أنا من الذين يعترفون دائما بأنه كان للميديا أثر على كتاباتهم الأدبية. أعني الروايات، بل لست في حاجة إلى الاعتراف بذلك لأنني كتبت منذ عشر سنوات (عام 2009) رواية بعنوان «في كل أسبوع يوم جمعة» هي عبارة عن صفحة إلكترونية أقامتها سيدة شابة جميلة، وجعلت يوم الجمعة يوم قبول المشتركين، وكان هو يوم البدايات والنهايات، إذ كانت تصطادهم لتغتالهم واحدا بعد الآخر.
لم أكن في ذلك الوقت قد انضممت إلى تويتر. في النهاية اختصارا للحديث عن نفسي صار تويتر مثل مقهي بعد أن صرت عازفا عن المقاهي، وحولي في الفضاء أعداد من الشباب مختلفي الآراء والروح والثقافة. أقف أكثر عند روح الفكاهة للمصريين التي تتألق إلى حد رهيب. تويتر محفل للحياة وقد تجمعت كلها في مجري واحد. بين هذا الزخم من السخرية والجدية والإحباط والأمل أتابع واحدة لم أفكر أبدا أن أعرف اسمها كاملا، وكل ما عرفته أنها عملت أو تعمل في الصحافة. لم أفكر أن أعرف منها أكثر ولم أفكر أن أقابلها ولا أعرف عمرها، وإن كنت من تغريداتها أعرف أنها أم. لماذا لم أفكر أن أعرف ؟ لأن هناك ظواهر جميلة، يجب أن لا تُخرجها من قبو سحرها.
فاتيما التي تسمي نفسها «روح قلب ماما». تتفرد بثقافة عالية وتتفرد في تغريداتها بالحكي شديد الروعة في التاريخ. تحكي حكايات المصريين حكاما قبل الشعوب منذ دخول العرب إلى مصر حتى العهد الحديث. تأتي بحكاياتها من كتب مؤرخين قدامي مثل ابن إياس وابن تغري بردى والمقريزي والجبرتي وغيرهم، حتى تصل إلى مؤرخين محدثين مثل صلاح عيسى وغيره. فاتيما معنية بقهر الحكام للشعوب، وما فعلوه في البشر لكن الأكثر ما فعلوه في بعضهم وأسرهم وما جرى لهم ولأولادهم ممن جاءوا بعدهم. هي تضع عنوانا لحكاياتها «إحكي يا شهرزاد « لكنها لا تتخيل بل تختصر صفحات كثيرة جدا في تغريدات قد تتجاوز الثلاثين تغريدة، ومن يبدأ فيها لا يستطيع التوقف. وهي لا تكتفي بذلك الحكي المثير، بل تقرنه بالصور التي قد تكون معاصرة، لتوحي بما تريد من ربط بين الماضي والحاضر، أو تكون من الماضي لتظهر كيف أن ما تتحدث عنه فاق الخيال. أنا أدخل إلى تويتر أتابع القضايا الجادة والقضايا الهزلية، وأتفرج على الفوتوشوب المضحك، وأشاهد مقتطفات من الإذاعات المعارضة والموافقة، وإذا أسعدني الحظ تكون فاتيما «روح قلب تويتر» قد ظهرت بحكاية جديدة لشهرزاد عن تاريخنا الذي لا تقف عنده كتب المدارس إلا نادرا، وفي جملة أو جملتين. اليوم وأنا أكتب هذا المقال كانت تحكي كما تقول في تقديمها المعتاد (كمان دقايق هنحكي حدوتة عن أشهر عروسة وأغلى مهر وأطول فرح اتعمل فيك يا منطقة.. عن قطر الندى).
تأتي بحكاياتها من كتب مؤرخين قدامي مثل ابن إياس وابن تغري بردى والمقريزي والجبرتي وغيرهم، حتى تصل إلى مؤرخين محدثين مثل صلاح عيسى وغيره.
ثم تكون التغريدة التالية عن مراجعها التي عادة تكون أكثر من كتاب، ثم تبدأ الحكاية التي نشهد منها ما فعله الحاكم أحمد بن طولون في مصر وابنه خمارويه، الذي تزوج الخليفة المعتضد من ابنته قطر الندى. تقول (أحمد بن طولون كان عضمة ناشفة، وقفت في زور الخلافة العباسية، ومن تناوب عليها لحد ما أُجبروا في النهاية على المفاوضات معاه والمهادنة، في الوقت اللي كان فيه بيوطد أركان حكمه وينهض بمصر زراعيا وصناعيا وتجاريا وبينجز بجد). (وكلنا عارفين إنه بنى عاصمة تالتة لمصر بعد الفسطاط والعسكر وسميت القطائع لأن كل طائفة من رجاله اتخذت لها قطيعة لسكانها، فيقال: قطيعة السودان، وقطيعة الروم، وقطيعة الفراشين، وبَنَى القُوَّاد مواضع متفرقة، فعَمُرَت القطائع وبُنِيت فيها المساجد والطواحين والحمامات). (والناس عاشت في عهده في رخاء.. مدفعوش الجلد والسقط يعني وقربوا يشحتوا لأنه كان بيعتني فعلا بالسدود وأحوال الزراعة واهتم بالصناعة ودوّر على مصادر دخل، زي التنقيب في آثار الفراعنة على الدهب والكنوز.. مات وساب الحكم لابنه خمارويه ووسع بقى عشان احنا داخلين على أيام دلع).
و»الدلع» هنا هو الترف الذي عاش فيه خمارويه حتى أنهم زرعوا له من الأشجار ما لم يعرفوه من قبل (لأ وبيقولك طعموا له شجر المشمش باللوز، وأشباه ذلك من كل ما يُستظرف ويُستحسن. بيهجنوا الزرع والهندسة الوراثية من زمان عندنا أهه ولا فخر!).
(خطب الخليفة المعتضد في بغداد قطر الندى بنت خمارويه حاكم مصر، ووقت الخطوبة كانت تبلغ من العمر خمس عشرة سنة واشتهرت بجمالها وأدبها وذكائها ومن مواليد قصر القطائع وربيبة القصر وبنت العز اللي ما بعده عز). طبعا كان الزواج طمعا من المعتضد في الفتاة الجميلة وتوطيدا للسلام عند خمارويه وبينه وبين الخلافة الإسلامية في بغداد وتحكي التفاصيل ثم تتساءل ماذا فعل خمارويه في جهاز ابنـــــته؟ (جهزها جهازا يضاهي به النِعَم فلم يُبقِ خطيرة ولا طُرفة من كل لون وجنـــس إلا حمله معها، فكان من جملته: دكـــة أربـــع قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مشبِّك في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة جوهر لا يعرف لها قيمة، ومئة هون من ذهب».
(والأصول أن العريس يروح ياخد عروسته من الكوافير يعني بس احنا هنطنش عشان العريس خليفة وميصحش يطخ مشوار من بغداد للقطائع وخليها علينا أحنا، ولما فرغ خمارويه من جهاز ابنته قطر الندى، أمر فبني لها على كل منزلة تنزل فيها قصرا في ما بين مصر وبغداد). (قَدِمَتْ قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه من مصر إلى بغداد، ومعها عمّها لِتُزَف إلى المُعْتَضِد، فدخل عليها في ربيع الأول وكان في جِهَازها أربعة آلاف تِكّة مُجوْهرة، التِّكَّةُ هي الدِكَّة، وهي شريط دقيق من نسيج أو مطاط يُربط به أعلى السَّروال. حزام يعنى للبطن ومطرز ومطعم بالمجوهرات). (ما هي بنت حاكم هتلبس حزام من غير فصوص وتفضحنا! لأ طبعا أنا بس مستغربة العدد. أربع آلاف حزام ليه! حتقف تبيعهم في سوق بغداد؟ وبتقعدوا تتريقوا على اللي بيجيبوا أربع دست فوط وخمسمئة ملاية).
(بس ومن المثال بتاع التكة ممكن نستنج باقي الجهاز شكله إيه والدنانير اللي اتبعثرت بالآلآف المؤلفة دى اتصرفت في إيه . القصد عبدلله بن الجصاص اللي كان مسؤول عن الجهاز والمصاريف هياخد كمان 100 ألف دينار احتياطي خمارويه قال له خليهم معاك لحسن تعوزوا تشتروا حاجة للبنت من بغداد ولا حاجة). (قُصرُه عشان الواحد عنده مرارة واحدة، البت اتجهزت والناس اتبشبشت لأن شوار العروسة كان من أسواقهم وحتى في ليلة الحنة اتوزعت حنة على كل عروسة بتتجوز وقتها على نفقة الحاكم، ابتهاجا بزواج البنت والمصريين غنولها أغنية هتفضل ملازمة الأفراح بتقول «الحنة يا حنة .. يا قطر الندى»).
وتستمر فاتيما حتى مقتل خمارويه على يد الخدم ووفاة قطر الندى بعده بخمس سنوات فيكون المتابع قد ضحك وبكى وعرف الكثير عن أحوال البلاد والعباد. وهكذا صارت فاتيما مؤرخة تويتر البسيطة ذات الروح المتألقة التي تضع القصص محسوسة ومرئية أمامك، ملخصة لك كتبا قد لا يجد الشباب صغير السن رغبة في الإمساك بمجلداتها الكثيرة بين يديه. تريحني فاتيما وتمتعني وأنسى بها الجدل حولي، لكنني أتذكر كم مرّ علينا ـ نحن المصريين ـ من ظلم وظلمة وكيف عبرنا كل هذا الألم حتى حكايات البهجة لا تخلو من نهب لثروات المصريين.
٭ روائي من مصر