الفلسطيني هاني عباس: هاجسي الكبير هو الانسان في كل مكان

حجم الخط
0

بيروت ـ حفزت أحداث الربيع العربي عموماً فن الكاريكاتير، وجعلته من أكثر الفنون التشكيلية ديناميكية، ويعود ذلك ربما إلى القدرة التي يحملها هذا الفن في توجيه النقد، أو ربما في قدرة الكاريكاتير على السخرية، حيث تتجلى السخرية هنا كشكل وحيد للتعاطي مع هول ما يحدث.
يقول هاني عباس فنان الكاريكاتير الفلسطيني السوري: «بالتأكيد الثورة الفكرية التحررية التي رافقت الربيع العربي حفزت جميع أنواع التعبير المكتوب والمرسوم والمحكي، بتصوري وظيفة الكاريكاتير هنا أصبح واجبا عليها أن تتخذ عدة مسارات معاً، نقل الحقيقة، تصوير الوضع العام، النقد، ونقل الصورة بطريقة تترك أثراً وتؤرخ للحظة، تبتعد الفكرة هنا عن السخرية لتتجه نحو العمق أكثر والتأثير أكثر، هذه هي الوظيفة المناطة بالرسم الآن، ما حدث ويستمر في الحدوث الآن هو أكبر بكثير من أن تعبر عنه برسم كاريكاتوري، فاجعة كبيرة ما، نمرُّ بها، تبقى أن نرسل رسائل الأمل الباقي».
على صعيد التجربة الشخصية لعباس سنجد في أعمال الفنان الكثير من الوجع، ورصد مكثف لانكسارات الناس وآلامهم، ورغم بساطة الصورة التي يشكلها إلا أنها تزخر بالدلالات والرموز، وهو ما يطرح السؤال حول الديناميات التي تقف خلف العمل الإبداعي للفنان، هل يعود ذلك إلى الوعي السياسي والثقافي الذي اكتسبه في سياق تجربته الخاصة حيث تصبح الثقافة والانخراط بالفعل الثوري جزء من فعل الإبداع، أو تتعلق المسألة بمحددات أخرى تتعلق بالتأمل وفعل الإبداع الغير مشروط بالعوامل الاجتماعية والحياتية للفنان. يقول عباس: «أتصور أن القوة التي ظهرت في بعض رسومي ناتجة عن العمق في الاحساس والابتعاد عن الرسم الاستهلاكي، الدلالة الرمزية للأشياء ورؤيتها بشكل آخر، ربما تولد صدمة في مكان ما، الإنسان هو هاجسي الكبير، الإنسان في كل مكان، ما عشته من أحداث حقيقية هو الذي غير كل حياتي وطريقة تفكيري، بصراحة أنا أعيش عمراً إضافياً، تعرضت للموت المباشر وغير المباشر عدة مرات، بالإضافة للخسارات الكبيرة التي خسرتها كالكثير من السوريين، وشاء الله أن احصل على فرصة إضافية، سخرتها لنشر هذه التجربة المرة».
تناول عباس عبر أعماله العديد من المواضيع كالحصار والدمار وتشرد الشعب السوري، وحصار اليرموك بشكل خاص، وفي كل الحالات رحنا نتلمس اضمحلال المسافة بين الفلسطيني والسوري، ورغم أن الممارسة الثورية على أرض الواقع دفعت باتجاه عدم التمييز بل الدمج على صعيد الهوية بين الفلسطيني والسوري.
أعادت الثورة السورية بناء وتشكيل الهوية الوطنية مجدداً، أو هي سعت إلى ذلك، وطرحت تساؤلات عديدة على الجميع بمن فيهم الفلسطينيين السورين، وتركت أثرها على الأفراد والجماعات، وساهمت في اكتشاف الأفراد لذواتهم وما يجول في أعماقهم، وبالنسبة لعباس بشكل خاص فيقول: «بالنسبة لي، الشيء المهم الذي اكتشفته هو الإنسان الموجود بداخلنا.. الإنسان بكل ما فيه من صفات أهمها الإحساس الأكبر بالأشياء، والشجاعة.. وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار. القرار الذي قد يودي بحياتك.. الجميع وضع على المحك.. لم أهتم كثيرا بالانتماءات أياً كانت.. المهم هنا أن تقف مع الحق دون النظر إلى أية أوراق. الثورة ولدت لدي ولدى الكثيرين عامل تحفيز العقل وتوسيع ادراكه للقضايا وقدرته على الغربلة والفهم الأفضل.. البحث في قدرات العقل والنفس البشرية.. وتسخير ذلك في طريقة للحياة المعاشة والتعامل مع الآخرين بالإضافة إلى دعم العمل الفني بالأفق الجديد الذي أتاحته تجربة الثورة المعاشة».
أنتجت الثورة السورية العديد من الأعمال الفنية، كما ساهمت في بروز أسماء فنانين شبان جدد، وفي الوقت الذي تميز فيه البعض، وقع البعض الآخر في فخ التكرار والابتذال، وكان السؤال المطروح: ما الذي يحمي الفنان من تكرار نفسه ومواضيعه؟ وما الديناميات التي تقف خلف فعل التجدد والإبداع لدى الفنان؟ يقول عباس: «الفكرة هنا أن الرسم الحقيقي هو الذي يعبر عن الواقع تماماً، فإذا كان الواقع يكرر نفسه فلا عتب على الفنان من تكرار فكرته عدة مرات، ولكن عليه أن يكون حريصا على البحث عن التفاصيل التي لم ينتبه إليها احد، والإضاءة عليها، فمثلاً كتب التاريخ تخبرنا عن المنتصرين والمهزومين في الحروب ولكن لم تخبرنا عن قصص ملايين البشر الذين ماتوا أو شردوا أو اعتقلوا أو دمرت حياتهم خلال ذلك، هنا يأتي دور الفن، الرسم، الرواية..، لتلقي الضوء على هذه التفاصيل التي تعطي بالضرورة المؤشرات الصادقة للأحداث القادمة».

صبر درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية