كيف أصبحت ليبيا ساحة خصومات إقليمية؟

حجم الخط
0

بمرور ثلاثة أشهر على اندلاع جولة جديدة من الحرب الأهلية في ليبيا، التي قتل فيها حتى الآن أكثر من ألف شخص، باتت الدولة الإفريقية الشمالية مركزاً متجدداً لصراع محتدم بين المعسكرات السنية المتنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط. فالتدخل الخارجي في الحرب الأهلية في ليبيا بحد ذاته ليس تطوراً جديداً. العكس هو الصحيح؛ فمع إسقاط حكم معمر القذافي في 2011 رأت دول في المنطقة وخارجها في الفوضى الناشئة في ليبيا فرصة لتحقيق مصالحها في إطار كل تسوية داخلية تكون فيها. في الجولة الأولى من الحرب الأهلية بين 2014 – 2015، تلقت الميليشيات العاملة غربي الدولة، وبعضها كان مرتبطاً بالإخوان المسلمين، دعماً مالياً وعسكرياً من تركيا وقطر والسودان. وذلك مقابل الجناح الشرقي من الميليشيات، التي تعمل تحت قيادة الزعيم العسكري خليفة حفتر، الذي تلقى الدعم المالي والوسائل القتالية من مصر والسعودية واتحاد الإمارات. وتلقى حفتر المساعدة حتى من روسيا التي سعت إلى استغلال تقلص النفوذ الأمريكي والأوروبي في ليبيا كي تعمق تواجدها ونفوذها في حوض البحر الأبيض المتوسط.

إن هذه المنافسة بين المحاور المتناحرة واضحة في ليبيا حتى اليوم. وذلك رغم “الاتفاق السياسي الليبي” الذي تحقق في نهاية 2015، وأنهى الجولة الأولى من الحرب الأهلية، وعلى أساسه تشكلت “حكومة الوفاق الوطني” في طرابلس، بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج. وتقلصت شدة الخصومات في أثناء 2016 في أعقاب نشوء اللواء الأكبر لـ “الدولة الإسلامية” داعش خارج أراضيها المركزية في سوريا والعراق ليصل إلى ليبيا. ولكن منذ الهزيمة العسكرية للواء الليبي لداعش، التي أتيحت من خلال الغارات الجوية الأمريكية والفرنسية، عادت الأطراف في النزاع للبحث عن تسوية. في أثناء المفاوضات التي جرت برعاية الأمم المتحدة، عادت الخصومات الإقليمية إلى مركز الساحة. ومع أن هناك تقدماً في المسيرة حين وافقت كل الفصائل الأساسية على الدخول في حوار وطني وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حتى نهاية 2019، ولكن مع هجوم حفتر المفاجئ على العاصمة في بداية نيسان للسيطرة على أراضي الدولة كلها، تدهورت ليبيا مرة أخرى إلى جولة من الحرب الأهلية وتميزت المواجهة الحالية بمستوى متصاعد من التدخل الخارجي.

مثال على ذلك هو الغارة الجوية التي جرت في 3 تموز على مركز اعتقال المهاجرين شرقي طرابلس. هذا الحدث الذي قتل فيه ما لا يقل عن 60 مهاجراً، نسب بداية إلى حفتر الذي قيل إن وسائل قتالية نقلت إليه من اتحاد الإمارات في ظل خرق حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا، أو إطلاق الصواريخ من الطائرات الحربية للإمارات (حتى الآن لم يتبن أي طرف في الحرب المسؤولية عن الهجوم). وبالفعل فإن اتحاد الإمارات هو الداعم المركزي لحفتر، يورد له الوسائل القتالية ويساعد قواته بالتدريب والتمويل، إضافة إلى ذلك استخدم طائرات حربية وطائرات مسيرة في الهجوم على أهداف تتماثل مع حكومة طرابلس. كما علم أن اتحاد الإمارات الذيي يهاجم من الأراضي المصرية، أقام هناك قاعدة لطائراته الحربية.

إن دعم الإمارات لقوات حفتر، مقابل دعم قطر وتركيا للميليشيات العاملة داخل وحول طرابلس، ينسجم مع الخلاف الإقليمي الذي نشأ منذ اندلاع الهزة في العالم العربي، وفي إطاره يدعم اتحاد الإمارات (بإسناد من السعودية) القوات التي تعارض الإخوان المسلمين، بينما قطر تؤيد الإخوان. وبالفعل، زار حفتر الرياض قبل بضعة أيام من هجوم نيسان على طرابلس. أما قطر، من جهتها، التي كانت الدولة العربية الأولى التي اعترفت بحكومة الثوار في ليبيا في 2011 وبعثت (إضافة إلى اتحاد الإمارات) ست طائرات قتالية كمساعدة رمزية في حملة الناتو لفرض الإغلاق الجوي على ليبيا، قلصت بقدر ما تدخلها العسكري المباشر في ليبيا، والآن تدعم مالياً وسياسياً بالأساس الجهد التركي في الدولة.

بين دول الخليج المشاركة في الحرب الأهلية في ليبيا، فضلاً عن الخلاف في موضوع دعم الإسلام السياسي، ثمة منافسة على المكانة والنفوذ في المنطقة، وتشارك فيها أيضاً مصالح اقتصادية ثقيلة الوزن، وعلى رأسها المنافسة على السيطرة على آبار النفط والغاز التي تحت سيطرة طرابلسالآن، والتي لها تفويض من الأمم المتحدة لتصدير الذهب الأسود. لليبيا احتياطات النفط الأكبر في إفريقيا، وحتى الهزة التي جرت في العالم العربي كانت المصدرة الإقليمية الثالثة في حجمها إلى أوروبا. وعلم بأن سيطرة حفتر على آبار نفط مهمة جرى تنسيقها مع اتحاد الإمارات ومصر، ويحتمل أن تجرف إلى جيوبها بعضاً من الأرباح.

