عندما يقدم فرد، أو مجموعة (ثوار، متصوفون، انقلابيون، مجرمون، فلاسفة، علماء، فنانون) على تنفيذ عمل «كارثي»، أي عمل يخرق منظومتنا الرمزية التي يتحدد من خلالها وجودنا ووعينا الاجتماعي، ويضعنا في مواجهة مباشرة مع واقع لا معنى له (يعرقل، يسبق، يتفادى منظومة إنتاج المعنى)، تكون ردة الفعل هلع، بحث سريع عن حكم أخلاقي، عن قانون، عن عرف يدينه، أو عن مثاليات، واجبات، التزامات، عقائد، قضايا تبرر الكارثة وتنفي عنها كارثيتها. لكن في الحالتين، يغيب السؤال المحوري وهو «كيف تمكن من الإقدام على عمل كهذا». ليست أخلاقية هذه الـ «كيف»، بل تتوجه إلى ماهية الكلمات والطلاسم، والدوافع والرغبات، التي دمجت لإنتاج هذا الفعل.
من هنا ينطلق الكاتب الإيراني ــ الأمريكي، جايسن بهبك محقق في كتابه الأخير «أومنيسايد: الهوس، الموت، والمستقبل في هذيان» (ترجمة أومنيسايد الحرفية: قتل كل شيء) الصادر عن دار نشر «أوربانوميكس»، البحث عن فلسفة جنون جديدة، تنبثق عنها فلسفة رغبة، وفلسفة فناء، يحتوون بعضهما بعلاقة جدلية.
الفكرة الاختزالية للنمط
يقول محقق إنه اكتشف، منذ أكثر من 14 عاما، عندما كان يؤلف كتاباً عن العنف، أن أي نظرية مجردة اختزالية وشاملة، قد ينتجها، سيكتب لها الفشل، لأنها لن تتمكن من احتواء جميع اشتقاقات وأشكال العنف، إذ وجد أنها تختلف جذراً عن بعضها. ويروي لقاء له مع جماعة «قتلة مأجورين» في أحد الأسواق في دولة شمال افريقية. خلال الحديث، انتبه إلى غياب أي ميول سادية لديهم، وابتعادهم عن فعل القتل بذاته، أي ببساطة لا يعني القتل لهم شيء. أسماء، ومهمات. في المقابل، أخبروه عن المرتزقة الذين تربطهم بالعنف وفعل القتل، علاقة وثيقة، تكاد تكون حميمة. من هنا يعتبر محقق أنه لا يصلح اختزال القاتل المأجور، والمقاتل المرتزق، بمجرد وصفهم بـ (قتلة)، كما لا يصلح اختزال ممارساتهم بفئة مجردة كـ (العنف). وفي حين أن اختزال ظواهر متعددة تحت فئة واحدة، قد يكون شرطاً ضرورياً للبناء النظري، إلّا أنها تفرض على المنظّر استبعاد الاختلافات بين هذه الظواهر والتركيز على ما يوحدها.
يحاجج محقق في مكان آخر، أنه في حين تمكن فرويد من تتبع حالات الشيزوفرينيا بدقة، إلّا أنه باعتبارها، على المستوى النظري ظاهرة واحدة، تتطلب نظرية واحدة، يختزل التعددية والاختلاف المتأصل في تمظهر هذا المرض. ففي المكان الذي يحاول فرويد تحديد نمطية لطبيعة الأصوات التي يسمعها الشيزوفريني، على سبيل المثال، يقول محقق إنه ليس المهم فقط من يتكلم، بل ما تقوله الأصوات: منها أصوات تدعو إلى الانتحار، غيرها يوهم الفرد بأنه إله، أو نبي، أو أنه يحمل عبئا كونيا، أو إنه لا مكان له في الدنيا، شيطان، عميل للاستخبارات. وفي كل حالة يختلف الاختبار نوعياً: أن تكون نبياً، ليس كأن تكون فأر اختبارات لمخلوقات فضائية، ليست كأن تتكلم مع الأموات. لذلك يحاول محقق في أومنيسايد الابتعاد عن الاختزال النظري، بل يعتبر أن الآلية المثلى لمقاربة الهوس هي أن يكون الباحث على استعداد لتخطي قطر الهوس، وتطبيق أساليب هوسية، أي أنه على المرء أن يخاطر بسلامة فكره، لذا يرى أنه يجب أن نبدأ بأرشفة قائمة من الأوهام، الاضطرابات الشخصية، والأساطير والقصص التي يجب على المرء أن يمليها على نفسه لكي يصبح ظاهرة «خطيرة» أي أنه لا بد من تأليف كتالوج يجمع أنماط عمليات إعادة اختراع الذات المهوسة. «لا بد من أرشفة الأزياء الساحرة التي على الإدراك ارتداءها من أجل الإطاحة ببنية الوجود الموروثة ــ الخيال الفردي مقابل الخيال العالمي التاريخي أو الكلي».
اختزال ظواهر متعددة تحت فئة واحدة، قد يكون شرطاً ضرورياً للبناء النظري، إلّا أنها تفرض على المنظّر استبعاد الاختلافات بين هذه الظواهر والتركيز على ما يوحدها.
آليات البحث
يعتمد الكتاب على عمليتين في بحثه الأركيولوجي عن الهوس والجنون: يضع عشرة مؤلفين ثابتين أمام كل مسار هوسي (كل فصل يبحث في فئة هوسية) وفي كل مرة يتم الاعتماد على هذه الأصوات العشرة لاستخراج جملة أو فقرة واحدة قد تؤمن للباحث «آثار خريطة في تلك المتاهة المظلمة». المؤلفون جميعهم من الشرق الأوسط، ويبرر الكاتب ذلك بأهمية هؤلاء الكتاب أولاً، وكونهم ما زالوا مادة خصبة للبحث قل من عالجها. ثانياً المؤلفون هم: صادق هدايت، رضا بنسمايا، أدونيس، جويس منصور، فروغ فرخزاد، إبراهيم الكوني، أحمد شاملو، غادة السمان، محمود درويش، وحسن بلاسم. كذلك تصميم آلة تفسيرية ديناميكية متعددة التكتيكات: في بعض الحالات، يتتبع الكتاب منحى فينومينولوجيا؛ وفي غيرها، يأخذ طابعا سرديا؛ أو يتبع خطا نظريا معينا، أو يركز على شخصية تجسد حدثا أو مفهوما ما. يعتبر الكاتب أنه بمعالجته الهوس بهذا النحو، يتمكن من الوقوف على المحك دوماً ليمتد ويتحول حسب الحاجة التحليلية.
ويعتبر محقق أن «هذه هي الطريقة التي يبني فيها الفكر شبكة معقدة الأبعاد لموضوع الدراسة، ويؤسس بها للمزاج الصحيح، ليصبح ترسانة نظرية». المشكلة طبعاً أن الكتاب لا يعرض نظرية متكاملة، ولا حتى جزئية. يبحث الكتاب في مجالات ومتاهات والتواءات العقل، ويفاقم الاختلافات بين فئات الهوس حسب مضمونها. ولكن بحكم تجنبه الاختزال ميثودولوجياً قدر الإمكان، لا يقدم إلا شبكة، أهم إحداثياتها: الرغبة، الوهم، الهوس، ونبذ العالم.
أومنيسايد
في رواية صادق هدايت «البومة العمياء»، يفقد الشخصية الرئيسية «موضوع هوسه» في اللحظة التي يكتسبها فيها. وهي على الأرجح نتاج هذيانه: امرأة رآها من نافذة لا وجود لها في خزانته. جاءت بعد ذلك إلى بابه، أدخلها شقته، ثم ماتت في سريره. والمثير للاهتمام هو أن الحدث يأخذ نوعًا من منعطف صوفي. عند وفاتها، يفقد إحساسه بذاته، لكنه لا يعاني من حالة اغتراب، بل من انتثار كوني. يقول إنه اختبر في تلك اللحظات نوعا من الوحدة مع جميع الكائنات، والعمليات الطبيعية، كما مع الأفكار والنظريات والعقائد. موتها فك أسر وعيه المحجوز في ثالوث هوية – جسد – موضع هوس، وأشعل في داخله «حياة فريدة من نوعها»، تتصل بجميع المخلوقات حوله، لتشكّل «علاقة لا تكسر مع العالم الخارجي». بات، بدل أن يكون شخصاً، شبكة تتألف من «نظام معقد من الوصلات غير المرئية» التي ترشد تدفقا من الدوافع بينه (أو بين خلاياه المنتثرة) وجميع تفاصيل الطبيعة. ويجد نفسه قادرًا على اختراق «أسرار اللوحات الفنية القديمة، والفلسفات المعقدة». كما شارك في «ثورات الأرض والسماء». وانهارت الخطية الزمنية، وأصبح الماضي والحاضر والمستقبل، نقطة موحدة ، كلها تنصهر في «حياة ذهنه».
المفارقة، وهنا يأتي موضوع كتاب محقق، أن الرجل في الرواية لم يحبذ هذه التجربة الكونية التي وصلته بجميع تفاصيل الوجود، إذ يخبرنا أن ما يفعله المرء عندما يجد نفسه مشتتًا بهذه الطريقة، هو الاجتهاد بلملمة ذاته عبر «عادة راسخة» تتعلق بهوسه الخاص. بكلام آخر، يبحث عن آلية لنفي الكون عنه، ليعود إلى عزلته، إلى وحدته، وبالتالي إلى هوسه – الأمر الوحيد الذي يستحق بالنسبة له الوجود. لذلك بدلاً من تقبل هذا الانفتاح الكوني، فإنه يجبر نفسه على العودة إلى العزلة، ويعيد بناء باطنه من خلال محاولة إنقاذ موضوع هوسه، واحتوائه في قالب غير قابل للفساد، فيمضي الليل في رسم جثة المرأة التي ماتت على سريره. المشهد الذي يخطه هدايت أشبه برحلة صوفية ظلامية، حيث يفنى المرء بالتعددية المطلقة للوجود لا بوحدته. يقرأ الحدث وكأنه تقريباً كارثة. أن يصبح كونياً أمر صاخب للغاية، إذ يحوّل تركيزه من الموجود الوحيد الذي يعتبره، بحكم هوسه، مطلقا. ما يسميه محقق بـ«أومنيسايد» يتجلى بأوضح هيئاته، في نفي التعددية من أجل رفع جزئية معينة عرضية وعابرة إلى درجة المطلق، هنا تتصل فلسفة الرغبة بفلسفة الفناء.
يستشهد محقق بمقولة نيتشه بأن الفنان ينسى تقريباً كل شيء من حوله، كي يتمكن من ممارسة أمر واحد. ويعتبر أنها تظهر على نحو ما، العلاقة بين الرغبة (بالأخص الهوس) والفناء. ويرى أن هناك العديد من الدوافع التي يمكن تخيلها قد تؤدي إلى رغبة بإبادة كل شيء .. إهداء العالم الميت إلى موضوع هوسه، إزالة جميع العقبات بين المهوس وموضوع الهوس، حرمان العالم من موضوع هوسه، أو كما في حال هدايت، لرفع موضوع الهوس من مستوى الجزئية إلى مقام المطلق.
٭ كاتب لبناني من أسرة «القدس العربي»