بيروت- «القدس العربي»: مرة جديدة، يخاطب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مجلس النواب في ولايته الرئاسية، فبعد استخدامه صلاحيته الدستورية قبل فترة لتأجيل انعقاد المجلس النيابي شهراً لعدم إقرار قانون انتخابي لا يؤمن العدالة للتمثيل المسيحي، ها هو يبعث أمس الأربعاء برسالة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد وقت قصير من توقيعه قانون موازنة العام 2019، يطلب فيها تفسير المادة 95 من الدستور لتوضيح الفقرة «ب» منها الواردة تحت عنوان «وفي المرحلة الانتقالية»، حيث «تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني…»، معطوفة على الفقرة «ي» من مقدمة الدستور التي تنص على أن «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك».
والداعي إلى توجيه الرسالة الرئاسية هو ما ورد في المادة الثمانين من قانون الموازنة لجهة «حق الناجحين في المباريات والامتحانات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية بناءً على قرار مجلس الوزراء وأعلنت نتائجها حسب الأصول بتعيينهم في الإدارات المعنية»، والذي لا يتضمن مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
وجاء في رسالة رئيس الجمهورية: «بما أن هذا النص، على إطلاقه، يعني الأخذ بكامل هذه النتائج المعلنة من دون أي اعتبار أو تحفظ، إن لجهة مرور الزمن القانوني عليها أو لجهة أي أخطاء قد تعتريها، أو لجهة آثار أي مراجعات قضائية بشأنها، أو لجهة أي تداعيات على انتظام العمل الإداري في ضوء حاجات الإدارات المعنية وتطورها أو انحسارها بعد مضي وقت على نتائج المباريات، أو -وهذا هو الأهم الذي يعني بالمباشر مجلسكم الكريم- لجهة مناهضة نتائج المباريات «مقتضيات الوفاق الوطني» التي يجب مراعاتها حتماً في معرض إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة على ما أتى ذكره في موضوع هذه الرسالة، ما يقتضي معه من مجلسكم الكريم تفسيراً محدداً لعبارة «مقتضيات الوفاق الوطني» الواردة في المادة 95 من الدستور، معطوفة على الفقرة «ي» من مقدمته، لا سيما في ضوء آثارها على الوظيفة العامة».
وختمت الرسالة: «بما أن ما يؤيد كل ما سبق أنه حصل نقاش مستفيض بين المكونات السياسية حول الخلل الميثاقي في اعتماد نتائج المباريات التي تضمنتها المادة الثمانون المذكورة من قانون موازنة عام 2019 وابتكرت حلول -أو كانت في طور الابتكار-لتفادي هذا الخلل قبل تدخل المشترع على النحو المذكور، فضلاً عن اللغط الذي حصل عند إقرار المادة المذكورة، وبما أن مشاريع المراسيم المعنية لم تصدر بسبب الخلل المذكور الذي شابها بشكل فاضح.. من هذه المنطقات جميعها نتوجه إليكم، دولة الرئيس، بهذه الرسالة لمناقشتها في مجلس النواب الكريم وفقاً للأصول واتخاذ الموقف أو الإجراء أو القرار بشأنها ما يستدعي تفسير الدستور، وتحديداً المادة 95 منه، معطوفة على الفقرة «ي» من مقدمته، وفقاً لقواعد التفسير الدستوري، وذلك حفاظاً على ميثاقنا ووفاقنا الوطني وعيشنا المشترك، وهي مرتكزات كيانية لوجود لبنان وتسمو كل اعتبار، مع حفظ حقنا وواجبنا الدستوريين من موقعنا ودورنا وقسمنا باتخاذ التدبير الذي نراه متوافقاً والدستور في المسائل التي أثرنا في رسالتنا هذه، علّ تفسير مجلسكم الكريم يساهم في الإضاءة الوافية لنا ولأي سلطة دستورية معنية بالمسائل المذكورة».
وكان معارضون لرئيس التيار الوطني الحر، الوزير جبران باسيل، قد أكدوا أن كلامه باطل؛ لأن الدستور لحظ المناصفة في الوظائف الأولى بين المسيحيين وبين المسلمين. ولا ينطبق الحال على المواطنين الذين نجحوا للوظيفة العامة في امتحانات مجلس الخدمة المدنية. أمّا الثاني، فلأن الدستور قال بالمساواة بين المواطنين وليس بين الطوائف، وعلى قاعدة الكفاية والاختصاص.
وكان لافتاً أنه بعد إثارة الوزير باسيل مسألة احترام المناصفة، تمّ تسريب إحصاء من إعداد الشركة الدولية للمعلومات أظهر فرقًا عدديًا شاسعًا بين المسيحيين والمسلمين، بحيث شكّل المسلمون ثلثي سكان لبنان مقابل الثلث للمسيحيين.
وعلى هذا التعداد، ردّت محطة «أو تي في» التابعة للتيار الوطني الحر قبل ردّ الوزير باسيل، حيث ذكرت القناة ما يلي: «كنا نعتقد أن وقف العدّ والامتناع عما يناقض ميثاق العيش المشترك هو مبدأ ثابت. لكن ما جرى في موضوع الموازنة يجعلنا نسأل، هل الأحزاب والقيادات السياسية حريصة فعلاً على الشراكة المتوازنة وعلى التنوع، أم أن المناصفة مجرد كلام من دون التزام؟». أما الوزير باسيل فلوّح، فردّه بخيارات أخرى في مقابل «التهديد بالعدّ «، وقال: «لا يهدّدنا أحد بالعدّ؛ لأن هذا التهديد ينقلب على صاحبه لأن لنا خياراتنا أيضاً، وخياراتنا كلها وطنية تحافظ على هذا البلد، ونحن نعرف كيف نحافظ عليه ولا نتخلى عنه، ومن يتكلم بالعدّ ويشكك بهذه المبادئ يكون هو من يتخلص من لبنان ومن صيغته».
واتهم باسيل كتلاً بالانقلاب على اتفاق مع التيار الوطني الحر لشطب البند من المادة 80 الذي يتحدّث عن حفظ حق الفائزين في مباريات مجلس الخدمة المدنية. وقال في إشارة الرئيس نبيه بري: «كلنا سمعنا عبارة «شطبت» لثلاث مرات، وكلنا كنا على ثقة بالاتفاق. وبكل بساطة، لم نعرف أنه وارد إلا بعد وصوله إلى رئاسة الجمهورية، وكانت الصدمة الكبرى، وبالرغم من كل ذلك نحاول المعالجة.
وكان عضو كتلة «المستقبل» النائب محمد كبارة حذّر «المتمادين في خرق الدستور من مغبة إسقاطه؛ لأن سقوط الدستور يعني سقوط معادلة وقف العد التي التزمنا بها في الطائف لحماية التوافق الوطني والحؤول دون العودة إلى لغة العنجهية والتعالي التي أسست للحرب الأهلية».