أود في البداية أن أشكر الناقد عادل الأسطة، لأن النص الصغير الذي كتبه على صفحته في «فيسبوك»، بتاريخ 26 تموز/يوليو 2019، ثم استعاده في مقاله في جريدة «الأيام» الفلسطينية 28 تموز/ يوليو، أخرجني من مناخات الجنون الطائفي التي نعيشها في لبنان. لقد وصل المأزق إلى ذروتيه مع قيام رئيس الجمهورية بردّ قانون إعفاء أولاد اللبنانيات المتزوجات من أجانب من إجازة العمل إلى مجلس النواب، ثم إعلان صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل رفض قانون الموازنة، مهدداً بعدم توقيعه، تمسكاً بالموقف الطائفي إياه.
الخطب النارية والمواقف الطائفية تعيدنا إلى مناخات الحرب الأهلية، وسط زمن الأخطاء، الذي افتتح بالقمع المتنامي ضد اللاجئين السوريين ووصل إلى ذروته في انتفاضة المخيمات ضد قوانين التمييز العنصرية التي فُرضت على اللاجئين الفلسطينيين.
إن قراءة هذا المسلسل الذي يجمع الذكورية بالطائفية وقمع الفن بتطييف الدين على طريقة المجلس الكاثوليكي للإعلام في حملته على حفلة فرقة «مشروع ليلى»، يجعل المرء يشعر أنه يعيش في غابة لا تتردد فيها سوى أصداء صراخ طائفي مخيف يأخذنا إلى القمع الذي يرفض مساواة المرأة بالرجل، ويعتدي على الفن، ويسحق اللاجئين والفقراء.
أما بعد،
فقد سمح لي عادل الأسطة في شذراته النقدية التشريحية بأن أدخل في نقاش حول قضية اسمها علاقة الأدب بالوقائع الاجتماعية التي ينطلق منها ويعيد صوغها.
كتب الأسطة في مدونته:
«أشطر من ضومط على العجم» مثل فلسطيني شاع في حيفا كما ورد في رواية «أولاد الغيتو 2 / نجمة البحر»، ودفعني للاستفسار عنه من أهل حيفا، فما أجابوا .
أمس، التقيت بالكاتب توفيق فياض وأتينا على رواية الياس خوري المذكورة.
سألت توفيق عن المثل باعتباره سكن في حيفا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وهي الفترة التي تأتي عليها رواية الياس، فأجابني توفيق بأن الاسم الصحيح هو ضامط وليس ضومط، وذكر من صفاته ما يتطابق مع بعض صفاته في الرواية .
غابت القصة عن الجيل الجديد، بل والجيل القديم، وأحياها الروائي وصوّبها القاص والروائي».
أما في مقاله في جريدة «الأيام»، فقد أضاف الأسطة إلى رأي فياض سؤاله الدائم: «كيف يكتب روائي رواية عن مكان لم يقم فيه»؟
تمنيت وأنا أقرأ هذين النصين أن يكون توفيق فياض على حق ويكون راوي «نجمة البحر» مخطئاً. فلفياض مكانة كبيرة في وجداني، فلقد عملنا معاً في مركز الأبحاث، وقضينا أيام بيروت صحبة محمود درويش، وكان له فضل كبير في تعريفنا بالأدب العبري عبر ترجمته الرائدة لرواية «خربة خزعة» للكاتب س. يزهار.
لكن للأسف، فقد أخطأ فياض في حكاية ضومط، لكن خطأه لا يقارن بخطأ الناقد الذي نقل دردشة عفوية وحوّلها إلى تصريح.
المهم أن المثل صحيح: «أشطر من ضومط على العجم»، والاسم ضومط وليس ضامط. وأحد مصادر الحكاية على علاقة وثيقة بالبهائيين وحديقة عباس أفندي في الكرمل. ضومط هو اسم عائلة لبنانية مارونية من جبل لبنان، عمل أفراد منها في حيفا، وكان أحدهم شريكاً في محلات «سبينيس» في حيفا مع ميرزا جلال. وأنا لا ألوم فياض فالذاكرة تلتبس، لأن أصل الحكاية التي يستند إليها المَثَل حصلت في عشرينيات القرن المنصرم، لكني عاتب على الناقد الذي لم يُدقق مصادره الاجتماعية.
أما مصادري، أنا الذي لم أزر حيفا ولست فلسطينياً، فهي جزء من سرّ المهنة الذي سأبوح بشيء منه اليوم، على الأقل من أجل أن أعطي امرأة فلسطينية لامعة ومناضلة حقها، فهي رفيقة درب جان جينه في أزقة المذبحة في شاتيلا، وكانت إلى جانب محمود درويش في شعره ومعاناته مع المرض، وتسنّى لي أن أنعم بصداقتها ورفقتها واسمها ليلى شهيد.
دور هذه المرأة في صحبتها للأدب كبير، فهي أشبه بنص خفيّ تُستلهم منه النصوص، وليس مصادفة أن يمتد أثرها إلى الجيل الجديد من كتاب فلسطين فتحضر في رواية رائعة كتبها أكرم مسلّم ونُشرت حديثاً وعنوانها «بنت من شاتيلا».
كتبت هذه الحقيقة كي أصوّب خطأ هامشياً. لكن سواء كان ضومط أو لم يكن، فقد صار حقيقة، لأن الأدب يصنع حقيقته التي هي حقيقة البحث الإنساني الدائم عن المعنى.
هل سأل أحد شكسبير لماذا كتب عن هاملت الدنماركي وهو ليس دنماركياً؟ أو عن حقيقة الأمير هاملت التاريخية؟ حقيقة هاملت هي مسرحية شكسبير، أما الباقي فيدخل في اركيولوجيا الأدب التي، على أهميتها، هي جزء من تاريخ النسيان.
رواية النكبة الفلسطينية المستمرة عمل شاق، لأن عليها أن تُبنى في مسارين متكاملين: التوثيق والتخييل. في «أولاد الغيتو» بجزأيها، كما في «باب الشمس»، يتداخل العاملان، لكن الرواية ليست كتابة للتاريخ، فهي تؤرخ الجوهري، أي تحوّل المادة التاريخية إلى أرضية للخيال، وتأخذها إلى مناطق القلق والأسئلة.
الرواية تصنع وعياً مغايراً بالأشياء، إنها الحكايات القادرة على مواجهة تاريخ المنتصرين، وبمقدار ما تحمل من عمق إنساني نابع من التجربة المعاشة، بمقدار ما تتحوّل إلى إطار لا يكتبه المؤلف وحده، بل يصير دعوة للضحية كي تشق صمتها بكتابة الألم.
بدل أن نبحث عن آدم دنون أو عن خليل أيوب أو عن نهيلة في شخصيات حقيقية لا وجود لها، تعالوا نقرأ الدلالات المتعددة التي تختزنها هذه الشخصيات المتخيلة، والمعاني المختلفة التي تحملها.
الواقع، أي الحقائق الاجتماعية، ليست سوى إطار يفرش أرض الخيال الذي يقوم بتحويلها إلى احتمالات متعددة.
فالأدب يتحول في الوعي إلى حقيقة تعيد تأويل ما نراه أو نعرفه، مدام بوفاري ليست فلوبير مثلما ادّعى الكاتب الفرنسي، فقد خرجت المرأة من الكلمات لتتداخل مع حياة القراء.
لا يصير النص أدباً إلا حين تتحول شخصياته ومناخاته المتخيّلة إلى جزء من حقيقة حياتنا، وعندها فقط يستحق النص، سواء كان شعراً أو نثراً، أن نُطلق عليه اسم الأدب.