بالتوازي، على خلفية التصعيد في الحرب الأهلية في ليبيا، يبدو واضحاً التدخل التركي المتزايد في ما يجري في الدولة. لتركيا مصالح اقتصادية ترتبط بإعادة بناء ليبيا وبالصفقات التي وقعت حتى قبل سقوط القذافي. إضافة إلى ذلك، فضلاً عن تأييد تركيا المبدئي للجهات المقربة من الإخوان المسلمين، يشجع منفيون من ليبيا اتخاذ موقف متشدد ضد حفتر. إضافة إلى ذلك، فإن أنقرة تولي ليبيا أهمية في ميزان القوى في شرق البحر المتوسط. وتوثق التعاون في مثلثي مصر – قبرص – اليونان، وإسرائيل – قبرص – اليونان، وكذا نقاط الاحتكاك بين هذين التعاونين فقد تعزز من ناحية تركيا إحساس الحصار الإقليمي الذي تشعر به وتشجع على رد عنيف نسبياً من جانب أنقرة. فضلاً عن ذلك، فإن عدم الاستقرار في السودان وسقوط عمر البشير، الذي كان حليفاً لتركيا يجعل ما يجري في ليبيا حرجاً أكثر لأنقرة. والعتاد القتالي الذي نقلته تركيا إلى حكومة الوفاق الوطني في ليبيا تضمن طائرات مسيرة ومدرعات، وكذا تجدها تساعد في تدريب القوات العاملة باسم هذه الحكومة. أما اختطاف المواطنين الأتراك الستة الذين كانوا يعملون في شركة النفط الليبية، من قبل قوات تتماثل مع حفتر، فقد جر تهديدات من جانب وزارة الخارجية التركية في رد حاد ضد هذه القوات ومطالبة بتحرير سريع نسبياً للمخطوفين.

إلى جانب التدخل المتزايد للقوى الإقليمية فيما يجري في ليبيا، فإن روسيا هي الأخرى تسعى لأن تحقق مصالحها في الدولة. في الأسابيع الأخيرة اعتقل مواطنان روسيان في ليبيا واتهما بمحاولة التأثير على سير الانتخابات المخطط لإجرائها في نهاية السنة وعلى نتائجها. وإذا كانت هذه بالفعل محاولة للتأثير على الانتخابات، فالحديث يدور عن مزايا جديدة للتدخل الروسي في ليبيا، لأن هذا تميز بإرسال مستشارين عسكريين ونقل سلاح ودعم مالي لحفتر.

في أعقاب الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي (2012)، الذي قتل فيه السفير الأمريكي، خفضت الولايات المتحدة تواجدها وتدخلها في ليبيا. بعد ذلك، دعمت -لفظياً- عملية المفاوضات التي جرت برعاية الأمم المتحدة بهدف إنهاء الحرب الأهلية والوصول إلى تسوية سياسية جديدة. لقد كانت السياسة الرسمية لإدارة ترامب هي تبني المفاوضات برعاية الأمم المتحدة، في ظل استمرار سياسة الإدارة السابقة للتدخل المحدود. وبالفعل، بعد وقت قصير من تسلم ترامب مهام منصبه، أعلن بأنه لا يرى هناك دوراً للولايات المتحدة في ليبيا، باستثناء استمرار النشاط بين الحين والآخر ضد جماعات الإرهاب العاملة هناك. وعلم مؤخراً أن ترامب أعطى حفتر ضوءاً أخضر لهجوم نيسان على طرابلس، بعد حديث أجراه في الموضوع مع وليي العهد الإمارات والسعودي، إضافة إلى أن الولايات المتحدة رفضت المصادقة على قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة الذي دعا إلى وقف النار بعد العملية في مركز المهاجرين.

من جانب الاتحاد الأوروبي، باستثناء الجهد المشترك لتأهيل حرس الشاطئ الليبي لمنع المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، لا يوجد نهج متماسك من النزاع الداخلي في ليبيا. فرنسا وإيطاليا هما الدولتان الأوروبيتان الأكثر تأثراً بالوضع في ليبيا، ولا سيما بتدفق المهاجرين عبر ليبيا إلى القارة، وهما تنقسمان بالنسبة إلى الجانب الذي تدعمه كل منهما في النزاع. فحكومة الوفاق الوطني في طرابلس تلقت تأييداً لفظياً من روما، وبالمقابل فإن حفتر، كما علم، يتلقى منذ 2015 دعماً عسكرياً فرنسياً. وبالفعل، علم في الأيام الأخيرة عن اكتشاف صواريخ مضادة للدبابات من فرنسا نقلت إلى قوات حفتر.

في الظروف الحالية، ليس للوضع في ليبيا تأثير مباشر وفوري على إسرائيل. ولكن الأزمة المستمرة في هذه الدولة من شأنها أن تكون ذات تأثير على إسرائيل وإن بشكل غير مباشر، وذلك على أربعة مستويات أساسية بالنسبة لها: مضاعفاتها على الاستقرار المصري، وإمكانية أن تصبح ليبيا ملجأ لمنظمات إسلامية عنيفة، واحتمالية أن تتسرب أسلحة تلقتها الأطراف في النزاع الداخلي إلى خارج أراضي الدولة، وتعميق نفوذ روسيا من جهة وتركيا من جهة أخرى في حوض البحر المتوسط عبر تثبيت وجود أوسع في الدولة الإفريقية الشمالية الفاشلة.

بقلم: سارة بوير، يوئيل جوجانسكي، وغاليا ليندنشتراوس

نظرة عليا 4/8/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية