فاروق الفيشاوي الذي تعود جذوره لعائلة ريفية عريقة في قرية سرس الليان في محافظة المنوفية، وهي العائلة المحافظة التي لم يكن من بين أبنائها هاو للفن أو عاملاً فيه من قريب أو بعيد، يدرس في واحدة من كليات القمة ملبياً رغبة الأسرة في أن يصبح طبيباً، لكنه يشب عن الطوق وتنمو في داخلة أحاسيس التمرد، فيختار لنفسه طريقاً عسيراً، تملؤه الحفر والمطبات، ولكنه يأبى الحياد عنه ويُصر على السير فيه، متحدياً شعار المحافظة، وضارباً عرض الحائط بكل التقاليد العائلية المكبلة لطموحه وآماله.
تكبر هواية التمثيل داخل الفتى فاروق الفيشاوي، وتتعاظم رغبته في أن يكون ممثلاً، وخلال فترة دراسته يجد في البحث عن فرصة تصله بحُلم العمر، وتكون بداية الاكتشاف والانطلاق من محطة التلفزيون، حيث العمل مع الفنان القدير عبد المنعم مدبولي ومجموعة الفنانين الشبان آن ذاك، يحيى الفخراني وصلاح السعدني ومحمود الجندي وآثار الحكيم في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً»، وهو نوعية درامية تقليدية اعتنت بمناقشة قضايا الأسرة والأبناء، وفي ذلك الوقت من فترة الثمانينيات كان هذا اللون الدرامي هو المفضل لدى جمهور التلفزيون المصري، ومن ثم فقد تردد صدى المسلسل بقوة وأحدث تأثيراً مهماً ساعد على تأكيد المواهب الشابة المشاركة في العمل، واعتبر عبد المنعم مدبولي أباً روحياً للوجوه الجديدة المذكورة التي أخذت فرصتها على يديه. وبعد عدة سنوات من الاكتشاف جاءت الفرصة الأكبر للممثل الموهوب ليستثمر نجاحه، فأسند إليه الدور الفارق في حياته، الذي جسد فيه شخصية أمين المنزلاوي، في مسلسل «ليلة القبض على فاطمة» مع فردوس عبد الحميد ليتحول الفيشاوي من ممثل مجتهد باحث عن فرصة، إلى نجم صاعد يحتل موقع الصدارة في الصحف والمجلات الفنية، ورغم الوقع القاسي للدور على جمهور التلفزيون وكرهه للشخصية الأنانية الانتهازية، إلا أن براعة التمثيل والأداء أنصفته وارتقت به لمصاف النجوم فصعد صعوده السريع، إذ وجد فيه المنتجون والمخرجون النموذج الأمثل للممثل الجذاب، وهو رهان تقليدي كان يُعتمد عليه اعتماداً كلياً في شباك التذاكر قبل أن تتبلور موهبة أحمد زكي الذي غير تلك المقاييس، وضرب قاعدة الوسامة كمقوم رئيسي للنجومية في مقتل.
ومن الدراما التلفزيونية إلى سحر الشاشة الكبيرة في السينما كانت النقلة الحقيقية التي صنعت مجد الفيشاوي، ففي زهوة لمعانه تم اختياره ليلعب دوره المهم في بطولة مشتركة مع عادل إمام وسعاد حسني وسعيد صالح في فيلم «المشبوه»، مجسداً شخصية ضابط الشرطة الذي يطارد عصابة تخصصت في سرقة الشقق وأعمال السلب والنهب، والتجارة في المخدرات وكل الممنوعات، وبموجب هذا الدور امتدت مسيرة الفيشاوي وبدأ في الانتقاء والاختيار والتجويد، فتنوعت أدواره في المساحة المضمونة التي لم يشأ الوقوف خارجها حتى لا يفقد نجوميته. وربما ارتباط فاروق الفيشاوي بالنوعية الملتبسة من الشر وابتعاده عن التجسيد التقليدي لشكل الشرير وصفاته وسلوكه ووضوحه المعتاد، كما ورد في مئات الأفلام، هو ما جعله أكثر تميزاً في تقديم الوجه الآخر للشرير أو المجرم، أو الشخص الحقود المستغل بالغ الأنانية، وهذا التداخل بين المعاني السلبية في شخصية واحدة كان من الصعوبة بمكان الإمساك به وتقديمه بالحرفية التي قدم بها النجم الراحل شخصياته، في إطار مثير ولافت على النحو الذي تحقق في أدائه النوعي الفريد.
تكبر هواية التمثيل داخل الفتى فاروق الفيشاوي، وتتعاظم رغبته في أن يكون ممثلاً، وخلال فترة دراسته يجد في البحث عن فرصة تصله بحُلم العمر، وتكون بداية الاكتشاف والانطلاق من محطة التلفزيون.
ولو تأملنا في الشخصيات التي قدمها في أفلام مثل، «الطوفان» و»حضرات السادة الكدابين» و»ديك البرابر» و»الجراج» و»قهوة المواردي» و»الأوغاد» و»موعد مع الرئيس» و»مشوار عمر» و»سوق المتعة» و»فتاة من إسرائيل» و»التحويلة» و»يوم للستات»، سنُدرك أننا أمام ممثل بمواصفات خاصة، لديه مخزون وفير من الخبرات والتراكمات الفنية والحياتية، جديرة بأن تكون محل دراسة وتحليل لاستبيان القدرة الفائقة على تطويع الموهبة لتُعطي الإحساس الملائم لكل شخصية على حدة، وبدرجة إقناع متناهية، وفي تقديري أن شخصية السايس الأخرس التي قدمها مع نجلاء فتحي في فيلم «الجراج» كانت الدليل القاطع على وجود قوة تفاعلية كامنة لدى البطل، مكنته من تجسيد الشخصية وفق استيعاب دقيق ووعي بتفاصيلها النفسية والإنسانية، وهو الدور الأصعب الذي وقف حياله نجوم كبار قدموه في تجارب سابقة مشابهه لتجربة الفيشاوي في الفيلم المذكور، كفيلم «الخرساء» الذي قدمته سميرة أحمد وفيلم «الأخرس» الذي لعب دور البطولة فيه محمود ياسين.
وبعبور هذا الاختبار أثبت الفيشاوي أنه الممثل ذو الوجوه المختلفة والموهبة متعددة الأبعاد، لكن مع كل ذلك لم يأخذ الفنان صاحب الخبرات كل ما يستحقه من دلائل الاعتراف به كنجم شباك إلا في حدود ضيقة، وأفلام معدودة من بينها فيلم «أرجوك إعطني هذا الدواء» مع نبيلة عبيد، وفيما عدا التجارب القليلة ظلت العلاقة بينه وبين المنتجين والمخرجين ينقصها بعض الثقة، فالرهان عليه كبطل مطلق كان دائماً ما يتطلب وجود بطل مساعد «سنيد» لضمان تحقيق المعادلة الصعبة في مسألة الإيرادات وهي حسبة اقتصادية لا مجال فيها للمجاملة والمحسوبية وجبر الخواطر.
من هنا كانت النظرة العامة لنجومية فاروق الفيشاوي مجحفة له، وظالمة لقدراته الفعلية بشكل أثر سلبياً عليه في السنوات الأخيرة، وجعله أقل حماساً فآثر الابتعاد نسبياً احتجاجاً على حال السينما المصرية ورفضاً لظروفها.
كانت للفيشاوي أيضاً تجارب محدودة في المسرح الذي جرب حظه فيه من قبيل التنويع وعمل التوازن المطلوب، وقد ترك رصيداً ثرياً على المستوى الضمني، تمثل في مسرحيات «البرنسيسة» و»الناس إللي في التالت» و»الأيدي الناعمة» و»الدنيا مقلوبة» و»المنولوجست» و»شباب امرأة»، «ولاد ريا وسكينة». وتعد تجاربه المسرحية إيجابية في عمومها، ولكنها بالقطع ليست الأهم في مسيرته الفنية التي تتسع في تقييمها لقراءات أشمل وأعمق إذا ما اتصلت بحياته ومراحله وظروف نجاحه وإخفاقه في ضوء ما مرّ به من انتكاسات نفسية واجتماعية ومرضية، كان لها أثر كبير على فاروق الإنسان والفنان.
٭ كاتب من مصر