تجاوزت القضية حدود السجال المألوف، ساخناً كان أم بارداً، حول استقالة مدير متحف كبير في ألمانيا، فاتخذت بُعداً سياسياً ورقابياً فحواه التهمة العتيقة (العداء للسامية)، وقرينتها التهمة الثانية الجاهزة (التعاطف مع الفلسطينيين)؛ بدليل أنّ أسبوعية الـ»إيكونوميست» البريطانية أفردت صفحاتها للقضية، ويندر أن تفعل لو أنّ الأمر لا يستحقّ العناء!
الألماني بيتر شافر (1943 ــ ) أحد أساطين الدراسات اليهودية والتوراتية في ألمانيا، بل يتفق الكثيرون على أنه الأب المؤسس لهذا الفرع الحساس في هذا البلد تحديداً، كما لا يخفى على أحد. وإلى جانب التدريس في أبرز الجامعات الألمانية، دُعي شافر كأستاذ محاضر زائر في جامعات أخرى ذات صيت دولي رفيع، مثل برنستون وييل وأكسفورد؛ وكذلك الجامعة العبرية في القدس المحتلة، وجامعة تل أبيب (التي منحته الدكتوراه الفخرية أيضاً)، وهذه دلالة على تقدير بالغ حظي به شافر في الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية.
كان طبيعياً، إزاء هذا السجلّ اللامع، أن تعهد إليه وزارة الثقافة الألمانية بإدارة «المتحف اليهودي في برلين»، الذي يُعدّ الأضخم في اختصاصه على النطاق الأوروبي، بعد تقاعد و. ميكائيل بلومنثال المدير المؤسس، في الأول من أيلول (سبتمبر) 2014. وكذلك كان طبيعياً أن يقدّم شافر استقالته، أو يُجبر عليها في الواقع، يوم 14 حزيران (يونيو) هذا العام، بعد سلسلة هجمات بالغة الشراسة شنتها ضده دوائر صهيونية عالمية، تصدرها رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو شخصياً. والأخير بلغ به الحقد على المتحف درجة مطالبة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بوقف الدعم المالي الذي توفّره الحكومة الفدرالية للمتحف؛ وأمّا شارلز كوفمان، رئيس منظمة «بناي بريث الدولية»، إحدى أبرز مجموعات الضغط الصهيونية العالمية (أكثر من 200,000 عضو، في 50 بلداً)، فقد اقترح إعادة تسمية المؤسسة هكذا: «متحف إضافة الإهانة على الجرح» بحقّ يهود العالم!
أيّ ذنوب رهيبة اقترف شافر، حتى استحقّ هذا الصخب والعنف والغضب من دولة الاحتلال وأنصارها؟ وكيف لم تشفع له أياديه البيضاء في خدمة الدراسات اليهودية في طول أوروبا وعرض أمريكا وقلب دولة الاحتلال ذاتها؟
أيّ ذنوب رهيبة اقترف شافر، حتى استحقّ هذا الصخب والعنف والغضب من دولة الاحتلال وأنصارها؟ وكيف لم تشفع له أياديه البيضاء في خدمة الدراسات اليهودية في طول أوروبا وعرض أمريكا وقلب دولة الاحتلال ذاتها؟ ولماذا لم يتوسط له، عند أمثال نتنياهو وكوفمان، أنه حوّل المتحف إلى مؤسسة تحظى بشعبية عالية لدى الألمان عموماً، وزوّار برلين خصوصاً، لدرجة استقبال 700 ألف زائر سنوياً؟ وكيف أنكروا عليه تنظيم ذلك المعرض الفريد المتميز، حول الختان في مختلف أبعاده الدينية والميثولوجية والفيزيولوجية، وحول تاريخه وإشكالياته في الفقه اليهودي بصفة خاصة؟
هنا ذنب أوّل: تنظيم معرض بعنوان «مرحباً في القدس»، اعتبره نتنياهو «يعكس منظوراً فلسطينياً ــ مسلماً أساساً»؛ رغم أنّ المتحف عرّف المعرض هكذا: «الكنيس والكنيسة والمسجد تشكّل صورتنا عن القدس. المدينة المقدسة مركز إيماني هامّ لليهود والمسيحيين والمسلمين من مختلف أنحاء العالم. وبالتزامن مع هذا، القدس موطن توترات سياسية فائقة، إذْ يعلنها الإسرائيليون والفلسطينيون عاصمة لهم». وضمن تفاصيل أخرى كثيرة، توقف الاعتراض الإسرائيلي عند مجسّم للقدس أنجزه المعماري الألماني كونراد شيك، يعود إلى القرن التاسع عشر، بذريعة أنّ الأقصى وقبّة الصخرة وكنيسة القيامة تبدو أكبر بكثير من حائط المبكى!
وهنا ذنب ثانٍ، ولكنه الأعظم الذي أطاح بإدارة شافر للمتحف: على صفحته الرسمية في موقع تويتر، أعاد المتحف تغريد رابط لمقالة نشرتها يومية Taz الألمانية اليسارية، تطالب بفتح نفقاش جدّي حول قرار البرلمان الألماني تصنيف حركة مقاطعة إسرائيل (المعروفة أكثر باسم BDF) ضمن خانة معاداة للسامية. ورغم أنّ المتحف نوّه، بوضوح صريح العبارة، أنه لا يتبنى أيّ رأي تضمنته مادة الصحيفة، فإنّ قيامة مجموعات الضغط اليهودية والصهيونية لم تقعد حتى وجد شافر نفسه مضطراً إلى تقديم استقالته، «من منطلق عدم إلحاق المزيد من الأذى بالمتحف»، كما أشار.
لكن التطورات اللاحقة لهذه القضية لا يلوح أنها أضافت انتصاراً لمجموعات الضغط هذه، ولحكومة نتنياهو على نحو محدد، بل لعلها صنعت واحدة من هزائمها النكراء الأشدّ فضحاً لانحطاط تفكيرها وسوء تدبيرها. الخطوة الأولى لإنصاف شافر جاءت من عريضة وقعها 58 من كبار مسؤولي المتاحف في 14 بلداً، تستنكر دفع شافر إلى الاستقالة وتعتبر أنه كان على الدوام صديق الدراسات اليهودية وبالتالي أبعد ما يكون عن العداء للسامية. الخطوة التالية جاءت من عريضة ثانية أطلقها 50 من كبار الأكاديميين المشتغلين بالأبحاث التلمودية، قالوا فيها إنهم «متحدون تماماً في إعجابنا العميق بالبروفيسور شافر كعالم، وأكاديمي رائد، ومثقف عمومي». العريضة الثالثة انطلقت قبل أيام ووقّع عليها، حتى الساعة، 445 من كبار أساتذة الجامعات في أوروبا وآسيا وأمريكا، بينهم العشرات من داخل دولة الاحتلال (وثمة عربي واحد، في إحصائي الشخصي، هو أحمد هويدي أستاذ الدراسات اليهودية في جامعة القاهرة). وفي إحدى فقراتها، تقول العريضة: «لقد انتشرت اتهامات زائفة حول البروفيسور شافر، ويروّعنا أنّ الحقيقة لم تسد، وأنّ سمعة عالم كرّس نفسه للدراسات اليهودية يجري تلطيخها أمام العموم على هذا النحو».
الذي ساد، في المقابل، وعلى غرار ذلك الشعار الهمجي الشهير الذي رفعه شبيحة النظام السوري: نتنياهو، والصهيونية العمياء، أو… نحرق المتحف!