تعدد الهيئات الثقافية في الأردن: تنوع أم استنساخ؟

وجود عدد من الهيئات الثقافية في منطقة ما، يفترض أن يعمل على رفع سويتها الثقافية، وأن تتمدد أنشطتها وفعالياتها إلى جميع الشرائح والمستويات المجتمعية، بما يساعد على الارتقاء بدرجة الوعي والتنوير، وكل ذلك مرهون بأن تقوم هذه الهيئات بأداء رسالتها وتحقيق أهدافها التي أنشئت لأجلها.
وإن التقدم لتأسيس أي هيئة ثقافية جديدة منوط بحاجة مجتمعية ملحة، أو رغبة عارمة عند عدد من المهتمين لتقديم ما هو جديد ومميز، ليكون إضافة نوعية ترتقي بالثقافة وانتشارها وازدهارها وتطويرها. والملاحظ أنه على الرغم من مئـــــات الهيئات الثقافية في الأردن، خاصة في المدن الكبرى الثلاث عمان وإربد والزرقاء، التي تتكدس فيها الهيئات الثقافية بالعشرات، إلا أن العمل الثقافي ما زال لا يتناسب مع عدد هذه الهيئات، وجل نشاطاتها شكلية أو محدودة، وعدد حضور نشاطاتها متواضع جدًا، ينقص ولا يزيد، وهو مرهون بالعلاقات الشخصية والمجاملات وتبادل الحضور. إننا في الأردن نعاني من تورم الهيئات الثقافية واستنساخها، ولكن بدون وجود ثقافة حقيقية مؤثرة قادرة على التأثير والتغيير.
ومن الملاحظ أن كثيرًا من الهيئات الثقافية تحولت إلى مشيخات ثقافية، تأسست نتيجة لتشظي هيئات قديمة، ورغبة البعض بالزعامة وبريق الإعلام والوجاهة الثقافية الزائفة، كمـــا أن كثيرًا من القائمين على هذه الهيئات وأعضائها لا علاقة لهم بالثقافة، وإنما هم متمسحون بها، متزلفون إليها؛ لأنهم يدركون أهمية الثقافة وشرف الانتساب إليها وإن بالاسم.
والملاحظة الأهم أن كثيرًا من الهيئات الثقافية وفي المنطقة الواحدة تتشابه أهدافها ونشاطاتها ولا تختلف إلا بالاسم، معظمها يستجدي الجمهور والتمويل والدعم من هنا وهناك لتبقى على قيد الحياة، وتؤكد التقارير أن معظم الهيئات الثقافية خاملة، ولا تكاد تنظم أي نشاطات تذكر طوال العام، ولا تستيقظ إلا عند الانتخابات التي تنتهي عادة بالتزكية، ليست رغبة في التوافق والتوحد، ولكن لعدم وجود رغبة في التنافس، أو لعدم وجود أعضاء بعدد كافٍ في الأساس.
وحول «تعدد الهيئات الثقافية متقاربة الأهداف والنشاطات في المدينة الواحدة في الأردن، وهــــل هـــي ظاهرة إيجابية أم سلبية؟ وما أثر هذا التعدد على نشاطاتها وجمهورها وتأثيــرها؟» توجهنا بهذا السؤال لعدد من المهتمين بالشأن الثقافي في الأردن، فكانت هذه المشاركات:

ضرورة التشبيك والتنسيق بين الهيئات الثقافية

يقول رئيس مختبر السرديات الأردني الأديب مفلح العدوان: يقيني بأن المدن العربية بحاجة إلى كثير من الاشتغال بالثقافة، لتكون هناك نقلة نوعية على الصعيد الشعبي والنخبوي في الوقت ذاته، ومثلما هو الحديث عن قلة القراءة مع توفر الكتاب، فيمكن الحديث عن قلة العمل الثقافي مع توفر كثير من الهيئات الثقافية، وأنا لا أظن أن المشكلة في وجود عدد من الهيئات الثقافية التي تعمل على الأهداف ذاتها، الإشكالية هي في كيفية تحقيق تلك الأهداف والآليات، وشكل التقديم، والجدية في التعامل مع الثقافة، وفي النهاية فإن الهيئات الجادة في تحقيق أهدافها هي التي تبقى، وتحافظ على جمهورها، وتطور نفسها، وهي في حالة مراجعة دائمة لبرامجها ولمتطلبات المجتمع حولها. كما أنه من الضرورة بمكان أن يكون هناك نوع من التشبيك والتنسيق بين هذه الهيئات الثقافية، لتفاوت الإمكانات على الصعيد المادي والمعنوي، وهناك في كثير من المدن هيئات ثقافية حاضنة لهيئات أخرى، من ناحية أنها توفر البيئة المناسبة لتقدم تلك الهيئات برامجها، ولعل تجربتنا في «مختبر السرديات الأردني»، مثال على ذلك في أننا نعاين المنتج الإبداعي ونتتبعه من مرحلة ما قبل النشر (بالنسبة للمنتجات السردية) وحتى مرحلة الإشهار ومراجعة كل المراحل التي يمر بها العمل السردي، مع انفتاح على الكتّاب الشباب، وإعادة قراءة تجارب المبدعين الراسخين والرواد، وحيث أننا نركز على العمل الإبداعي بإمكانات مادية بسيطة، فقد عقدنا شراكة مع مؤسسة عبدالحميد شومان، لتكون حاضنة لفعالياتنا الثقافية وبرامجنا، بدون أن تتعارض أهدافنا، بل إن هناك نوعًا من التعزيز والتمكين والمنفعة المتبادلة، ولكن في خدمة أهدافنا وبرامجنا المشتركة والفردية.

من الملاحظ أن كثيرًا من الهيئات الثقافية تحولت إلى مشيخات ثقافية، تأسست نتيجة لتشظي هيئات قديمة، ورغبة البعض بالزعامة وبريق الإعلام والوجاهة الثقافية الزائفة، كمـــا أن كثيرًا من القائمين على هذه الهيئات وأعضائها لا علاقة لهم بالثقافة.

شرفات أمل وحواضن للفكر التنويري

أما القاصة خلود المومني، فتقول: يفترض بالهيئات الثقافية أن تكون واحات إبداعية، ترفد النشاط الثقافي، إذا التزمت بالهم العام وتعاملت معه بجدية، وركزت على المحور الأهم في أي تغيير نحو الأفضل ألا وهو الإنسان. وتعددها يوحي بأن هناك تجويدا للعمل الإبداعي والتحسين النوعي لمخرجاته. تنشأ هذه الهيئات في العادة بجهود شخصية لمجموعة من الأفراد، غالبًا ما يشكلونها بطريقة الشلل، ثم تتسع الدائرة لتشمل أفرادًا لا علاقة لهم بالشأن الثقافي، وينعكس ذلك جليًا على نشاطاتها، ويلاحظ أنه في البدايات يكون عدد الجمهور كبيرًا، ثم يتقلص تدريجيًا، وتفاجأ بعد ذلك بوجود خلافات قد تترتب عليها إعادة تشكيل للهيئة أو تكوين هيئة بمسمى جديد. من اللافت عدم التنسيق بين هذه الهيئات، ويحدث غالبًا وجود أكثر من نشاط في التوقيت نفسه في المدينة الواحدة، مع اختلاف الأمكنة، وهذا يؤثر سلبًا على أعداد الحضور.
إن المتابع لهذه الهيئات يجدها في بعض الأحيان خليطًا غير متجاتس، تصرّ على التواجد المستمر وتنصب نفسها قيمة على النشاط الإبداعي، من خلال توزيع الدروع، وشهادت الشكر والتقدير، بل إنها تتغول فتنظم مسابقات، وتمنح (الميكرفونات) المجانية لكل من هبّ ودب، وتصر على التواجد بشكل دائم، ما يجعلنا نتساءل عن دور مديريات الثقافة في ضبط وتنظيم هذا السيل الجارف، المرجو منه أن يثري الحراك الثقافي لا أن يربكه. رغم ذلك كله تبقى هذه الهيئات شرفات أمل يطل منها من هم في بداية الطريق، وقد تكون هذه الهيئات إذا أدركت دورها الحقيقي، حواضن للفكر التنويري، شريطة التعامل مع العمل الإبداعي بطريقة نقدية تكرس العمل المميز بدون أي اعتبارات أخرى.

فوضى وتوحش ثقافي

وللأكاديمي الكاتب والمترجم تيسير أبو عودة رأي مختلف، يقول: لا نستطيع أن نتحدث عن صيرورة دور المؤسسات أو الهيئات الثقافية متقاربة الأهداف والنشاطات في المدينة الواحدة بدون التشابك مع سؤال الثقافة في سياق المدينة التي يمارس فيها فعل الثقافة، وعلاقة هذا السؤال بالسلطة والجماهير والرقباء الأيديولوجيين والسياسيين والنخبة، حسب توصيف ميشيل فوكو. والمراقب للمدن العربية على سبيل المثال، يجد ظاهرة تعدد الهيئات الثقافية ذات الأهداف والأرضية الأيديولوجية المتقاربة، أمرًا شائعًا في المدينة نفسها، رغم غياب الثقافة العميقة المؤسساتية التي تتبناها الحكومات على امتداد الوطن العربي. ليس من الحكمة تعميم مثل هذا التصور لهذه الهيئات الثقافية، لأن الحكومات العربية مختلفة من حيث البنية المهيمنة على مؤسسات الثقافة، ومن حيث طبيعة الأيديولوجية التي تحكمها، ولكنها متشابهة بصورة نسبية. أما في ما يخص الفوضى الثقافية، حسب توصيف ماثيو أرنولد، فهو مفهوم مناقض للثقافة العميقة، التي يراها كثير من فلاسفة الأنثروبولوجيا باعتبارها الترجمة المثالية لسلوكات المجتمع الحضارية والجمالية والعلمية والقانونية، لكل جماعة إثنية أو جماعة نشأت في سياق الصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا. وربما ألمح هنا لواحدة من أبجديات التوحش الثقافي الرأسمالي في الوطن العربي، الذي يتمظهر في هيئات ثقافية مهيمنة تمارس احتكار الثقافة، كسلعة رأسمالية، وكشكل من أشكال الوعي التاريخي المركزي، من خلال مؤسسات الجامعة والمؤسسات المدنية ومؤسسات الحكومة، وتصبح قيمة المعرفة النخبوية التي تصدرها هذه المؤسسات النخبوية أو الهيئات الثقافية ذات الأيديولوجيا الواحدة شكلًا استهلاكيًا من أشكال تأصيل الطبيعة الثقافية المهيمنة لجمهور مدجّن ومتصالح مع السلطة المركزية، وصورة مكرورة لتصنيع الإذعان الجماهيري.

تعدُّد الهيئات الثقافية، وإن تقاربت أهدافها، يخلق نوعًا إيجابيًّا من المنافسة التي تخدم المشهد الثقافي.

شريحة طفيلية تسترزق باسم الفعل الثقافي

ويقول مدير دار فضاءات للنشر والتوزيع الروائي والشاعر جهاد أبو حشيش: في العادة، تعدُّد الهيئات الثقافية، وإن تقاربت أهدافها، يخلق نوعًا إيجابيًّا من المنافسة التي تخدم المشهد الثقافي. وتفرد مساحة أوسع لتعميق الفعل الثقافي المنتج، لكن ما نراه في الكثير من الساحات العربية، ليس أكثر من محاولة نفي للآخر، فكل هيئة تحاول أن تحيط نفسها بالمريدين والمصفقين، لتغطي على ضعف القائمين عليها. إن الفعل الثقافي الذي ينطلق وعينه على تحقيق مكاسب بعيدة عن الهمّ الثقافي، لن ينتج ما هو حقيقي مهما تعددت الهيئات. وقد أنتجت المؤسسات الداعمة شريحة طفيلية، تسترزق باسم الفعل الثقافي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، وجد البعض ضالته في ترقيع عُقَد نقصه، وعدم عمقه، من خلال دعوة كل من هبَّ ودبَّ وتحميله على عاتق الفعل الثقافي، وباتوا يتبارزون في ضحالة ما يقدمون، ويغرون المشاركين بتكريمات تسيء حتى لمن لا علاقة له بالأدب أو الثقافة. وإلا فكيف تفسّر أن يكرَّم أكثرُ من مئة شخص في يوم واحد من خلال مؤسسة واحدة. هذا لا يعني خلو المشهد ممن ينشغلون بحقًّ بالهمِّ الثقافي ويعمدون إلى ترجمة قناعاتهم إلى ممارسة حقيقية تخدم الساحة الثقافية المحلية والعربية، ولكن هؤلاء غالبًا ما يجابَهون بقوى شد عكسي، لعدم قدرتهم على ممارسة التهليس والتدليس، والكثير من الممارسات السلبية التي بات ينساق لها الكثيرون وينزلق معهم بعض الكتاب الجيدين الذين يهتمون بالتصفيق أكثر من اهتمامهم بالإبداع.

التنوع والاختلاف والتعدديّة

وختامًا تقول الأكاديمية الشاعرة دعاء وصفي البياتنه: يتطلّبُ تمكين الثقافة، وتحقيقها، وتفعيل دورها، روافد متعددة، تسهم في خلق حالة ثقافية، تنتشر فيها التّوجهات الفكريّة، والرؤى المتنوّعة. فالمشهد الثقافيّ، لا يكون مشهدًا حقيقيّا إلا بالتنوع والاختلاف والتعدديّة . وأحسب أنّ الهيئات الثقافية تتقاطع معًا في هدف مشترك ألا وهو نشر الثقافة، ولربما تفترق في جوانب عدّة من حيث وجهات النّظر الفكريّة، لكنّها تسعى في نهاية المطاف إلى تشكيل مشهد ثقافي واحد. إلا أنّ وجود عدد من الهيئات الثقافية في المدينة الواحدة يجب أن يخضع للتنسيق، والتخطيط، وتبادل الرؤى بين المنتديات، والملتقيات، والبيوت الشّعرية والثّقافيّة الموجودة؛ لتجنب التعارض الزمني للفعاليات، لأن ذلك يربك الجمهور، مما يؤثّر في قيمةالفعالية التي لن تحقق شرط التواصل الحقيقي. كما لا بد أن تتخلى بعض الهيئات الثقافية عن سلطتها الواحدة الاستعلائية، وتفتح أسوارها بذكاء للجميع لتكون على مسافة أقرب من المنتديات والملتقــــيات التي بدأت تشكل ظاهرة منتشرة قادرة على استقطاب شعراء ومثقفين من أرجاء الوطن العربي، في مهرجانات شعرية وندوات ثقافية على مستوى رفيع.
إنّ حالة التناغم والانسجام بين هذا الكل، هي التي تصنع ثقافة قادرة على تشكيل مشهد ثقافي راسخ. أما العشوائية، فتبدأ من بعض الهيئات الثقافية التي تتخلّى عن دورها في تعزيز غيرها من الهيئات، وحين تنعزل وتنأى بذاتها عن التنسيق والتخطيط، لتصير العلاقة الثقافية قائمة على التنافسية أو الإقصائية لا على التكاملية. لهذا من الضرورة بمكان أن تتخذ الهيئات الثقافية على تعددها خطوة نحو تحقيق التواصل الثقافي والسعي نحو العمل المشترك ليتم به رفع المستوى الثقافي والجماهيري وتحقيق التأثير المنشود .

٭ كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية