بلدوزر الصهيونية: أيقونة التطهير العنصري

حجم الخط
6

خلال العقد المنصرم وحده، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلية على هدم أكثر من 1200 بيت فلسطيني في الضفة الغربية، فشرّدت بذلك أكثر من 5300 مواطن فلسطيني، في عدادهم 2700 طفل أو قاصر. ومنذ سنة 1967، هدمت دولة الاحتلال أكثر من 30 ألف بيت فلسطيني في الضفة الغربية. والرقم الرديف يشير إلى منح المستوطنات 37% من الأراضي المخصصة للبناء، المحتلة والمسروقة بالطبع؛ مقابل 0,7% للفلسطينيين، أصحاب الأرض. رقم ثالث يقول إنّ النموّ السكاني الفلسطيني في القدس المحتلة بلغ 250 ألف نسمة منذ 1967، ولكنّ تراخيص البناء لم تتجاوز 3900 رخصة. أخيراً، خلال سنوات 2005 وحتى 2009، أقرّت سلطات الاحتلال 18 وحدة سكنية، لم يتجاوز حظّ الفلسطينيين منها 13%؛ كلّ هذا حسب إحصائيات الموقع الإلكتروني الإسرائيلي “+972”.

والحال أنّ البلدوزر كان على الدوام قرين الفكر الصهيوني، وأداة كبرى في تاريخ دولة الاحتلال ذاتها، إذْ جرى اعتباره أيقونة تعمير “هذه الأرض التي بلا شعب”، بسواعد “شعب بلا أرض” كما سارت الخرافة. لكن استخدام البلدوزر في إنشاء الكيبوتزات وتشييد المستوطنات الأبكر ترافق مع تهديم آلاف البيوت ومسح مئات القرى الفلسطينية عن الخارطة التاريخية، قبل أن يتكرّس بصفة نهائية كرمز للعنف العنصري والعقاب الجماعي والتطهير العمراني والسكاني؛ ملتحقاً، في هذا، بسلسلة الرموز الصانعة لحاضر الصهيونية، وما بعد الصهيونية لمَنْ يشاء: من رشاش العوزي ودبابة الميركافا، إلى المدارس التوراتية وقانون يهودية الدولة!

وعلى نقيض ما تصوّر الدعاية الصهيونية، وليس دعاية دولة الاحتلال وحدها، لا يتمّ هدم البيوت عقاباً على سلوك “إرهابي” فقط، طبقاً لتصنيفات سلطات الاحتلال بالطبع؛ بل حدث مراراً أنّ التهديم اتخذ منحى التهجير القسري والـ”ترانسفير” المقنّع، خاصة في المواقع التي تحظى لدى الإسرائيليين بقيمة توراتية خاصة. كذلك حدث مراراً أن جرى تهديم أمكنة عمل وممتلكات عامة، تنفيذاً لسياسة العقاب الجماعي التي يمكن أن تطال أفراد أسرة بأكملها نتيجة معاقبة أحد أفرادها. وفي مطلع العام 2013، هدمت سلطات الاحتلال دار رفعت عيساوي، من باب دفعه إلى الضغط على أخيه سامر كي يوقف إضرابه عن الطعام!

وليس مدهشاَ أبداً أنّ الفكر الصهيوني يتفاخر بعد التمييز بين دم ودم، وبين “إرهاب فلسطيني” و”إرهاب يهودي”؛ لكنّ هدم البيوت، بوصفه جزءاً من العقاب، لم يشمل أياً من الأعمال الإجرامية والإرهابية التي ارتكبها ويرتكبها غلاة الإسرائيليين. في سنة 2005 كان إيدن ناتان ــ زادة قد قتل أربعة فلسطينيين بدم بارد، متباهياً بانتمائه إلى حركة “كاهانا حيّ”، المصنّفة إرهابية لدى الولايات المتحدة وأوروبا ودولة الاحتلال ذاتها؛ لكنّ بيته لم يهدم. قبله، في سنة 1994، اقتحم باروخ غولدشتين الحرم الإبراهيمي وقتل 29 وجرح 125 من المصلّين الفلسطينيين؛ فلم يتجاسر البلدوزر على الاقتراب من بيته!

وإلى جانب هذه العربدة الهمجية التي تمارسها سلطات الاحتلال، ثمة عربدة قانونية تستكملها المحكمة العليا الإسرائيلية التي يندر أنها أوقفت عمليات هدم، أياً كانت الذرائع واهية في تبريرها؛ ولكنها، في المقابل، لا تضيّق الخناق على شكاوى الفلسطينيين وما يتقدمون به من طعون شرعية، فحسب؛ بل تسنّ سابقة قانونية تلو أخرى، على نحو يمنح الاحتلال صلاحيات إضافية في ارتكاب المزيد من أعمال سلب الأراضي وهدم البيوت.

وإذْ لا يُستغرب تشجيع يصدر عن أصدقاء دولة الاحتلال في مختلف الإدارات الأمريكية، وخاصة الرئيس الأمريكي الحالي، فإنّ صمت بعض الديمقراطيات الغربية، أو تواطؤ بعضها الآخر، لا يقلّ أهمية في منح سلطات الاحتلال ترخيصاً بإطلاق البلدوزر؛ ليُعمل تخريباً في العمران الفلسطيني، وتطهيراً وتسفيراً. وخلال زيارتها الأخيرة إلى دولة الاحتلال، اعتبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن قضية قرية خان الأحمر هي “قرار إسرائيلي” لا تتدخل فيه “الديمقراطيات”!.

فللبلدوزر، أيقونة التطهير العنصري والعمراني الإسرائيلي، مكانة وحصانة وقداسة!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية