كيف ينظر الغرب إلى التحالف ضد إيران؟

حجم الخط
0

منذ شهرين تقريباً، بعد اشتداد حدة الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت تنشأ صدوع حقيقية في التحالف العربي الذي تبلور حول تأييد زيادة شدة العقوبات الأمريكية على طهران. ويتبين من محادثات مع خبراء في الاستخبارات الإسرائيلية والمخابرات الأمريكية أن قرار الرئيس الأمريكي ترامب الامتناع عن القيام بخطوات عسكرية ضد إيران، إلى جانب سلسلة من الاعتبارات الأخرى، تضعف التزام دول الخليج بالخط الهجومي ضد إيران. دلائل التغيير الأبرز واضحة في سياسة دولة الإمارات.

وليا العهد، السعودي محمد بن سلمان والإماراتي محمد بن زايد، حثا في السنوات الأخيرة الإدارة الأمريكية على اتخاذ مقاربة هجومية ضد إيران. ويبدو أنهما، حسب تقارير، نسقا مواقفهما سراً بهذا الشأن مع إسرائيل. ولكن دولة الإمارات في الأسابيع الأخيرة تتصرف بصورة مختلفة.

في السنوات الأخيرة تجري في اليمن حرب أهلية دموية تتصارع فيها السعودية وإيران والحكومة المحلية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران. إسهام دولة الإمارات العسكري في الحرب كان كبيراً، لكنها بدأت بتقليص نشاطها العسكري هناك في الشهر الماضي. في الموقع الإخباري “بلومبرغ” جاء، الأسبوع الماضي، أن الإمارات رفضت في حزيران الماضي طلب رئيس حكومة اليمن منح بلاده مساعدة مالية أخرى، وأنها تنوي إعادة فحص مكانتها الاستراتيجية في المنطقة. وقيل إن دول الخليج تخاف على مكانتها إزاء تهديد إيران وزيادة التوتر بين طهران والولايات المتحدة.

الإمارات تنفي أن الأمر تعلق بانسحاب كامل، وتقول إن هناك تغييرات في انتشار القوات، لكن الانطباع السائد في إسرائيل هو أن الإمارات تريد وقف مشاركتها في حرب اليمن. أما الحوثيون فأعلنوا أنهم سيتوقفون عن مهاجمة أهداف إماراتية رداً على تغيير سياستها. يبدو الآن أن السعودية ستبقى في معركة اليمن وحدها مع مساعدة مقلصة من وحدات مكونة من مرتزقة جندتهم دول مختلفة، منها السودان.

في الأسبوع الماضي، وبشكل استثنائي، سافر قائد حرس الشواطئ في اتحاد الإمارات إلى طهران، وهناك التقى نظيره الإيراني. وقع الطرفان على اتفاق جرت فيه بلورة تفاهمات مشتركة بشأن ترتيبات الملاحة والصيد في الخليج. وقبل ذلك امتنعت الإمارات عن اتهام إيران بشكل صريح بتفجير ناقلة نفطها، بعد عدد من الهجمات الأخرى، التي -حسب أقوال الأجهزة الأمنية في الغرب- قام بها حرس الثورة الإيراني ضد ناقلات نفط ومواقع لصناعة النفط. في خطوة ليست أقل استثنائية من الخطوتين الأخيرتين، سافر الأسبوع الماضي وزير سعودي إلى طهران لإجراء محادثات مع نظيره الإيراني على ترتيب زيارة لبعثات الحج من إيران إلى مكة والمدينة. وليس مستبعداً أن موقف السعودية أيضاً تجاه إيران بدأ يلين.

يمكن لهذه الأحداث والتطورات أن تشير إلى ضعف دعم دول الخليج، وبالأساس اتحاد الإمارات، للخطوات الأمريكية. تكمن اللحظة الحاسمة في مواجهة قرار ترامب الذي تحدث عنه علناً، وهو الامتناع عن مهاجمة عقابية لإيران بسبب إسقاطها الطائرة الأمريكية بدون طيار في شهر حزيران الماضي. قال الرئيس إنه قرر عدم مهاجمة أهداف إيرانية رداً على إسقاط هذه الطائرة التي تقدر قيمتها بـ 130 مليون دولار، بعد أن قدم له البنتاغون تقديراً يفيد بأنه قد يقتل نحو 150 إيرانياً في الهجوم. وهو ما اعتبر في الولايات المتحدة خطوة موزونة ومحقة، غير أنه يبدو لكثيرين في الخليج نوعاً من إبداء الضعف أمام طهران التي تلزم جيرانها بإعادة فحص مواقفهم.

بوجه عام، وبعد أن أظهرت خطاباً متشدداً وفظاً في الأسابيع الأولى من المواجهة، ضبطت واشنطن نغمتها. وأوضح ترامب بأنه غير معني بحرب أخرى في الخليج، وأنه يتوق إلى استئناف المفاوضات مع طهران بشأن العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في أيار 2018، هذه المرة من خلال طرح طلبات بعيدة المدى من الإيرانيين.

في نهاية الأسبوع الماضي، كتب تقرير في “نيويورك تايمز” جاء فيه أن إيران رفضت في الشهر الماضي اقتراحاً للسناتور الجمهوري ران بول، الذي يعمل بدرجة من التنسيق مع ترامب، لدعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى المفاوضات حول الاتفاق النووي. هذا التقرير يؤكد المخاوف التي سادت منذ فترة في إسرائيل بأن الإدارة الأمريكية تسعى إلى استئناف المفاوضات. وفي موازاة ذلك، كانت هناك منشورات مختلفة في وسائل الإعلام العربية حول إمكانية قيام عُمان بالتوسط بين الطرفين. هكذا فعل العمانيون أيضاً في الاتصالات التي قادوها لبلورة الاتفاق الانتقالي بين إيران والمجتمع الدولي في العام 2013.

تجد الولايات المتحدة صعوبة في هذه الأثناء لتقديم مبادرة لإنشاء قوة دولية تحمي إبحار ناقلات النفط في الخليج بعد الهجمات التي نسبت إلى إيران. بريطانيا، التي اختطفت إيران ناقلة نفط لها في الشهر الماضي (رداً على خطوة بريطانية مشابهة ضد ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق) وافقت على وضع سفينتين في المنطقة، إحداهما تخرج من الخليج قريباً لأعمال الصيانة. فرنسا وألمانيا تملصتا من الاستجابة للطلب الأمريكي. أما الولايات المتحدة نفسها -كما أعلن ترامب- لا ترى في تأمين الملاحة مهمة تقع تحت مسؤوليتها المباشرة؛ لأن قطاع الطاقة لها تحرر في معظمه من الاعتماد على النفط العربي.

من الصعب توقع ما هو الاتجاه الذي ستتطور نحوه الأمور في الخليج في الأسابيع القريبة. الكثير يتعلق بالخطوات القادمة للإيرانيين وبالسياسة غير المتبلورة للإدارة الأمريكية. ولكن عدم رغبة الرئيس في مواجهة عسكرية أمر لا شك فيه.

مثلما في مجالات كثيرة أخرى تتعلق بالسياسة الخارجية للإدارة الحالية تظهر فجوة كبيرة بين التصريحات البلاغية وعملية التخطيط والتنفيذ الفعلي. الإدارة الأمريكية تكثر من التصريحات، لكن تنقصها الخطوة الأخيرة التي ستقود المهمة إلى نتائج حقيقية. إن تراكم الأحداث في هذه الأسابيع يعزز الانطباع في إسرائيل بأنه رغم التهديدات الكثيرة على إيران، فإن الرئيس الأمريكي يفضل طريق المفاوضات، وهو لا يريد استخدام القوة العسكرية الكبيرة. السؤال الأساسي هو هل سيوافق أحد الطرفين على تليين مواقفه بصورة تسمح بالعودة إلى طاولة المفاوضات. تبدو الفجوات بين مواقفهما كبيرة في الوقت الحالي.

التهديد الإيراني في العراق

في الأيام الأخيرة ثمة تعقيب إيراني أولي على الهجومين اللذين نسبا إلى إسرائيل الشهر الماضي في العراق، وكانا وجها ضد مخازن وإرساليات صواريخ في حوزة المليشيات الشيعية غربي العراق. في المقال الذي نشر الأسبوع الماضي على موقع الإنترنت المتماهي مع وزارة الخارجية في طهران، وجه انتقاد للحكومة في بغداد التي لم تحتج على الهجمات الإسرائيلية.

محرر هذا الموقع رمز إلى أن العراقيين تنازلوا عن الحياد وهم يعملون بتنسيق مع الولايات المتحدة. طهران قلقة من اقتراب الهجمات الإسرائيلية من حدودها (مقارنة مع الهجمات في سوريا التي جرت على بعد أكبر). لقد هدد بأن إيران يمكن أن ترد بمهاجمة مواقع أمريكية في العراق. هذا تهديد ملموس من حكومة بغداد التي تسير على حبل دقيق لأنها ما زالت تتلقى المساعدات العسكرية الأمريكية وتعتمد على وجود عدة آلاف من الجنود الأمريكيين على أراضيها.

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 6/8/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية