لؤلؤ الأعماق في البحرين

حجم الخط
1

آخر ما يمكن أن ينفع نضالات الشعب البحريني، في مطالب الحريات العامة والحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية والنظام السياسي القويم، هو تغريدة من المرشد الاعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي؛ أو أخرى، تابعة وملحقة وأقرب إلى رجع الصدى، تأتي من المراجع الشيعية هنا وهناك في العالم المسلم. ذلك لأنّ الاصطباغ بالصفة المذهبية، الشيعية على وجه التحديد، هو آخر ما يحتاجه الحراك الشعبي البحريني، في وجه استبداد آل خليفة ونظام التمييز والفساد والتبعية والارتماء في أحضان دولة الاحتلال الإسرائيلية، وتحويل المنامة إلى مسرح لعروض “صفقة القرن”.

التاريخ يسجّل أنّ العنصر المشترك الأهمّ في سوابق الاحتجاجات الشعبية هو أنها ألّفت بين الشيعة والسنّة، ولم يكن اختلاف المذهب الديني يحول دون اتحادهم في صفّ واحد للمطالبة بالإصلاحات والحقوق. وأمّا العنصر المشترك الثاني، المتلازم في الوقع، فهو أنّ آل خليفة لم يقمعوا الانتفاضات الشعبية لأنها تهدد نظام الحكم وامتيازات الأمراء ومصالحهم المحلية فقط، بل فعلوا ذلك من باب تلبية أجندات خارجية، وخدمة مصالح قوى إقليمية ودولية.

فمنذ اكتشاف النفط سنة 1932 وحتى استقلالها رسمياً سنة 1971، تحوّلت الجزيرة إلى محمية بريطانية في وجه الإمبراطورية العثمانية والقوى الدولية التي حاولت منافسة بريطانيا في السيطرة على المحيط الهندي، من جهة أولى؛ وإلى بئر نفط يغذّي الحاجات المتزايدة للصناعة البريطانية، من جهة ثانية. وكان أمراً طبيعياً، فيما بعد، أن تنقلب البحرين ما يشبه المنطقة العازلة بين السعودية وإيران، أو بالأحرى بين المواطنين السعوديين الشيعة وتأثيرات الثورة الخمينية ومرجعية الوالي الفقيه في طهران، إلى جانب كون الجزيرة قاعدة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية.

ذلك يفسّر القلق الأمريكي الشديد إزاء تطورات الانتفاضة الشعبية البحرينية، في شباط (فبراير) 2011، والتدخّل العسكري السعودي المباشر الذي اتخذ صفة قوات “درع الجزيرة”؛ وكذلك يفسّر الاحتجاج الإيراني، إذْ من المعروف أنّ طهران لا تكفّ عن التذكير بأنّ الجزيرة أرض إيرانية؛ وهذا خطاب لم يبدأ مع الثورة الإسلامية وحدها، بل يمتدّ من الإمبراطورية الصفوية في أعقاب طرد البرتغاليين من الجزيرة سنة 1602، وحتى سنة 1957 حين اتخذ البرلمان الإيراني قراراً باعتبار البحرين الولاية 14 في إيران.

ورغم أنّ الشيعة يشكلون نسبة 70% من السكان، ولديهم تنظيم سياسي يمثّلهم عملياً هو “الوفاق الوطني”، أياً كان الاتفاق أو الخلاف على طبيعة هذا التمثيل ومقداره؛ إلا أنّ الحزب لا ينصّ على الانتماء للمذهب الشيعي كشرط للعضوية، وهو داخل في تحالف عريض لستة أحزاب، تُسمّى “جمعيات” في الواقع لأنّ القانون لا يسمح حتى الآن بتشكيل منظمات تحت مسمى “حزب” سياسي. وشيعة البحرين اتصفوا، على الدوام، بانحيازات إيديولوجية تعددية، فيها التيارات الليبرالية أو القومية أو الناصرية أو اليسارية أو حتى الماركسية، كما أنّ المتدينين بينهم يميلون إلى مرجعية آية الله السيستاني في النجف أكثر من قم وخامنئي.

من الخطأ، في المقابل، تجاهل الحقائق العديدة التي تشير إلى أنّ مواطني البحرين الشيعة يتعرضون بالفعل إلى تمييز ملموس، في سياسات الإسكان والتوظيف والتجنيس، فلا يشغل الشيعة إلا 13% من وظائف الدولة، وليس لهم أيّ ممثل في مجلس الدفاع الأعلى، ونسبة وجودهم في وزارة الدفاع والداخلية والحرس الوطني تعادل الصفر تقريباً، وفي القضاء لا تتجاوز 5%، وفي برلمان 1973 تمثلوا بنسبة 29% ثمّ هبطوا إلى 20% في برلمان 2006… وهذه مجرد أمثلة. لكنّ السنّة، الذين يزعم آل خليفة تمثيلهم، ليسوا أقلّ خضوعاً لسياسات أخرى جائرة تجعلهم ضحايا على قدم المساواة مع مواطنيهم الشيعة، إزاء الفساد الواسع والتسلط المطلق وانقلاب االبحرين إلى مزرعة استثمارية لآل خليفة.

وهكذا، على غرار أيقونة اللؤلؤ في الدوّار الشهير، تظلّ المطالب الشعبية المشروعة والمحقة كامنة في الأعماق، حيّة وحيوية؛ بعيداً عن تغريدات التجيير المذهبي، أياً كانت منابعها ومحركاتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية