ويؤكد الخبير الدولي أنه من الأجدر بالنسبة للجزائر أن تنطلق في مشروع تنموي شامل مبني على الطاقات المتجددة من أجل التحضير للانتقال إلى منظومة اقتصادية جديدة، لكون القرار يعتبر حتميا، وأي تأخير سوف يضاعف من التكلفة وسوف يساهم في إبقاء الجزائر في خانة الدول التابعة التي تشتري التكنولوجيا من سوق عالمي غير مستعد لتقاسمها أو نقلها إلاّ بشروط وبتكلفة عالية. أما عن السبب الثاني الذي يدفع السلطات الجزائرية للمضي في هذا المشروع فيعزيه الدكتور حامدي إلى مكانة الغاز في المنظومة الاقتصادية الحالية حيث يمثّل المصدر الرئيسي من أجل إنتاج الكهرباء ودوره الرئيسي في الصناعات البتروكيمائية التي تتمتّع بتنافسية عالية في الأسواق العالمية نظراً لتوفر الغاز محلياً وبأسعار مدعومة. ويؤكد الباحث أن «خيار تطوير الغاز الصخري يهدف إلى تثبيت الأمر الواقع الحالي السياسي والاقتصادي في الجزائر، ولن يساهم في تحضير البلاد للانتقال إلى اقتصاد جديد ومستدام للأجيال الحالية والمقبلة، بينما قرار تطوير الطاقات المتجددة وتنويع الاقتصاد هو القرار الصائب الذي لا بدّ للجزائر أن تأخذه لأنّه حتمي».
وتعتبر السلطات الجزائرية أن الرافضين لسياسة استغلالها لمورد الغاز الصخري لا يدركون أبعاد المشروع، وأشار رئيس الوزراء عبد المالك سلال في تصريح صحافي له مؤخرا الى أن «هذا النوع من الاستثمار سيساعد الدولة على تجاوز الأزمة النفطية التي تهدّدها في غضون 15 سنة مقبلة». وأضاف المسؤول أنه: «لا مفرّ من استغلال الغاز الصخري باعتبار الجزائر تمتلك ثالث احتياطي عالمي منه ـ يقارب العشرين ألف مليار متر مكعّب ـ أي خمس أضعاف احتياطي الغاز التقليدي، ولانخفاض مخزون المحروقات في سنة 2030 من خلال الاستثمارات في القطاعات الأخرى الصناعة والسياحة والزراعة». من جانبه قلّل وزير الطاقة والمناجم من خطر هذا النوع من الاستثمار، وأكد للرأي العام الوطني في تصريحات له «أن مخاطر استغلال الغاز التقليدي ليست أقلّ شأنا من المخاطر التي يمكن أن تنجرّ عن استغلال الغاز غير التقليدي، والصناعات الأخرى مثل الذهب».
ودافع رئيس الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات، سيد علي بطاطا عن القرار المتخذ من طرف السلطات العمومية بخصوص التوجه نحو استغلال المخزون الوطني من الغاز الصخري، واعتبره أولى من الاستثمار في الطاقة الشمسية، بدعوى أن تكاليفها مرتفعة بالمقارنة مع تكلفة إنتاج المحروقات غير التقليدية، على أنه أشار إلى أن البرنامج الوطني لسياسات الطاقة تهدف مع ذلك إلى عدم إهمال أي مورد من موارد الطاقة، بما فيها المحروقات التقليدية التي قال إن 50٪ منها غير مستغلة. وأوضح «أن رخصة استغلال الغاز الصخري لا تمنح إلا بعد موافقة الجهات المختصة على مستوى وزارة الطاقة بالتنسيق مع مصالح وزارة البيئة وتهيئة الإقليم، عقب التأكد من عدم وجود أي مخاطر على البيئة والمحيط، مشيرا من ناحية أخرى إلى أن من 20 إلى 80٪ من المياه المستعملة في آبار إنتاج الغاز الصخري تسترجع ويعاد استعمالها بعد معالجتها». ويشير خبراء إلى أن تطور الغاز غير التقليدي في الولايات المتحدة يمثل بلا شك تغيرا جوهريا، ليس فحسب بالنسبة للسوق في أمريكا الشمالية، بل في السوق الدولي، فالولايات المتحدة ستتحول إلى دولة مصدرة خلال السنوات المقبلة بعد أن كانت بلدا مستوردا صافيا، وفتح الأمر شهية دول مستهلكة للطاقة لزيادة استثماراتها في مجال إنتاج الغاز الصخري ومنها أستراليا والصين والأرجنتين وبولندا.
سليمان حاج إبراهيم