العنوان هو العتبة أو المفتاح إلى فضاءات النص، وما أثث به وما حمل من ثيمات. يحيلنا العنوان إلى الخزين المعرفي المتراكم في الذاكرة في تضافره مع عتبة النص وما تكتنزه من مضامين تؤشر وتشحن في الذهن مجموعة من الأسئلة تحتاج إلى قراءة فاحصة لاستخراج الإجابات بين سطور القص أو السرد. المجموعة القصصية «عصا الجنون» للروائي والقاص أحمد خلف، عنوان مخاتل من ملفوظين، عصا الجنون، العصا لذاتها رمز عرفي واجتماعي، رمز مكتف ذاتيا وتداوليا، الجنون هنا مكمل لما تشير إليه العصا من أفعال السيطرة والطغيان وهذه الأفعال لا تتم إلا حين تكون بيد مجنون أو طاغية أو مستبد أو غاز، أفعال مجاورة للعصا لنفهم بها، دلالة العصا، من دون هذه الأفعال تصبح العصا، مجرد عصا. وهذا ما سوف نتعرف عليه في قصص المجموعة: في قصة «اقتفاء الأثر»، التي يقصها القاص المشارك بضمير المتكلم، يتجسد بشكل لافت، تأثير سنوات الحصار على الناس في العقد الأخير من القرن المنصرم.
يدخل رجل إلى المقهى، يقترب من طاولة لمجموعة من الأصدقاء، يهوي بفعل الجوع مغمى عليه، لكنهم يتلقفونه قبل أن يسقط. تتدفق الجمل من فيه، تدفقا أقرب ما يكون إلى التداعي الهذياني المنفلت من عقاله بلا ترتيب يسيطر على التهويمات الانثالية ومن غير أن يعيها، يدفع كتلة الوجع والألم والخسارات المطمورة، أو التي دفنها بإرادته في عقله الباطني، من غير أن يتمكن من البوح بها في لحظة الصحو بفعل الخوف من مجهول، يأتي به هذا البوح. ويختم هذا الانفلات الاسترجاعي اللاواعي، بمقطع ذي معنى ودلالة واضحة على ما كان قائما في سنوات الحصار من حرمان وجوع ومأس وفقدان البراءة، بالإضافة إلى عوامل توليد خطيئة الحصار من غير أن يسميها.. وهنا تتجلى براعة القاص الذي يلعب باللغة بمهارة ليطور الحدث ويشحنه بالإشارات الدالة، من غير أن يجعله يفقد جماليته ومتعته في تعالق رصين وانسيابي بين محطات الحدث «سرنا حفاة الأقدام وعدتنا على أكتافنا، ألقيناها في الطريق، أكان حتما علينا السير في طريق الجلجلة، من أولدنا وسط الظلام الدامس؟ وتركنا نهبا للضواري والكواسر ترتع بسقط المتاع الذي خلفناه وراءنا، كأننا تبضعنا من أفئدتنا وأكبادنا، ماضينا، ماضينا، كان ركاما لأحجار فتتها ريح صرصر….لأننا ما كنا نكلم بعضنا إلا همسا أو بالإشارة.. وما عادت لنا أطراف تسعفنا أو تحتوينا، أصبحنا كلنا في مهب الريح (شذر مذر)». هنا يغلق القاص هذه النهاية المفتوحة بقصة أخرى عن مآل الغزاة في تاريخ العراق، تاريخ وطن، قاوم الغزاة وهو لا يملك سوى الفالة والمكوار، يواجه بها قوة ما يملك الغزاة من سلاح فتاك، كم من سنابك خيول الغزاة، مرت عليه.
في قصة «عصا الجنون» نلاحظ انزياح العصا عن موقعها في القصة إلى ما يجاورها من أفعال المجنون، لتنتج الدلالة الإبلاغية، لتكون الدليل للتعرف على القوة البشرية أو العيون البشرية والمسامع البشرية التي تلتقط كل شيء.
لكنها، لم تستقر فيه أو لم يكن لها فيه، من مستقر».. والأب الحاني متراس العناد الشرس وفيض الكبرياء، باستدارة الخنجر واستقامة (المكوار) والفالة أحسن من الطوب، الذي كان مدفعا إنكليزيا. «السفر التاريخي من التعاضد ومقاومة الاحتلال بروحية الدافع الواحد الموحد لشعب، لم يعرف في تاريخه، الاقتتال الأهلي قبل الاحتلال، اقتتال جاء به الاحتلال الذي قام باستثمار واستغلال التنوع المذهبي المتعايش والمتألف مع بعضه أصلا، بتخليق الظروف الواقعية والموضوعية التي جعلت ما حدث يحدث».. ازدادت اندفاعة الريح الواشية في الأزقة والطرقات… ترى أهو أحد الأصوات التي أفرزتها الحرب، لتكشف عن بعض سوءاتها عمدا؟ أصوات أشبه بنباح كلاب مسعورة، امتلكتها شهوة الجماع أمام أنظار الأشهاد.. صرخت -أمنا- بصوتها المتهدج، العليل: إنني أسمع صوت مجنزرات ودروع أجنبية تعبث بالمكان.»
في قصة «عصا الجنون» نلاحظ انزياح العصا عن موقعها في القصة إلى ما يجاورها من أفعال المجنون، لتنتج الدلالة الإبلاغية، لتكون الدليل للتعرف على القوة البشرية أو العيون البشرية والمسامع البشرية التي تلتقط كل شيء.. لتكمم الأفواه وتسمم الأجواء. عصا بيد مجنون أو مجانين من نوع آخر، ولكنه أو لكنهم من حيث الاستعداد النفسي للاشتغال كأداة بيد السيد وإن تغير السيد من السيد المحلي إلى الغازي والمحتل. «كان عليه أن يجيد قواعد اللعبة، لا أن يمنح عصاه الثقة كاملة، ويجعل منها دليله في الليالي المقفرة، لما انتهت الحرب جاء بعدها الاحتلال، جاء ينتعل حذائين من فولاذ وقصدير.. استمر يرفع ذراعه في الهواء ويلوح بعصاه، كلما شاهد مجنزرة أو مدرعة أجنبية». يتعالق مضمون قصة «الطاووس» مع مضمون قصة «عصا الجنون»، إذ تتسلل الرقابة الدائمة إلى البيت، تصنع الخوف والتوجس اللذين يأتيان في النهاية على العقل ليتيه ويرتبك ويتوهم الأوهام التي تعشش في خلايا الدماغ وتفتته وتوزع اشتغالاته توزيعا مضطربا وقلقا. يتوهم رجل البيت، العسكري القديم والمتقاعد حاليا، في الليل وفي النهار من أن هناك من يفتح الباب ويدخل البيت. الزوجة وابنتاه يقولان له ليس في البيت أحد. ثم وفي الليالي والنهارات التالية، يتحول هذا الذي يدخل البيت خلسة إلى طاووس، طاووس تحبه البنت الصغرى وتعجب به البنت الكبرى وتدافع عنه الزوجة. تحيلنا الطواويس في قصة «الطاووس» وفي قصة اخرى مشابهة، قصة «الكابوس»، إلى تفخيم السلطة لذاتها التي تدخل إلى كل بيت بطواويس صغار وتتلاعب بمشاعر أهل البيت. وحين يتبدل الحال بحال غير الحال الذي كان، تتكاثر الطواويس»ماذا؟ طاووس؟ أيقاسمك غرفتك طاووس؟ هزت البنت رأسها موافقة على سؤالي.. وحين كشفه الضوء الساطع الذي كان المصباح الصغير يعري الموجودات في الغرفة، أرسل الطائر نظرة مرتابة أخرى أحاطني بها بكل حقد وضغينة نافضا ريشه الزاهي أمامي تحديا لرجل مثلي أمضى معظم حياته مهملا لها منغمسا في واجباته في جيش عرمرم… كان أحد معارفي يردد أمامي-لا خلاص لنا من طواويسنا ولا نحن نرضى بالأمر الواقع، كيف سيكون الحل إذن؟». جميع القصص الأخرى تقع على المسار ذاته سواء بالتقنيات الذي يجري فيه أو يتم القص بضمير المتكلم، أو بما تحمله من معان ومضامين، باستثناء قصة «الوليمة» لناحية الثيمة. فهي قصة ممتعة، بلغة موحية وإشارية وجميلة من غير أن يجعلها القاص بمهارته الحرفية أن تجنح إلى المباشرة والتقريرية. وفي هذه القصة على وجه التحديد وفي أثناء القراءة، تظهر مجموعة من العلامات التي تضج بها القصة، تدفع توجيه القراءة إلى قراءة موازية، بعقل يشتغل، اشتغالا مزدوجا أو في اتجاهين المتعة والفائدة التي تستلها من بين كلمات القص لوطن اختفت ملامحه، لوطن سلبه اللصوص، لصوص الخارج ولصوص الداخل». كانت المجاميع من الغرباء وحتى الذين نعرف بعضهم تتدافع بحمية نادرة نحو المائدة للفوز بحصة الأسد، منعت نفسي من متابعة الآخرين، لكن صاحبي أمسك بي من ذراعي وهو يتمتم بصوت مسموع:
– لقد أجهزوا على الغنيمة ولن يبقوا منها شيئا.. انتبه لصوت أحد الهاجمين على الوليمة قائلا: ابدا سوف يظل الجميع يستلمون حصصهم حتى الزمن المقبل!».
٭ كاتب عراقي