القاهرة ـ «القدس العربي»: تركز اهتمام المصريين جميعا على انفجار سيارة الميكروباص المحملة بمواد متفجرة، وعدد آخر من السيارات الملاكي أمام المعهد القومي للأورام في شارع قصر العيني، ما ألحق أضرارا بالمبنى ومقتل عشرين من المواطنين المارة وجرح العشرات، وفي الظروف العادية كان مشهد المرضي بالسرطان الذين يأتون من عدة محافظات لتلقي جرعات العلاج الكيميائي المخصصة لهم يفترشون الرصيف أمام المعهد ومعهم أقاربهم في انتظار دورهم.
انفجار المعهد القومي للسرطان يفجر حملات غضب ضد الحكومة ولجوء المواطنين إلى الفيسبوك والإعلام الخارجي
وقد أنشئ هذا المعهد عام 1969 أيام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ويتبع جامعة القاهرة. وأدى تأخر صدور البيانات وتضاربها إلى إثارة موجة من البلبلة والغضب، لدرجة أن الناس ظلت مدة طويلة لا تعرف ما حدث بالضبط.
كما اهتمت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 6 أغسطس/آب بإبراز استقبال الرئيس السيسي سلطان بروناي حسن بلقية، وإجراء محادثات اقتصادية، لمساهمة السلطنة الغنية في الاستثمار في مصر. وفي ما عدا ذلك فقد تواصل الاهتمام بالقبول في الجامعات في المرحلة الثانية والثالثة، وأخبار الحجاج المصريين، والمرضى منهم، ولوحظ أن عددا لا بأس به من الذين يعانون من فشل كلوي ويقومون بعمليات غسيل كل ثلاثة أيام سافروا، اعتمادا على تلقي العلاج المجاني في مقر البعثة الطبية المصرية، أو المستشفيات السعودية، وكذلك الذين يتلقون جرعات من العلاج الكيميائي ضد السرطان. وتواصل اهتمام الصحف بالأضاحي بمناسبة عيد الأضحى، وأسعارها وشروط ذبحها وأسعار الخراف البلدية والمستوردة. والي ما عندنا….
كاريكاتير
أخبرنا الرسام محمد عمر في مجلة «آخر ساعة» أنه سمع صديقا له يقول لزميله الذي يفكر في شراء خروف مستورد: لازم الخروف الأجنبي المستورد ياخد الأول كورس لغة عربية قبل الدبح عشان لما يقول ماء يبقى النطق بتاعه سليم ويبقي دبحه حلال.
بيان وزارة الداخلية
ونبدأ بأبرز ما نشر عن الحادث المأساوي أمام مبني معهد السرطان في شارع قصر العيني ونص بيان وزارة الداخلية وهو نقلا عن «الشروق»: «في إطار فحص حادث انفجار إحدى السيارات في منطقة قصر العيني أمام «معهد الأورام» توصل الفحص المبدئي إلى أن الحادث نتيجة تصادم إحدى السيارات الملاكي بثلاث سيارات أثناء محاولة سيرها عكس الاتجاه، وانتقلت الأجهزة المعنية وقامت بإجراءات الفحص والتحري وجمع المعلومات، حيث توصلت لتحديد السيارة المتسببة في الحادث، وتحديد خط سيرها، حيث تبين أنها إحدى السيارات المبلّغ بسرقتها من محافظة المنوفية منذ بضعة أشهر، كما أشار الفحص الفني إلى أن السيارة كان في داخلها كمية من المتفجرات وأدى حدوث التصادم إلى انفجارها. وتشير التقديرات إلى أن السيارة كان يتم نقلها إلى أحد الأماكن لاستخدامها في تنفيذ إحدى العمليات الإرهابية، وتوصلت التحريات المبدئية وجمع المعلومات إلى وقوف حركة حسم التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية وراء الإعداد والتجهيز لتلك السيارة، استعداداً لتنفيذ إحدى العمليات الإرهابية بمعرفة أحد عناصرها، وجارٍ استكمال عمليات الفحص والتحري وجمع المعلومات وتحديد العناصر الإرهابية المتورطة في هذا التحرك واتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم».
رب ضارة نافعة
حمدي رزق في «المصري اليوم» يدعو الجميع للتبرع لمعهد الأورام ويبدأ مقاله بالقول: «رب ضارة نافعة، الانفجار المروع قبالة المعهد القومي للأورام سلط الضوء على هذا الصرح الطبي، الذي كان لفه النسيان تحت وطأة الحملات الإعلانية المكثفة لبعض المستشفيات الخيرية، التي حرمت المعهد ومثله كثير من المستشفيات المعتبرة من أي تبرعات تقيم أودها وتعينها على أداء مهمتها الطبية على أكمل وجه. المعهد الذي يكمل عامه الخمسين، تأسس عام 1969، عاد إلى الحياة من قلب الانفجار، تصدر اهتمامات رئيس الوزراء، وكُلف المقاولون العرب فوراً بإعماره بعد الانفجار، ولن يتأخر المهندس محسن صلاح. وزاره رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد الخشت، ليلاً بعد دقائق من الانفجار، باعتباره أحد الصروح الطبية لكلية طب جامعة القاهرة، عسى أن تنتج هذه الزيارات أثرا إيجابيا بعد إخماد النيران في إخراج المعهد من زاوية النسيان وإعادته إلى الحياة. الانفجار أيقظنا على حقيقة أن بين ظهرانينا معهدا بلغ من العمر نصف قرن، معهدا يخدم بالمجان، ويكافح غول السرطان، والله لو لقي هذا المعهد التعيس بعض العناية التي تلقاها بعض المستشفيات الاستثمارية لتحول إلى أهم معهد بحثي طبي في الشرق، ولكن للأسف دوما ننسى الصروح العريقة في غمرة انشغالنا بالمستجدات، بدون خريطة وطنية تُعنى بنهضة طبية يمكن أن تؤسس على سلسلة من الصروح الطبية العريقة، التي تجاهد من أجل البقاء على قيد الحياة. فرصة وسنحت أمام رئاسة جامعة القاهرة لإطلاق حملة وطنية للتبرع لإعمار معهد الأورام القومي، على هامش احتفالية وطنية بمرور نصف قرن على تأسيس المعهد على يد الدكتور لطفي أبوالنصر، مؤسس المعهد وأول عميد له، ويقينًا ستجد مددا شعبيا من مقدرين لإنقاذ المعهد من آثار الانفجار، والأهم إنقاذ المعهد من آثار النسيان، الذي ترك آثاره على الواجهات التي تطل بوجه كئيب على النيل. يومًا ما لفت الرئيس السيسي نظر رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، إلى تدهور حالة معهد القلب في إمبابة، فدبت فيه الحياة، عاد إلى الحياة بعملية جراحية أشرف عليها محلب بنفسه، ولم يغادر المعهد حتى تم إعماره وتشغيله بالطاقة القصوى، لدينا صروح طبية عريقة ذات أساس متين، وخبرات طبية هائلة، وآمال وطموحات عظيمة، فقط تعاني انخفاضًا رهيبًا في المعنويات جراء الإهمال، نسيناها. إذا نُودي على إنقاذ معهد الأورام لن يتأخر طبيب واحد، ويقيني سيهرع مقتدرون للتبرع، وكما تطوع المستشار الجليل عدلي منصور لحملة دعم مستشفى أطفال أبوالريش، يمكن أن يتطوع رمز مصري قادر لقيادة حملة إنقاذ معهد الأورام، تبرعًا لوجه الوطن».
إدارة الأزمات
أما عادل السنهوري في «اليوم السابع» فكتب قائلا: «كان من بين النقاشات الجيدة في جلسات نموذج محاكاة الدولة المصرية، ما طرحه شباب البرنامج الرئاسي وشباب الأحزاب السياسية من ضرورة وجود ما يسمى بإدارة الأزمة داخل الحكومة المصرية، بمؤسساتها وأجهزتها وهيئاتها ووزارتها المختلفة حتى لا نقع في حيرة وارتباك عند وقوع الأزمات والحوادث، ويؤدي الارتباك في التعامل مع تلك الأزمات إلى سيل من الشائعات والأكاذيب، خاصة مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي. حادثة المنيل التي أشار بيان وزارة الداخلية أخيرا وبعد حوالى 16 ساعة إلى أنه عمل إرهابي خير دليل على حاجة الحكومة إلى فريق إدارة أزمة بصورة عاجلة.. فقد ترك الحادث لغير ذوي الاختصاص والعلم، للإدلاء برأيهم فيه، والإسراع في التصريحات المتضاربة والمتسرعة، قبل انتقال قوات الأمن والخبراء الجنائيين والنيابة إلى مكان الحادث. فمع كامل التقدير للمسؤوليين عن جامعة القاهرة، التي يقع معهد الأورام تحت إشرافها، فقد سارع الدكتور محمد الخشت رئيس الجامعة إلى إصدار بيان سريع بأن المعلومات المبدئية عن الحادث، أنه انفجار خارج المعهد نتيجة تصادم سيارة تسير عكس الاتجاه بمجموعة سيارات، أعقب ذلك مباشرة تصريح «مصدر أمني»، بأن انفجارا في الطابق الثاني في المعهد في منطقة المنيل، تسبب في اشتعال النيران، وبعده مباشرة صدر بيان آخر من المكتب الإعلامي لجامعة القاهرة، ليؤكد ما قاله رئيس الجامعة الذي ذهب على عجل مشكورا لأداء واجبه في تفقد المعهد، والأضرار التي لحقت به. ثم ذهب وزير التعليم العالي إلى المعهد ووزيرة الصحة. وسط هذه التصريحات غابت الحقائق وخاصة بعد اعلان أرقام الوفيات في الحادث وارتفاعها إلى 19 وفاة و60 مصابا.. وبدأ خبراء الفيس بوك وتويتر في الإدلاء بآرائهم الاستراتيجية ومعلوماتهم التي لا يمكن إنكارها.. فهناك من قال إنه انفجار في مخزن اسطوانات الأوكسجين في المعهد.. وآخرون أكدوا أنها سيارة محملة بأنابيب البوتاجاز اصطدمت بسيارات أخرى أمام المعهد. وسط غياب « إدارة الأزمة» تكاثر الخبراء وكثر اللغط وزادت الحيرة والتشويش لدى غالبية الناس التي ظلت تتابع الحادث حتى ساعة متأخرة من الليل وحتى الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين، وحتى صدر البيان الرسمي لوزارة الداخلية عن الحادث وقطع الشك باليقين. ما حدث من عشوائية وارتباك بشأن حادث المنيل الإرهابي يعيد طرح السؤال من جديد ما هو العائق حتى الآن أمام الحكومة لتشكيل إدارة خاصة للأزمات، تضم كافة الأجهزة المعنية، الأمنية والعسكرية والمدنية، تكون متأهبة دائما لأي طوارئ أو حوادث ولديها الخبرة العملية والميدانية للتعامل، ولديها متحدث رسمي واحد دون غيره للإدلاء بالتصريحات، وإصدار البيانات وعقد المؤتمرات الصحافية العاجلة والطارئة للإجابة على كافة التساؤلات في حينها.. لماذا لا نستفيد من تجارب دول أخرى في كيفية التعامل وإدارة الأزمات. الحادث الأخير يكشف العديد من الأمور، منها سوء الإدارة وعدم الجدية من الجهات الأمنية في متابعة ملف السيارات المسروقة والمبلّغ عن اختفائها، والسيارات التي تسير في قلب العاصمة ومدن مصر بلا لوحات، أو تحمل ملصقات جهات سيادية، بدون وجه حق، وأيضا ملف الدراجات البخارية.. كل ذلك يصب في قضية انضباط الشارع المصري والفوضى إلى تسوده من كافة أنواع مركبات النقل الجماعي. مصر الدولة التي تكاد تكون الوحيدة التي تعج شوارعها بكافة أنواع النقل الجماعي على عكس باقي الدول المتحضرة».
تشكيل فريق أمني
وفي تحقيق لـ«الوطن» شارك في إعداده محمد بركات ومحمد مجدي وزميلتهم مريم الخطري جاء فيه: «قالت مصادر أمنية لـ«الوطن» إن وزير الداخلية قام فور وقوع الانفجار بتشكيل فريق أمني لتقصِّي أسباب الحادث، وكشف الملابسات الكاملة لوقوعه، على أن يوافَي بنتائج عمل الفريق الأمني أولاً بأول، مؤكدة على أن الفريق الأمني يعكف حالياً على جمع الأدلة والاستدلالات الخاصة بالحادث، ومراجعة الكاميرات التي وثقت لحظات الانفجار، وسماع شهود العيان. وأكدت أن الفريق الأمني يتعامل مع كل السيناريوهات المحتملة لوقوع الحادث ويدققها من جميع جوانبها، موضحة أن تشريح الجثامين بواسطة الطب الشرعي سيكون من وسائل كشف سبب الانفجار، الذي شهده محيط معهد الأورام. وأضافت المصادر، أن جثث المتوفين بسبب انفجار عبوة ناسفة يكون فيها بعض المعادن و«الرايش» نتيجة انفجار العبوة الناسفة، أما جثث المتوفين نتيجة حادث سيارة أو حريق تكون متفحمة بدون استقرار أي معادن عليها، بالإضافة إلى تقرير المعمل الجنائي الذي لا يقل أهمية عن تقرير الطب الشرعي، مشيرة إلى أن ضباط المعمل الجنائي، انتقلوا في الساعات الأولى من صباح الحادث إلى مسرح الواقعة وأجروا المعاينة وتم أخذ عينات من بعض حطام السيارات».
تغريدة السيسي
أما الرئيس السيسي فكتب على صفحته في تويتر يقول معزيا الشعب وأسر الضحايا: «أتقدم بخالص التعازي للشعب المصري، ولأسر الشهداء الذين سقطوا نتيجة الحادث الإرهابي الجبان في محيط منطقة القصر العيني مساء (الأمس). كما أتمنى الشفاء العاجل للمصابين، وأؤكد على أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها عازمة على مواجهة الإرهاب الغاشم واقتلاعه من جذوره، متسلحة بقوة وإرادة شعبها العظيم. وفي تغريدة ثانية قال: ما أجمل حسن التكاتف والتكافل في مواجهة قبح تأثير الإرهاب، وأنا أرى تسارع وتسابق وتضامن الجميع، سواء من أشقائنا العرب أو أهل بلدنا في تقديم ما يستطيعونه لتجاوز ما خلفه الإرهاب الغاشم من خراب، وهذا إن دل فهو يدل على حقيقة راسخة في وجداننا كعرب ومصريين بأن نظل متكاتفين في مواجهة الإرهاب».
الحاجة للدعم المالي
وتعددت التعليقات ففي «الأخبار» أشاد جلال عارف باستمرار المعهد، رغم ما لحقه من أضرار في أداء واجباته نحو المرضى، وطالب منظمات المجتمع بدعمه وقال: «معهد الأورام يحتاج للدعم في الظروف الطبيعية الآن، يحتاج بلا شك لدعم أكبر فليترجم القادرون منا أحزانهم على الحادث إلى دعم مالي لهذا الصرح الطبي، الذي يتعامل مع آلاف الحالات، ويقدم خدماته المجانية لهم. الحساب البنكي لقبول الدعم هو 777 وجميع البيانات على مواقع المعهد التحقيقات تستمر حتى الآن، تتجلى الحقيقة وتتم المحاسبة عن أي جريمة أو إهمال أو تقصير. الصرح الطبي سيعود للعمل بكامل طاقته في أقرب وقت، دعمك مهما كانت قيمته يعني الكثير ويحول الأحزان إلى طاقات للأمل».
خوف المسؤولين
وعلى الفور انفجرت موجات غضب عنيفة ضد الحكومة وإعلامها بسبب التأخر في الإدلاء بالمعلومات، ما أدى إلى أن يتجه الناس للفيسبوك وما فيه من أخبار غير صحيحة، وإلى القنوات الخارجية ليعرفوا حقيقة ما حدث، وكانت فرصة لأن يصب الجميع غضبهم الذي عبروا عنه من قبل مرات، على تدني مستوى الإعلام والقائمين عليه، الذين اختارهم النظام، وخوف أي مسؤول أن تكون له مبادرة حتى لو كانت في مصلحة النظام، فكل واحد ينتظر الأمر من الذي يرأسه، وهذا ينتظر من هو أعلى منه وهكذا، إضافة إلى تدخلات من بعض الجهات في النظام وبدأت الهجوم في «الأخبار» الدكتورة رضوى عبد اللطيف بقولها: «عاد الفيسبوك لتصدر المشهد بعد أن أصبح المصدر الأول والوحيد لمتابعة الحادث، عبر حسابات أشخاص كثيرين، ورغم تعدد الروايات الرسمية وغير الرسمية إلا أن الصور والفيديوهات المنشورة كانت الوحيدة التي يمكن الحديث عنها. وبين عبارات قلنا وقالوا وسمعت من فلان وعلان تعددت روايات شهود العيان وغاب الإعلام الوطني وسط تخطيط غير مفهوم في البيانات الرسمية الصادرة فعلت أصوات الإعلام المعادي».
