رفعت شركة “أرامكو” المملوكة للحكومة السعودية، سعر الوقود في البلاد للمرة الثالثة خلال عام ونصف، بحجة تصحيح أسعار منتجات الطاقة “المشتقات النفطية المحلية” وتقليص النمو المتسارع في الاستهلاك المحلي لهذه المنتجات، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية الوطنية وتعزيز استدامتها. ولم يكن رفع أسعار الوقود الأخير في السعودية هو الأول هذا العام، إذ أعلنت حكومة المملكة في منتصف نيسان/ابريل الماضي، رفع الأسعار المحلية للبنزين 95 بنسبة 4 في المئة تقريباً والبنزين 91 بنسبة 5 في المئة تقريباً. وفي بداية عام 2018 رفعت السعودية أسعار الوقود، إلى مستويات قياسية وبنسبة فاقت 120 في المئة. يأتي ذلك، في وقت سجلت شركة “أرامكو” ارتفاعًا في أرباحها، جعلتها الشركة الأكثر ربحًا في العالم، العام الماضي.
أرباح ضخمة
عرضت شركة “أرامكو” عملاق النفط السعودي، في حزيران/يونيو الماضي، معلومات وبيانات مالية لعام 2018 وهي خطوةٍ جديدة أظهرت فيها أول إعلان عن أرباحها منذ نحو 50 عامًا، أي منذ امتلكتها الحكومة السعودية في سبعينيات القرن الماضي، فتحت “أرامكو” دفاتر حساباتها لوكالتي “فيتش” و”موديز” الدوليتين للتصنيف الائتماني. ووفقاً لبيان من شركة “موديز” فقد حققت شركة النفط السعودية أرباحًا بلغت 111 مليار دولار العام الماضي، وهو ما يشكل ارتفاعاً بـ46 في المئة عن أرباح العام 2017 دفعت منها 58.2 مليار دولار للحكومة السعودية. بينما أعلنت وكالة “فيتش” في نيسان/أبريل الماضي، أن “أرامكو” السعودية، حققت أرباحًا بقيمة 224 مليار دولار العام الماضي، قبل اقتطاع الضرائب، حيث تربعت الشركة على عرش أكثر شركات العالم ربحية، بتحقيقها أرباحًا صافية يومية تتجاوز 300 مليون دولار.
وفي مقارنةٍ مع أرباح الشركات العالمية الأخرى، عادلت أرباح “أرامكو” خلال العام الماضي، ضعف أرباح شركة أبل (ثاني أكبر شركة في العالم بعد “أرامكو”) والبالغة 59.4 مليار دولار. كما فاقت أرباحها ثاني وثالث أكبر شركتين في العالم مجتمعة وهما “أبل” و”البنك التجاري الصناعي الصيني” البالغة أرباحه 45.2 مليار دولار، ليبلغا معا 104.6 مليار دولار. وفي مجال الشركات النفطية، فاقت أرباح “أرامكو” أكبر خمس شركات نفط في العالم مجتمعة وهي: “أكسون موبيل” و”شيفرون” الأمريكيتان، و”بريتش بيتروليوم” البريطانية و”توتال” الفرنسية و”رويال داتش شيل” البريطانية – الهولندية، البالغة أرباحها معًا 80 مليار دولار. واللافت أن أرباح “أرامكو” في عام 2018 عادلت أربعة أضعاف أرباح أكبر شركة نفط في العالم بعدها وهي شركة “رويال داتش شل” والبالغة 23.4 مليار دولار في العام ذاته.
لكن الحسابات المنشورة، وفق “فيتش” تكشف أن “أرامكو” التي تُنتج نحو 10 في المئة من النفط الخام في العالم، لا تُولّد القدر ذاته من النقد لكل برميل خام كما تفعل شركات النفط الرائدة الأخرى، بسبب عبء الضرائب الثقيل. فالتدفقات النقدية للشركة من العمليات، بلغت قيمتها 26 دولارًا للبرميل المكافئ للنفط أي أقل مما تتمتع به شركات النفط الكبرى مثل “شل” و”توتال” اللتين أعلنتا عن 38 دولاراً و31 دولاراً للبرميل، على التوالي، العام الماضي.
الاستيلاء على أرباح
في ظل ما يعانيه الشعب السعودي من ضغوط اقتصادية واجتماعية نتيجة ارتفاعٍ الأسعار على كافة الصعد، لا سيما في السلع الحيوية، وتحديدًا الارتفاع التدريجي الذي يحصل للمشتقات النفطية من قبل “أرامكو” تُطرَح تساؤلات عديدة حول الوجهة التي تذهب إليها أرباح الشركة ومن المستفيد منها؟ وأين تصرف الضرائب التي تحصل عليها الحكومة السعودية من أرباح الشركة؟ ولماذا تضطر الشركة إلى زيادة أسعار المشتقات النفطية رغم تحقيقها لتلك الأرباح؟
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، مؤخرًا، تقريراً بعنوان “أرامكو السعودية تقلل النفقات” تناولت فيه إجراءات جديدة تعتزم الشركة فرضها للتقليل من النفقات التي تتكلفها سنوياً لصالح كبار المسؤولين والوزراء السعوديين. وبغض النظر عن جدية تلك الإجراءات، أوضح التقرير أن بين هذه المصاريف نفقات لبعض الوزراء، ومنهم وزراء النفط السابقون، والوزير الحالي خالد الفالح، حيث اعتادت الشركة على دفع نفقات ورواتب باهظة وإبقائها طي الكتمان. ويعرج التقرير على شرح بعض هذه المصاريف، مثل نفقات استخدام الفالح، الذي يشغل منصب مدير أرامكو في الوقت نفسه لبعض طائرات الشركة، والنزول في أجنحة فندقية باهظة التكلفة، ما أثر في أرباح الشركة. وتدفع شركة “أرامكو” وفق ما يورده موقع “بلومبيرغ” 50 في المئة من أرباحها على ضريبة الدخل، إضافة إلى مُخصّص للعائلة المالكة يبدأ من 20 في المئة من إيرادات الشركة، ويرتفع إلى 50 في المئة تماشيًا مع أسعار النفط، فيما تتبدد الأرباح المتبقية على صفقات السلاح. وفي السياق ذاته، تقول تقارير غربية، إن جزءا كبيرا من مخصصات النفط الهائلة يذهب إلى الأسرة الحاكمة بكل مكوناتها. فأكثر من 25 ألف أمير سعودي يقتطعون جزءاً كبيراً من ثروات البلاد النفطية سواء من كان في منصب حكومي أم بعيدا عنها، وكل أمير يتقاضى راتباً شهرياً يقدر بـ100 ألف ريال سعودي، إضافة إلى منحة سنوية تقدر بـ400 ألف ريال، هذا إلى جانب سهولة تملك الأراضي، وإقامة المشاريع والأعمال الضخمة. إذ تؤكد مجلة “فوربس” بدورها أنه تم احتكار الأراضي والمساحات العمرانية، فعلى سبيل المثال 65 في المئة من أراضي منطقة الرياض بيد عدد قليل من الأمراء ولا تخضع لأي نوع من الضرائب. وهكذا الحال بالنسبة لمكة وجدة، حيث احتكار عقود الصفقات والمقاولات الكبرى وكأنه نوع آخر من الحق المكتسب.
وفي وقتٍ سابق، كشف موقع “ويكيليكس” وثائق مسربة من المراسلات الدبلوماسية الأمريكية، تشير إلى أن مخصصات أمراء السعودية تكلف الخزينة مليارات الدولارات. وتقول الوثائق إن مجموعة من الأمراء في المملكة السعودية ينفقون مبالغ تصل إلى 10 مليارات سنويًا. ووفق الوثائق، فإن أميرًا سعوديًا أفصح للسفارة الأمريكية عن مليون برميل من النفط تباع يوميًا لصالح خمسة أو ستة أمراء. كما كشفت أن الأمراء السعوديين يتقاضون مخصصات مالية منذ ولادتهم. وتحدثت الوثائق عن خطط لكسب المال يقودها بعض أفراد العائلة المالكة لتمويل أنماط حياتهم الفخمة، بينها سحب المال من خارج الميزانية التي يسيطر عليها كبار الأمراء، وكفالة الأجانب الذين يدفعون رسومًا شهرية، والاقتراض من البنوك من دون تسديد. إضافة إلى الرواتب الشهرية الضخمة التي يحصل عليها كل فرد من العائلة المالكة.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية نقلت عام 2017 تعليقًا لدبلوماسي أمريكي يقول فيه إنه ما دام أفراد العائلة المالكة ينظرون إلى هذا البلد على أنه “مؤسسة آل سعود” فسيَعتبر الأمراء والأميرات أن الحصول على مخصصات مالية سخية والاغتراف من خزانة الدولة بين الحين والآخر هي حقوق أصيلة لهم بحكم ملكيتهم لهذه المؤسسة. وتلك الوقائع أكدتها الأميرة بسمة بنت سعود بن عبد العزيز آل سعود، بقولها لصحيفة “الإندبندنت” إن الأمراء في السعودية يحتكرون السلطة والثروة ولا يجرؤ أحد على التفوه بكلمة ضد هذا الوضع، في ظل عدم وجود أي توزيع عادل للثروة داخل البلاد.
ويذكر أن تصنيف السعودية جاء متدنيًا على مستوى العالم في تدابير الشفافية المالية، حيث حصلت على 49 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 والذي صدر مطلع العام الجاري، عن “منظمة الشفافية الدولية”.