بيروت-“القدس العربي”: عندما قرر المخرج اللبناني غسّان سلهب تقديم فيلم “وردة” للجمهور فهو أراد أن ينقل له رؤية امرأة ثورية متفائلة رغم ظلام السجن الذي حكم حياتها لفترات طويلة متعددة. تلك المرأة التي شعرت كثيرا بانتمائها إلى فئة “طيور القرقف أكثر منه إلى الرفاق” كما قالت في إحدى رسائلها، مسّت مشاعر السينمائي الثائر والمقاوم بأفكاره. فهل لسجين أن يقول “ظلام الليل الداكن لهو ناعم وجميل كالمخمل إذا نظرنا إليه كما يجب”؟
غسان سلهب الذي سيقدم فيلم “النهر” قريباً يعتبر نفسه كمخرج بأنه يستجيب لما في داخله وليس لمتطلبات السوق وشباك التذاكر، ودعا الجمهور كي يسمع احساسه. عندها سيختلف تلقيه للسينما.
معه هذا الحوار:
*”النهر” فيلمك الروائي المقبل معه تُكمل ثلاثيتك “الجبل” و”الوادي” التي بدأت سنة 2010. أنت مثابر أم تتميز بالنفس الطويل؟
**سيكون فيلم “النهر” جاهزاً قريباً جداً. نعم مرّت سنوات بين “الجبل” و”الوادي” و”النهر” إنما تخلل هذا الزمن عدّة أفلام آخرها “وردة”. لا شك يحتاج الفيلم الروائي لنفس طويل، خاصة وأن أفلامي لا تحمل مواصفات سوق السينما الكبير، كما أن هذا السوق لا ينتظرها. ولدت أفلامي نتيجة اصراري، إلى جانب دعم آخرين يؤمنون بعملي. أفلام تحتاج لنفس طويل كما سبق الذكر، وتمويلها لا يتوافر بسهولة. في منطقتنا لا يقدم المخرجون المتميزون على شبّاك التذاكر أفلاماً متتالية كما ندين لبكي أو زياد دويري. بلدنا صغير وليس لدينا سوق سينما، وكذلك حال العالم العربي. والحواجز تواجه المواطن العربي في انتقاله بين بلد وآخر. إضافة لهذا عملي السينمائي لا يعتمد السائد، بل أنتهج السبيل القديم المعتمد من قبل قلة قليلة.
*تُصمم على نوع عملك السينمائي الذي ترغب به قلة مختارة من الجمهور. كيف بنيت هذه القناعة؟
**لم أخترع جديداً في عالم الفن. أعرف أين أعيش تماماً وأن الحياة تتطلب مزيداً من التساهل. لا أهجس بمقولة أفلامي ليست للجمهور، وكذلك لا أعرف سبب سلوك هذا الاتجاه بدل ذاك في الحياة. وأدرك تماماً بأنني لو صنعت “روايات مفهمومة” تعتمد القواعد السينمائية التي يمكنها شق الطريق لجمهور أوسع لأفلامي، عندها ربما يكون الدرب أقل صعوبة أمام تلك الأفلام. ولكن، على أحدنا أن يستمع لما في داخله. علاقتي مع السينما قادتني في اتجاهي هذا. حتى الرسّام حين يعتمد اتجاهاً ما فهو يتبع ما يشير به داخله. حين أصور أو أكتب أستجيب لما في داخلي.
*هل لك وصف نداءات داخلك؟ وماذا تريد القول من خلال السينما؟
**لا أظن مخرجاً صادقاً له قدرة الجواب. كسينمائي لست بصدد أي رسالة توعية، فرح أو حب. أؤمن فقط بقدرة الفن على أن يهزني في علاقتي مع هذه الحياة، ومع الآخرين، وبعيداً عن أي خطاب مباشر.
*أن يُعجب البعض بالسينما التي تقدمها وأن لا يُعجب آخرون. ماذا تقرأ في هذا؟
**لا أستغرب ذلك مطلقاً. ولا أستغرب أن يغادر أحدهم الصالة خلال العرض. أو أن يردد الفيلم طويل. قد يتضمن فيلم من ساعة ونصف بين 1000 و1500 مشهد. وربما يكون في أفلامي 200 أو 250 مشهداً فقط. لدى المشاهد عادات يعرفها نظام السوق. كذلك ليس في الصالات كافة أنواع السينما بل القليل القليل منها، وما تبقى تقدمه المهرجانات. للجمهور عاداته، وفي الواقع ليس هدفي الاستجابة. في رأيي لو سمع الجمهور إحساسه وذاته لأكتشف ما هو أغنى بكثير مما تمنحه إياه حياته اليومية.
*في زمن التكنولوجيا الطاغي والمشاعر الموزعة عبر الواتس أب هل ما يزال هناك من يسمع احساسه؟
**لا شك هم موجودون. للأسف يسمع أحدنا احساسه مع حلول أزمة ما، وخلالها ربما يطرأ تغيير على البشر. لست في وارد الفلسفة، لكننا لم نعد كما كنّا قبل 20 سنة مرّت. بعضهم يقول لي ليس في امكاننا رؤية أفلامك عبر اللابتوب. ردي أنه بعد 20 سنة لا أحد يضمن استمرار اللابتوب كوسيلة للمشاهدة. بل ستضعون اللابتوب في حقيبته وتعودون إلى السينما. لا شيء حتمي، والسينما في الصالة تختلف تماماً عن اللابتوب. وللمقارنة يمكن تشبيه هذه وتلك بين الاستماع إلى الموسيقى عبر mp3، أو عبر ستريو و”بافلات” ممتازة، وعندها سيكون الفرق عظيماً. كل تلك الإعتراضات لن تجعلني أقدم أفلاماً تأخذ بالاعتبار تلك المعايير والملاحظات. على هذه الجهة من السينما والفن والتفكير، من المؤكد أني مقاوم.
*كيف ولماذا احتلت روزا لوكسمبورغ مكانة في روحك فكان فيلم “وردة”؟
**تعرّفت إلى التجربة الثورية لروزا لوكسمبورغ في سبعينيات القرن الماضي. أفكاري وقناعاتي تنتمي لأقصى اليسار ولا تزال. فيما بعد قرأت ترجمة لرسائل كتبتها خلال مراحل اعتقالها المتكرر بالفرنسية. بخلاف رسائلها، فأفكارها مترجمة إلى العربية. قبل سنوات قليلة أعدت قراءة تلك الرسائل، وقد اختلفت نظرتي لها نظراً لتقدم العمر، وتوقفت ملياً عندها. وجدت فيها جانباً إنسانياً ساهم في توثيق صلتي بأفكارها وحياتها. فإن كان الإنسان هو محور الأديان والثورات، ففي رسائل روزا لوكسمبورغ تتداخل الطبيعة والإنسان معاً. أي أن الإنسان يتخذ مكانه والدنيا تتخذ مكانها. رسائل روزا لا تقول هذا بوضوح، لكن هذا ما شعرته. قريباً ستترجم تلك الرسائل إلى العربية من قبل زياد شكرون الذي ترجم بعضها وقرأتها كارول عبود بصوتها فقط في فيلم “وردة”. رغبت بتلك الترجمة ليتعرف إلى تلك الرسائل المزيد من الناس في منطقتنا العربية. الصورة الراسخة لروزا لوكسمبورغ في الأذهان أنها أيقونة ثورية، وفي فيلم “وردة” أردت تقديم وجهها الإنساني غير المعروف. بالنسبة لي يمكن عيش الحياة بطريقة أخرى، وتلك الرسائل تقول إن الحياة يمكن أن تكون بسيطة بالمعنى الكامل والعميق للكلمة. فالحياة معقدة وسهلة في الوقت عينه.
* هل من فرق بين رسائل روزا لوكسمبورغ وروحها، ونضالها وذكائها؟
**وهذا ما يمنحها صورة أقوى وأغنى. جميعنا يعرف أنها ناضلت وماتت في سبيل أفكارها وبهدف تحقيق الثورة، ويمكن أن نرى جانباً آخر من شخصيتها. الثورة فشلت صحيح، لكن هذا لا يعني وجوب قبول العالم كما هو، لنا حرية التفكير بحياة لها شكل آخر.
*ورد في الفيلم “عنواني عربي فلسطيني”. هل المسافة كبيرة بين الفاشية التي اغتالت روزا والفاشية التي تغتال فلسطين؟
**أخذت هذه الأغنية من فيلم هنري غودار “هنا هناك”. لا، المسافة ليست بعيدة، ممتهنوا التحطيم يتشابهون. سنة 1918 كتبت روزا لوكسمبورغ عن خطورة اتجاهات الثورة السوفييتية، وكانت البادئة. كيسارية لمست بوعي خطورة ثورة بدأت من فوق لتحت، بدل أن تكون معاكسة. فهِمت بأنها ثورة ارستقراطية، وأن من هم فوق يقررون لمن هم تحت. المسافة عينها موجودة بين من كسروا روزا ومن كسروا الفدائيين الفلسطينيين. كلبناني وعربي بدأت صلتي بالثورة من خلال الفدائيين الفلسطينيين. جيلنا حلُم بتحرير المنطقة من خلالهم. أما الفشل فهو حديث آخر.
*روزا تُمجّد الحياة، الطبيعة والجمال حتى في سجنها. أي البشر تمثل في رأيك؟
**يمكنني الاستشهاد بمتفرجين لا صلة لهم بالثورة ولا بالثوريين، مسهم الفيلم كثيراً من خلال إنسانيته. في حين شاهده من كانوا ثوريين بنظرة مختلفة. ربما لأنهم توقعوا فيلما يقول لهم “يلاّ نعمل ثورة هلّق”. تجربة روزا كامرأة مهمة جداً، خاصة وأنها يهودية، بولندية وتعيش في ألمانيا. وقلة من البشر تعرف رأيها عن الحروب في افريقيا. هي امرأة عاشت في نهايات القرن الـ19 وبدايات القرن الـ 20. وكانت ذات حضور ووقار.
*ماذا عن رمزية البوستر والعصفور الذي تخترق رأسه الدبابيس؟
**في رسائلها كانت روزا تحب العصافير كثيراً. كانت متخصصة برسم العصافير والورود فقط. يمكن القول إن الطبيعة بشكل عام كانت غرامها. عندما قصدْتُ بائع طيور محنطة واخترت أحدها طلب مني البائع أن أرفع الدبوس بعد أيام لأن العين حينها تكون قد التصقت في مكانها تماماً. رغبت في ترك الدبوس، فوجوده يمثل شراسة. الإنسان من ضمن الطبيعة، وهو أشرس ما فيها، والدبوس يمثل الإنسان. في رأيي قد تكون البندقية سخيفة في مقابل شراسة الدبوس.
* صورة الجسر والنهر واللوحة التي تحمل اسم روزا في برلين هل يشكل المشهد إدانة للقاتل أم ماذا؟
**الديمقراطيون الاجتماعيون هم من قتلوا روزا، وهم من أعطوا الأمر للقاتل. ولا أظن أن هذا هو المكان الذي رمي من فوقه جسدها بعد قتلها. الفاشية قتلت روزا مرتين، الثانية حين تمّ إطلاق اسمها على جسر، بهدف تكريم ذكراها! تكريم ذكراها يكون بكشف حقيقة الذي حدث. حتى اللحظة لا يقال في ألمانيا عن ثورة حدثت في زمن روزا. ولا يقال إن الديمقراطيين الاجتماعيين هم من قتلوها. هذا غير معترف به.
*”وردة” فيلم تجريبي، السؤال كم يخضع هذا النوع من الأفلام لقواعد محددة، وكم يخضع لرؤية المخرج؟
**بشكل عام لا قواعد. ربما يضع البعض قواعد لذاته باعتبارها أسهل. قواعد الفيلم التجريبي مفتوحة أكثر من أي نوع آخر من الأفلام وثائقية أم روائية. لست أدري من أطلق التسمية على فيلم لا ينطبق عليه نوع السينما الروائية أو الوثائقية. في بداياتها كانت السينما أكثر حرية من الآن.