افتراضات وتكهنات
«على هامش مأساوية الصورة كاملة الأضلع والأركان لانفجار «محيط» المعهد القومي للأورام، تطل مأساوية أخرى برأسها لتقول لنا أن جانبًا لا بأس به من العمل الصحافي المهني في حكم المتوفى، كما ترى ذلك أمينة خيري في «المصري اليوم»، وكأن مشهد الأطفال من مرضى المعهد وهم يقفون بكمامات على وجوههم وممسكين بحقائب بلاستيكية فيها على ما يبدو ما تيسر جمعه في ثوان من متعلقاتهم الشخصية، وقت حدوث الانفجار الذي تبعه حريق، وهلع الأهالي، ومشهد الأشلاء في أماكن متفرقة لم يكن كافيًا، فإذا بأخبار صحافية متضاربة وتكهنات حول ما جرى منسوبة لمصادر في جهة هنا وجهة هناك، أغلب الظن أنها مختلقة من قبل كاتبها، وروايات جديرة بكتب الخيال غير العلمي، يحكيها من لم يكن في محيط الحادث لزملاء وزميلات سدوا بها فراغات مطبوعاتهم ومواقعهم. موقع المعهد في وسط القاهرة جعله قبلة للجميع، البعض هرع للمساعدة الحقيقية المفعمة بالجدعنة والشهامة، البعض الآخر ذهب بدافع حب الاستطلاع، وفريق ثالث من أولئك المصابين بانعدام الدم وتقزم الإحساس لدرجة الاضمحلال، تسمروا في محيط الحادث ليلتقطوا الصور بهواتفهم المحمولة. ومع كامل الاحترام لـ«صحافة المواطن» التي مكنت كل حامل هاتف محمول به كاميرا من أن يتحول إلى مصدر لخبر منتقص، وصورة مأزومة، حيث محتوى ساخن ملتهب، بدون تفسير أو معلومة، إلا أن تخمة الصور ومقاطع الفيديو التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي أثارت حالة من الفوضى العارمة.. للأسف الشديد، لم يختلف محتوى ما جاء في الإعلام «المهني» من صحافة ومواقع وتلفزيون وما جاء في مواقع التواصل الاجتماعي. من سمع شبه معلومة أو حصل على شهادة شاهد عيان بثها ونشرها كما هي. وكم من شهادة لا تقتصر على رواية ما جرى، بل تنطوى على كم مزعج من الافتراضات والتكهنات والتحليلات، التي يتم سردها وكأنها معلومات. وقلة المعلومة بالمناسبة ليست سُبة على جبين الحكومة أو ذلة في رقبة المسؤولين. وبمتابعة الحوادث الكبرى في أكثر دول العالم «شفافية» من حيث عرض المعلومات، وعقد المؤتمرات الصحافية لإطلاع الإعلام على ما يتوافر من معلومات موثقة أولًا بأول، يعرف الجميع عبارة «جارٍ البحث والتقصي، وسيتم الإفصاح عن النتائج حال توثيقها، والتأكد من مصداقيتها أولًا بأول»، لكن أن تُترك الأمور لـ«صرّح مصدر مسؤول فضل عدم ذكر اسمه»، أو تقتصر التصريحات على أعداد القتلى والجرحى، بدون تنويه بمتابعة الإعلام أولًا بأول، أو يخلد من بيده أمر المتابعة للنوم فتغيب المتابعات لنحو خمس ساعات كاملة، لا حس فيها أو خبر سوى لـ«صحافة المواطن» و«الخابور الاستراتيجي»، فهذا هو الطريق الأقصر والأضمن لإثارة البلبلة وإفساح المجال للقيل والقال. كلمة أخيرة.. أغلبنا يفتقر إلى «ثقافة إعلامية» و«مسؤولية وطنية» قبل الإقدام على التكهن بالتفسير، حقنًا لأعصابنا ودمائنا».
الإعلام المحلي
«الناس تتنازعها الشكوك حول روايات حادث معهد الأورام في القاهرة.. ولهم كل الحق في ذلك، كما يؤكد ذلك مجدي سرحان في «الوفد»، فأي عاقل يمكن أن يصدق أننا حتى وقت كتابة هذه السطور وبعد مرور أكثر من نصف يوم.. أي 12 ساعة كاملة لم نحصل على تفسير واحد حقيقي ومعقول ومنطقى لكيفية وقوع الحادث، رغم أننا نعيش في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات و«السماوات المفتوحة»؟ المعلومات المتوفرة والبيانات الرسمية الصادرة من وزارتي الداخلية والصحة.. وروايات الشهود العيان.. تقول إن سيارة مسرعة في الاتجاه العكسي «عن طريق الخطأ» صدمت 3 سيارات أخرى أمام معهد الأورام.. فوقع انفجار رهيب وحريق هائل.. نتج عنه حتى الآن سقوط 20 قتيلًا (بعضهم تم جمع أشلاء جثثهم في أكياس)، بالإضافة إلى 30 مصابًا.. وتدمير أكثر من 10 سيارات.. تطايرت وسقط بعضها على الأرض، ما أسفر عن اشتعال النيران فيها، بينما سقطت سيارات أخرى في مياه النيل، كما تبين أن الانفجار أحدث حفرًا في الأرض.. وأدى كذلك إلى تطاير محتويات بعض غرف مرضى المعهد، ما اضطر الأجهزة المعنية إلى نقل هؤلاء المرضى إلى مستشفيات بديلة، وكل ذلك بسبب تصادم 3 سيارات! وما بين بيان الداخلية الذي تحدث عن حصيلة أولية 5 قتلى و15 مصابًا.. وبيانات الصحة المتتالية التي ارتفعت خلالها حصيلة الضحايا إلى 15 ثم 17 ثم 19 ثم 20 قتيلًا.. ثم بيان مجلس الوزراء الذي يتضمن أن رئيس الوزراء طلب تقريرًا مفصلًا حول الحادث، ثم بيان النائب العام الذي يتضمن انتداب فريق تحقيق لتحديد ملابسات وأسباب الحادث، لم يجد الناس إجابة شافية واحدة لسؤالهم: كيف يمكن لتصادم 3 سيارات وفقًا للرواية الرسمية أن يتسبب في كل هذا الدمار وهذه الخسائر؟ وهل هناك لغز وراء هذه «السيارة التي تسير مسرعة في الاتجاه المعاكس»؟ لدرجة أن البعض ذهبت توقعاته وتحليلاته إلى الجزم بأن هذه السيارة كانت تحمل «شيئًا ما» وتستهدف أيضا شيئًا ما أو أحدًا ما. وكلهم صبوا جام غضبهم على الإعلام المحلي.. فاتهموه بالتقصير في تغطية الحادث، أو بتعمد التعتيم على أسبابه.. وكثيرون انصرفوا إلى المتابعة عبر القنوات المشبوهة التي استغلت الفرصة و«شبعت لطمًا» حتى الصباح في هذه «الجنازة الحارة». ما حدث يعيد من جديد فتح ملف الإعلام المصري «المُفتَرَى عليه» الذي أصبح «حاله لا يسر عدو ولا حبيب».. ويتلقى سهام النقد والتجريح بصدور عارية، لم يعد هناك ما يسترها إلا ما رحم ربي من نفوس مازالت متحصنة بدروع من المسؤولية المهنية والقانونية والوطنية والأخلاقية.. لكنها كالقابض على جمرة من نار وسط أمواج متلاطمة في بحار الفوضى العارمة التي ضربت جسد الآلة الإعلامية، وفي ظل هجوم عشوائي و«تكالب» محموم من الدخلاء على المهنة، وسطوة أصحاب رؤوس الأموال. أضف إلى ذلك، وهذا ليس سرًا خفيًا على الجميع.. النظرة السلبية للإعلام من جانب بعض الأجهزة الرسمية، التي نتجت عن تجاوزات بعض الإعلاميين وكوارث بعض الأجهزة الإعلامية. ما نريد تأكيده هو أن الإعلام المصري صار في محنة حقيقية.. رغم ما نعلمه جميعًا من أن للإعلام في الدولة المصرية والنظام القائم دورًا محترمًا، ولا ننكر أيضًا أن هناك خطايا وتجاوزات، بل جرائم ترتكب باسم الإعلام.. ويسيء مرتكبوها ليس لأنفسهم فقط، لكن للجماعة الإعلامية ككل. لكن المهم ألا يؤخذ الصالحون بجريرة الطالحين، والأهم قبل ذلك أن تتوافر الإرادة لوصول الحقيقة إلى الناس.. سريعة وكاشفة، بدون تعتيم أو تزييف أو مواربة أو تضليل.. أو غير ذلك من المفردات التي لم تعد تلائم لغة العصر الحديث، ووقتها لن يكون للشكوك وللتشكيك محل من الإعراب».
دكة الاحتياط
ثم نتحول إلى «المصري اليوم» لنكون مع محمد أمين لنقرأ له قوله: «خطر كبير أن تكون هناك حرية أكبر لمن يكتبون على «فيسبوك» أكثر ممن يكتبون في الصحف الرسمية، هنا تسود الفوضى وتنهار القيم، لأن الكاتب بطبعه «مسؤول» حين يجلس أمام الأوراق، ينضبط سلوكه ويشعر بالمسؤولية، أما من يكتب على مواقع التواصل فليس مؤهلاً للكتابة، ولا تحكمه مهنة ولا يهمه ما ينشره، حتى لو كانت شائعات وأكاذيب. المفترض أن الدولة اختارت قيادات صحافية وتلفزيونية وإذاعية تثق فيها، والمفترض أنها تشربت وتشبعت بفكر الدولة وتعرف حدود المصلحة العليا للوطن، وبالتالي تتركها تتصرف بكل قوة، لتعطي المواطن المعلومات من وجهة نظر مهنية، ومن وجهة نظر وطنية أيضاً فلماذا يجلس هؤلاء ينتظرون التعليمات؟ ولماذا يجلسون الآن على دكة الاحتياط؟».
حكومة ووزراء
وإلى الحكومة وإشادة في «الأخبار» من رئيس تحريرها الأسبق جلال دويدار بوزير التموين بحذف ملايين بطاقات الدعم للسلع التموينية التي يصرفها الأثرياء والقادرون وقال عنهم: «لا أستطيع أن أفهم أو أستوعب كيف يقبل مواطن على نفسه أن يحصل على مواد الدعم التمويني وهو يعلم يقينا أنه لا يستحقه، هذه الحقيقة المفزعة كشفت عنها منظومة المراجعات التي استند إليها الدكتور علي المصيلحي وزير التموين وفريق الشرفاء من المعاونين له، كان من نتيجة ذلك حذف ما يزيد على 8 ملايين غير مستحق للدعم مجمل قيمة هذا الدعم كما هو معروف تصل إلى مئات المليارات من الجنيهات، التي تنوء بها الموازنة العامة للدولة، وتمثل عجزا في إيراداتها، هذا العجز يساهم في عدم قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الكثير من الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير الخدمات ورفع الأجور بالصورة الواجبة».
على حساب الفقراء
وهي القضية ذاتها التي قال عنها محمد عبد الحافظ رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة»: «إلغاء البطاقات التموينية لغير المستحقين الذين كانوا يصرفون المقررات التموينية، وهم يملكون سيارات ويحصلون على دخول مرتفعة ويستهلكون مئات الكيلوات من الكهرباء، ولديهم حيازات زراعية ويدفعون لأبنائهم آلاف الجنيهات في المدارس، واستهلاك فاتورة تليفوناتهم المحمولة مرتفعة، كل هؤلاء يستولون على دعم الفقراء وغير القادرن والمعدمين، وكانت الأنظمة والحكومات في العهود السابقة تجامل هؤلاء على حساب المعدمين، وتؤثر السلامة معهم، حتى لا يتذمروا، فأغلب هؤلاء من ذوي الأصوات العالية. ستكون أمام الحكومة فرصة لكي تزيد مخصصات المحتاجين الذين لم يجدوا أحدا من قبل يحنو ويشعر بمعاناتهم».
أين يذهب خبراؤنا؟
وكان في انتظار الوزير ونائبه الدكتور محمد حسن البنا في «الأخبار»، الذي سخر من خطة الحكومة للجوء إلى شركة ماكينزي العالمية لوضع خطة لإصلاح الجهاز الإداري للدولة، وقال عنها: «وضعت الدولة خططا لإصلاح الجهاز الإداري العام بهدف تيسير أداء الخدمات والمصالح للمواطنين، وأيضا المستثمرين وتحقيق نقلة عصرية للمجتمع. وقد عقد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء عدة اجتماعات لذلك حضرتها وزيرة التخطيط الدكتورة هالة السعيد، لكن المشكلة أنهم يبحثون عن خبرة أجنبية.
علما أن لدينا كما من أساتذة الإصلاح الإداري وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وهم خبراء في الحالة المصرية، وتسعى الحكومة للتعاقد مع شركة ماكينزي العالمية، التي تحمل سمعة غير طيبة حينما عملت في مصر على خصخصة القطاع العام، في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استعان بها الدكتور عاطــــف عبيد ملك الخصخصة، الذي ما زلنا نعاني منه حتى الآن، فقد فشلت الشركة في تقديم النصيحة المخلصة للحكومة المصرية.
واذا كنا ننشد بتحويل الأداء الحكومي ليعــــمل بكفاءة وفعالية علينا بالخبراء المصــــريين، خاصة أن لديــــنا الآن حوالي 46 مليون موظف يقبضون مرتبات تصــــل إلى 240 مليار جنيه سنويا، من دون نتيجة مرضية سينتقل منهم 50 ألفا للعاصــــمة الإدارية منتصـــف العام المقبل. تغيب عن موظفـــي الدولة مبــادئ المسألة والشفافية والنزاهة».
ما الضرر؟
محمد أبو الفضل بدران يتساءل في «الوفد»: «لماذا لا نلغي التوزيع الجغرافي والإقليمي في تنسيق الثانوية العامة؟ ولماذا نحرم طالبًا حصل على الدرجة المؤهلة للالتحاق بكلية ما، بحجة أنه مقيم في محافظة ما، وأنه حصل على الثانوية العامة منها، ولذلك يجب أن يظل فيها في تعليمه الجامعي، وكأنه مقرر له ألا يغادر هذه المحافظة حتى الموت، لقد لجأ بعض الطلاب من خارج القاهرة إلى استئجار شقق في محافظة القاهرة والجيزة وحصلوا على عقود وهمية، حتى يلتحقوا بكلية يرغبونها في القاهرة، كيف نحرم شبابنا من جامعات القاهرة الكبرى لأنهم من خارجها، وكيف نحرم أبناء القاهرة من الالتحاق بأي جامعة خارج القاهرة لأنهم لم يولدوا فيها، هل يوجد مبرر مقنع أن نحرم طالبًا حاصلًا على الدرجات المؤهلة للالتحاق بالكلية التي يودّها؟ وقد بادرت وزارة التعليم العالي هذا العام إلى إلغاء التوزيع الجغرافي في تنسيق المعاهد الخاصة، ومن قبل في الجامعات الخاصة، وهذا قرار صائب أود تعميمه على الجامعات الحكومية.
إن الهدف من الإلغاء تذويب الفوارق بين طلابنا وتعارفهم وتبادل ثقافاتهم المختلفة ومعارفهم، هذا مطلب الطلاب وأولياء الأمور، فهل يحققه لهم المجلس الأعلى للجامعات؟ مظاليم الثانوية العامة إذا رغب الطالب في الثانوية العامة في تأجيل مادة أو مادتين إلى دور أغسطس/آب عُدّ غائبًا ويحصل على الحد الأدنى من الدرجات، بينما إذا أَجّل المواد إلى العام التالي، أي قَسّمَ مواد السنة على عامين يحصل على درجاته الفعلية كيف.. ولماذا؟ إن من حق الطالب أن يحصل على درجته الفعلية بدون زيادة وبدون إنقاص، وعلى الوزارة أن تفكر في مصلحة أبنائها، سيقال إن جميع الطلاب سيذهبون للدور الثاني، وما المشكلة في ذلك؟ لو أراد أن يخفف عبء المواد ويؤجل مادتين لأغسطس/آب بحيث يذاكرهما جيدًا أو يمتحنهما في أغسطس فما الضرر؟ يا وزير التربية والتعليم اللوائح ليست مقدسة، وإنما حق أبنائنا الطلاب أجدر بالنظر والإحقاق. أخيرًا طبقت الصين بصمة العين للتلاميذ، حيث يدخلون صباحًا من بوابات يقفون أمامها برهة لأخذ بصمة عيونهم، ويتكرر هذا عند خروجهم من المدرسة عصرًا ويبلغ هذا أتوماتيكيًا لوليِ الأمر، بحيث يعرف متى وصل ابنه ومتى خرج من المدرسة؟ وقبل فترة وعد وزير التربية والتعليم الأسبق بإعلام أولياء الأمور عندنا بغياب أبنائهم يوميًا، ولكن هذا الوعد لم يفِ به أحد من المسؤولين.. هل نطبق ما يفعله الصينيون في مدارسهم، أو اكتفينا بالاستيراد منهم ولاسيما استيراد المصاحف وسجادات الصلاة والمسابح؟».